fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Economist

مقالات الكاتب

ثورة أم استبداد: كيف يمكن ضمان نجاح إصلاحات محمد بن سلمان؟

توعّد أحد رجال الدين السعوديين أن ترك المرأة تقود السيارة سيؤدي إلى الانحلال وغياب الفتيات العذارى. وأعلن آخر أن النساء غير قادرات على تولي عجلة القيادة لأن لديهن نصف دماغ. وهناك من اعتمد على العلم، وقرر أن القيادة ستلحق الضرر بمبايضهن. ولكن مؤخراً تم التخلص من هذا القمامة. في 24 حزيران/يونيو سُمح للنساء السعوديات بقيادة سياراتهن. في خطوة نحو التحرر، من بين خطوات عدة أخرى يجب أن تتضمن على سبيل المثال، إنهاء “الوصاية” الذكورية على حق المرأة في تقرير أن تدرس أو تسافر إلى الخارج. مع ذلك، فإن تمكين المرأة من الجلوس خلف عجلة القيادة يمثل ضربة مُرحب بها ضد الفكرة التي تعتقد بأن أفضل طريقة لإظهار التقوى الإسلامية هي من خلال قمع النساء.

يعتبر وجود السائقات أبرز مظاهر الثورة الاجتماعية، التي لم تنبع من الشوارع بل من قصر محمد بن سلمان، ولي العهد. تم فتح دور السينما؛ وتشغيل الموسيقى في الأماكن العامة؛ كما أُقصيت هيئة الأمر بالمعروف قاتلة المتعة خارج الشوارع. ويعد التحرر الاجتماعي جزءاً من طموح ولي العهد لإنهاء اعتمادية الاقتصاد على النفط. ولكن كما يظهر، فإن تغييراته يصاحبها المزيد من الاستبداد في الداخل، والتهور في الخارج. لذا يجب أن يأمل العالم بأن ينتصر الأمير الجريء على الأمير الوحشي.

السعودية مكروهة بشكل فريد بين الغربيين من جميع الأطياف السياسية. إذ تفزعهم عقوبات الشريعة وسوء معاملة النساء، وينتابهم الخوف من الصبغة الوهابية للإسلام، والتي غذت الأيديولوجيات الجهادية المروعة مثل تنظيم الدولة الإسلامية. على رغم ثروة المملكة، يفضل رجال الأعمال العمل في دبي المنفتحة عن العمل في الرياض. وكثيراً ما يسيء العرب إلى رفاقهم السعوديين ويصفونهم بأنهم أغنياء، كسالى ومتكبرون.

ومع ذلك، ترتبط مصالح العالم بأكمله بمصير السعودية. فهي أكبر مُصدِّر للنفط، وموطن أقدس مدينتين إسلاميتين. كما أنها مركزية بالنسبة إلى الخليج والمنطقة العربية والعالم الإسلامي. من شأن الإصلاحات الناجحة أن تساعد على نشر الاستقرار في منطقة غارقة في الفوضى وتجلب الديناميكية لاقتصاداتها. كما أن تحول السعودية إلى دولة طبيعية من شأنه أن يؤدي إلى عالم إسلامي أكثر اعتدالاً بالتبعية، وسيقل تدفق دولارات النفط إلى المتعصبين. ولكن على النقيض من ذلك، يمكن أن يؤدي الفشل إلى نشر الاضطرابات في الخليج، والذي تجنب على نطاقٍ واسع اضطرابات الربيع العربي عام 2011.

لذا تثير المشكلات المعقدة التي تواجهها السعودية المزيد من القلق. يشير صندوق النقد الدولي إلى أن عائدات النفط المتقلبة تشكل أكثر من 80 في المئة من دخل الحكومة. وحتى مع ارتفاع أسعار النفط الخام، تُصارع البلاد عجزاً كبيراً في الميزانية. وعلى رغم جميع المكاسب في الصحة والتعليم، ظل الناتج المحلي الإجمالي لكل شخص “GDP” ثابتاً لعقود. يعمل السعوديون في الغالب في الوظائف الحكومية المريحة. لقد خلّفت الثروة النفطية اقتصاداً غير منتج على الإطلاق وأخفته، كما أذكت التطرف الإسلامي في جميع أنحاء العالم.

