fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مايا العمّار- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

تقاطع الحملات المحليّة والعالميّة ضد العنف الجنسي

صحوةٌ أصابت العالم. واحدة تلو الأخرى، تشجّعت النساء على الإفصاح عمّا تعرّضن له من عنف جنسي. لا ضرورة لشكر الناجيات فقط هذه المرّة، مع الإقرار المترسّخ بأنّهنّ صاحبات الفضل الأساسيّات، سواء أكنّ تحت الأضواء أو خارجها. اليوم، “الشكر” موجّهٌ أيضاً لأصلِ البلاء. لتلك الشهرة والهالة والسلطة بمختلف طبقاتها التي تَسلَّحَ الرئيس الأميركي، “دونالد ترامب”، والمخرج الأميركي، “هارفي واينستين” وغيرهما، بها لاقتراف ما طاب لهم من أعمال عنف وتحرّش. والتمادي في اقترافها، والتلذّذ في ممارستها، إذ كانت هي نفسها السبب في “دومينو” انهيار صورتهم وإيقاظ الغضب. شيء من قبيل الفرح يدغدغ القلب حين يُفضَح ويُحاسَب، ولو معنوياً، هؤلاء المستفيدون من شتّى أنواع الحصانة.
امتدّت هذه الصحوة إلى أنحاء العالم كافّة، ومعها موجة الاحتجاجات ومشاركة التجارب الأليمة. من فضح رؤساء وفنّانين عالميّين إلى فضح وزراء ومسؤولين لبنانيّين، كوزير وزير شؤون النازحين، “معين المرعبي”، وقبله وزير الخارجية، جبران باسيل، ومحافظ الشمال وبيروت السابق ناصيف قالوش، وسواهم. مِن حملة MeToo، #أنا_أيضاً، العالميّة إلى تكثيف الحملات ضد #العنف_الجنسي محلياً، أيّ مسار آخذ في التبلور؟ وما هو شكل الاحتجاجات المحليّة؟
بدايةً، لنتّفق أنّ اللّجوء إلى أداة الفضح ليس جديداً، وهو لا يضمن المحاسبة الشاملة، لا محلياً ولا في الدول الأخرى، وقد يحقّق المحاسبة المعنويّة والاجتماعيّة في أحسن الأحوال. لبنانياً، لا قوانين تجرّم التحرّش الجنسي صراحةً، ومعه الكثير من أنواع العنف الجنسي التي ما زالت مُبعدةً قسراً عن مكانها الطبيعي في قانون العقوبات أو في أيّ قانون خاصّ يعالج تلك الجرائم. فتبقى ضحّيةُ التحرّش في بلادنا اليوم رهينة التأويل المفروض بحكم نصوصٍ قانونيّة مُبهَمة يقع تطبيقها على جرم التحرّش والابتزاز الجنسي في خانة الاحتمال، مثل النصوص المتعلّقة باستغلال المنصب لمنفعة شخصيّة، أو الإخلال “بالأخلاق العامّة”، أو المكابدة على ارتكاب فعلٍ “منافٍ للحشمة”. حتّى بوجود قوانين واضحة أمكن اللّجوء إليها، فالمحاسبة غير مضمونة وغير مكتملة في لبنان. واسم المحامي ورئيس البلديّة أمين أبو جودة، الذي تمّ توثيق تعنيفه لزوجته في العام ٢٠١٥، خير مثال على ذلك.
أمّا المحافظ ناصيف قالوش، فاستقال من منصبه بعد مرور بضعة أسابيع على نشر فيديو يُثبت ابتزازه الجنسي للعاملة الصحّية والناشطة الطرابلسيّة هدى سنكري، في العام ٢٠١٤. خسر قالوش جزءاً من رصيده، وكان هذا تعويض هدى، بدلاً من حكم عادل يُدين الجرم، ويسمّيه، ويحدّد الأضرار الناجمة عنه.
في لبنان، لم تعد النساء يحتملن الرضوخ لإمكانيّة ضئيلة لتجريم ما يتعرّضن له، ودوماً بمسمّيات أخرى، مراعاةً لشعور هذا واحتراماً لمعتقدات ذاك. منذ عقود والمجموعات النسويّة تتحرّك للتصدّي لهذا الواقع، وتتّبع أجندات ذات طابع محوري تارةً وتصاعدي تارةً أخرى، إمّا لتسليط الضوء على إشكاليّات متشعّبة وإحداث التغييرات اللّازمة في الأنماط السلوكيّة والفكريّة وإمّا للضغط باتّجاه إنجاز التعديلات القانونيّة المرجوّة.
مع اقتراب كلّ عامٍ من خواتيمه، تشتدّ في أوساط المنظّمات النسويّة الحملات التوعويّة والدعائيّة، حضوراً ونبرةً، من ضمن أنشطة حملة الـ “١٦ يوماً من النضال لمكافحة العنف ضد المرأة”. هذه السنة، تلقّفت المنظّمات المحليّة الزخم العالمي المتّصل بفضح جرائم التحرّش والابتزاز الجنسي وخوض شخصيّات معروفة معترك الاحتجاج والمواجهة. نُقل هذا الزخم إلى السياق المحلّي. تُرجم إلى حاجة واقعيّة للحديث أكثر عن العنف الجنسي، وضخّ الحياة في مبادرات وأفكار كانت موجودة منذ سنوات، والعمل على سنّ القوانين التي تنعم بها الدول الأخرى، والتي ما انفكّت المجموعات النسويّة فيها تحرّك هذه المسألة لأنّه من الواضح أنّ القانون وحده لا يحلّها.
إذاً، أخذت إشكاليّة العنف الجنسي حيّزاً محلياً واسعاً من الحملات المطلبيّة والإعلانيّة ومضامين مواقع التواصل الاجتماعي في الفترة نفسها. من جهة، تسعد النفس لاكتساب هذه القضيّة أخيراً مساحة هامّة، وتتطلّع إلى أن يصبّ اتّساعها في تحقيق الأهداف الآيلة إلى دعم الضحايا، والحدّ من معاناتهنّ، وتذنيب المرتكب مهما كانت الظروف. ولكن، تتساءل النفس أيضاً، “عن أيّ اتّساع نتحدّث في ظلّ انفلاش مساحة عمل، تحوّلت المادّة الحقوقيّة فيها إلى سلعة استهلاكيّة ولّدت نوعاً من التنافس العقيم، وأسّست لنمط استهلاكي يكمن أحد أخطر آثاره في إنتاج الملل؟”. وفي المقابل، “كيف كان للمنظّمات أن تُسمع أصواتها وأصوات النساء في بلادنا من دون اللّجوء إلى أدوات الترويج السائدة والقائمة في جوهرها على دوّامة الاستهلاك؟ وهل كانت لتحقّق مآربها في الكثير من الأوقات لولا هذا التعبئة؟”.

الإجابة عن هذه الأسئلة ليست بسيطة، خاصّة وأنّ قياس التغيير وتقييم التأثير من المهمّات الشاقّة، وغالباً ما يُنظر إليهما بعين الاستنسابيّة. وفي هذا الإطار، يتبادر إلى الذهن تساؤلٌ حول مدى تناسب حجم الحملات وحجم الاستجابة الفعليّة الحاليّة، بكلّ جوانبها، لحالات العنف الجنسي. صحيحٌ أنّ للمنظّمات غير الحكوميّة قدرات محدودة، وأنّ الدولة هي الجهة المسؤولة عن إيجاد الحلول وبرامج التدخّل اللّازمة. ولكن، إلى أن يصبح هذا المطلب حقيقةً، من المجدي التوقّف قليلًا لتقييم ما يُقدَّم من استجابة قانونيّة واجتماعيّة فعليّة في مقابل هذه الحملات.
أمّا التنافس، فهو في الأصل فكرة استثمر فيها النظام الرأسمالي واعتمد في سبيل الترويج لها حجّة أنها تُحفّز على الإنتاج بوتيرة أفضل، أو أسرع، وبنوعيّة أجْوَد. فأسَرَ المجموعات والأفراد بين مخالب هذه الآلة التي تغلغلت شفراتها في الميادين كافّة، في القطاع الخاص الربحي كما في القطاع غير الربحي الذي باتت قواعد الكميّة تحكم العديد من أطيافه على حساب النوعيّة، وبمعنى آخر، على حساب التأثير الحقيقيّ والصادق والاستجابة الفعليّة. وفي خضمّ هذا الواقع، غدت محاولة عدم السقوط في هذا الفخّ تحدّياً يومياً يُثقل كاهل من قرّرت خوضه.
قد تنفرد بعض المجموعات، إلى حدّ ما، في القضايا التي تدافع عنها، الأمر الذي يقيها عبء مواجهة إشكاليّات كهذه، وقد تختار اعتماد منهج توزيع المهام واحترام الاختصاصات فيما بينها. أمّا المنظّمات التي باتت تعمل على العناوين أو المحاور عينها، لسببٍ أو لآخر لسنا في صدد الغوص فيه، فتجد نفسها حائرةً بين تنسيق ممكن وتنسيق غير ممكن نتيجة الاختلاف في المقاربات العمليّة والتحديّات القيميّة والإيقاع المُتّبع. ينسحب هذا الواقع على مجموعات سياسيّة واجتماعيّة وتجاريّة كثيرة، محلياً وعالمياً، والمجموعات النسويّة لم تعد بمنأى عنها كما في السابق. لذا، هي مدعوّة اليوم إلى المواجهة الحقيقيّة لهذه التحديّات. وقد يكون من الصواب أن تتّخذ هذه المواجهة شكل الدرج النازل إلى الجذور، إلى “علّة الوجود”، لا الدرج الصاعد نحو رفع الأسهم، تفادياً للغرق في عشق الرصيد عوضاً عن القضيّة.
وبالعودة إلى مشهد الحملات المطلبيّة والإعلانيّة، لا بدّ من الإشارة إلى قوّة قواعد السوق الإعلانيّة الحاليّة في فرضها على بعض المجموعات استخدامَ الأدوات والقنوات التجاريّة نفسها للترويج لقضاياها، كما هي حال معظم الشركات. وفي هذا الإطار، يُلاحظ كيف أمست حملة “الـ١٦ يوماً من النضال” جنّةً لشركات صناعة الإعلانات وحجز اللّوحات الإعلانيّة، حالها حال مناسبات أعياد الميلاد والفالنتاين وموسم العودة إلى المدرسة وغيرها. وإن لجأ عددٌ من المنظّمات إلى القنوات التجاريّة ذاتها المعتمدة بشكلٍ عام، تبقى خطاباتها وأساليبها متنوّعة، ومتجاذبة في بعض الأحيان.
على تلك القنوات المرئيّة والمطبوعة والإلكترونيّة، نستشفّ الفروقات في المقاربات. فمنها ما يُلطّف العبارات، ويسمّي المساومة تكتيكاً، والمكسب الجزئي بطولةً، وينتهج المسايرة أسلوباً؛ ومنها ما يسمّي الأمور بأسمائها، ويخوض النقاشات، ولا يتودّد لمسؤول حتّى يقوم بواجبه. وفي مقابل هذا المشهد، تتطلّع مجموعاتٌ أخرى إلى أن يكون لها مساحة من ضمن هذا المشاع الدعائي لتقول، “أنا أيضاً”. لا أنا أيضاً تعرّضت للإساءة الجنسيّة، إنّما “أنا أيضاً، موجودة. طالما كنتُ موجودة، لكنّي لم أكن أملك وسائل الظهور”.
للظهور فائدة، ولعدم الانجرار إلى اعتماد الظهور قَدَراً ومقياساً للنجاح فائدة أكبر. ونحن نتصفّح المواقع الإلكترونيّة، أصبح تلقّي الإعلانات والمحتويات المتعلّقة بقضايا المرأة أمراً متوقّعاً وعادةً سعينا إلى إرسائها. أمّا اليوم، فمن المجدي إيجاد وجهة جديدة لهذا السعي وإعادة تأطيره وخوض غمار العمل على عدم تحويل قضايا النساء إلى سلعٍ قابلة للمضغ لدرجة أنها إمّا لا تعود تحرّكنا، أو لا نعود حتّى ننتبه إليها لكثرة تعرّضنا لها بالتوليفة نفسها.
ليس صحيحاً أنّ الوفرة هي القاعدة، في الوقت الذي تكون فيه مُخدِّراً. وليس صحيحاً أنّنا إذا لم نكن ذئاباً أكلتنا الذئاب. الحقيقة هي أنّنا إذا أصبحنا ذئاباً أكلنا بعضنا.

إقرأ أيضاً