ترتبط مصالح العالم بأكمله بمصير السعودية

 

مما يحسب للأمير محمد إدراكه أن التغيير مطلوب. ومع ذلك، فهو يزيد مهمته بلا داعٍ. فعلى الصعيد الخارجي، أثبت تهوره. فقد سببت حربه ضد الحوثيين- المتركزة حالياً في معركة ميناء الحديدة- انتشار المرض والجوع بين اليمنيين، إضافة إلى الحرب الصاروخية التي طاولت المدن السعودية، كما أحرجت الحلفاء الغربيين الذين يقدمون الأسلحة وغيرها من المساعدات. وفي العام الماضي أساءت السعودية إلى نفسها حين احتجزت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، ولم تطلقه إلا تحت ضغوط دولية. وقادت الطريق مع حليفتها الرئيسية، الإمارات العربية المتحدة، لعزل قطر، الإمارة المعارضة لهما، من طريق قطع الروابط البرية والبحرية والجوية (حتى أن السعوديين يريدون حفر قناة لتحويل قطر إلى جزيرة). وبذلك قاموا بتقسيم مجلس التعاون الخليجي، وهو ممثل اتحاد ممالك النفط. ومع انتشار الحرب الباردة العربية، تستغل إيران والأعداء الآخرون الفرصة لتحقيق مصالح أخرى.
أما في الوطن، فقد طوّر الأمير محمد حالة من القمع. ارتفع عدد عمليات الإعدام، وزاد عدد المعارضين الذين أُلقي بهم في السجون، من بينهم ويا للغرابة، بعض النساء اللاتي قمن بحملات من أجل السماح لهن بقيادة السيارات. فعلى ما يبدو، يجب أن يكون كل شيء هدية من آل سعود: اسم البلد، هِبَاتُ النفط، والآن، حق النساء في قيادة السيارة. كما تبنى وجهة النظر القائلة إن جميع الإسلاميين- وحتى الفروع غير العنيفة للإخوان المسلمين- يشكلون خطراً كبيراً مثل الجهاديين السنة والميليشيات الشيعية. وهكذا، يقود السعوديون والإماراتيون ثورة مضادة ضد الربيع العربي والأمل في الديموقراطية. وللأسف، فقد أعطت أميركا لهم تفويضاً مطلقاً.

كما أن جهود ولي العهد لإنعاش القطاع الخاص مركزية بشكل غريب. حتى الترويج للترفيه تديره وكالة حكومية. كما أن تركيزه على “المشاريع العملاقة”، وبخاصة خطط بناء نيوم، المدينة المستقبلية في الشمال الغربي للبلاد التي تحكمها قوانين منفصلة، تبدو محفوفة بالمخاطر. فالمحاولات السابقة لصناعة نُسَخ من دبي- مركز الأعمال والسياحة في الإمارات العربية المتحدة- كانت مخيبة للآمال. فمركز الملك عبد الله المالي في الرياض شبه خالٍ.

بدلاً من التخطيط لمدينة الأحلام، ينبغي أن يهدف ولي العهد إلى جعل السعودية أكثر شبهاً إلى حدٍ ما بدبي: منفتحة على العالم، وصديقة للأعمال التجارية، تُدار بكفاءة، ليبرالية اجتماعياً، متسامحة دينياً، وقبل كل شيء، يحكمها نظام من القوانين التي يمكن التنبؤ بها. فقراره بحبس مئات من كبار رجال الأعمال والمسؤولين والأمراء بصورة تعسفية في فندق سعودي فخم العام الماضي في “حملة ضد الفساد” أفزع المستثمرين.

تجب عليه أيضاً دراسة الفيدرالية المُتبعة في دولة الإمارات العربية المتحدة. قد يكون الاتحاد الفضفاض لسبع إمارات عام 1971 فريداً من نوعه، لكن بلداً كبيراً ومتنوعاً كالسعودية، يمكنه تحقيق مكاسب كبيرة من تفويض السلطة. وهو ما سيسمح لأجزاء مختلفة من البلاد بالتعبير عن هوياتها بحرية أكبر وتكييف القواعد الدينية تبعاً لتقاليدها- لتصبح الأوضاع أكثر يسراً في جدة، وأكثر صرامة في الداخل في الرياض، والسماح بمساحة أكبر للشيعة في الشرق. ويُمكن أيضاً أن يسمح بتجريب الإصلاحات الاقتصادية. وقبل كل شيء، يمكن أن يؤدي ذلك إلى شكل من أشكال من التمثيل المحلي.

خلال إجراء التحول المُستهدف، يضعف الأمير محمد الأعمدة القديمة لحكم آل سعود- الأمراء ورجال الدين ورجال الأعمال. يمكن أن تساعده الديموقراطية على بناء قاعدة جديدة من الشرعية. ويستطيع ولي العهد تحويل شعبيته بين الشباب والنساء إلى قوة سياسية. ويمكن أن يساعده ذلك في ما يحتمل أن يكون فترة حكم طويلة عندما يصبح ملكاً. الآن، هو على طريق أن يصبح حاكماً عربياً قوياً آخر. وكما أظهر الربيع العربي، الاستبداد هشاً. لذا من الأفضل أن نشهد نوعاً جديداً من الملوك العرب: شخص يعامل شعبه كمواطنين، وليس كرعايا.

هذا المقال مترجم عن موقع the economist ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً