fbpx

هنا القصة الثالثة

مروان كيالي- صحافي سوري

مقالات الكاتب

“تعفيش” درعا سبقه “تشويل” حلب: السويداء ليست استثناءً

يختلف كثيرون من السوريين حول توصيف حالة ما يسمى “التعفيش” التي وَسَمت عمليات سرقة منازل المدنيين ومحلاتهم والمؤسسات والشركات العاملة في المناطق التي يسيطر عليها أحد أطراف النزاع، في ما إذا كانت صحيحة  و”حلالاً” أم أنها خطأ و”حرام”.

ولعل أكثر الأحداث التي تذكّر من نسي أو تناسى حالة “التعفيش”، هو ما حصل في درعا أخيراً، بعد دخول جيش النظام إلى عمق محافظة درعا، إذ يستطيع الباحث عن البضاعة المسروقة “المعفّشة” أن يجدها في شوارع الجارة القريبة من درعا وهي محافظة السويداء، وكذلك يستطيع المالك الأساسي لهذه البضاعة أن يراها ويتحسّر عليها، على أحد صفحات “فيسبوك” المخصصة في بيع البضائع المستعملة.

“إن هذه الحالة كانت على أرض الواقع جامعة لكثر من السوريين وفي كافة المراحل، التي مرّت من الصراع السوري، وهي لم تكن ظاهرة منبوذة من المجتمع، بل اقتصر النبذ على حالات فردية، لم تلقَ آذاناً صاغية، فلا تتعجب إن قرأت على صفحات التواصل الاجتماعي عبارات تنديد صادرة عن أشخاص كانوا يشترون هذه البضاعة قبل وقت قصير من كتابة كلماتهم الرنّانة، ثم ندّدوا على سبيل “الموضة” الإنسانية”.

لقد امتد “التعفيش” تاريخياً مذ كانت الحملات العسكرية القديمة تطلق العنان لمقولة “غنائم الحرب” وتشرعها بكل الوسائل المتاحة سواء الدينية منها أو العسكرية، وحتى الكتب المدرسية التي تربّت عليها أجيال سورية وعربية، كانت تردد هذه العبارة من دون أن يعي الطلاب تماماً أنها سرقة.

النفعية المتبادلة التي خلقها “التعفيش”، كانت أكبر من حجم مواجهتها بكثير، فالبضائع المسروقة تباع بأسعار رخيصة لأن العرض كبير ومغرٍ

لقد تجاوزت حالة التعفيش أو”التشويل” وهي المقابل الحلبي لعبارة التعفيش، النزاع السوري ككل، إذ تعود بنا إلى الحرب الأهلية في لبنان، مروراً، بحرب العراق على الكويت، ثم حرب الخليج الثانية، والحرب الأميركية على العراق؛ حيث كنت شاهداً على عودة أحد الضباط من حرب الخليج الثانية، وهو أحد جيراننا وأنا في مقتبل العمر؛ وهو عاد من هذه الحرب ومعه الكثير من قطع الغيار للسيارات، وأنابيب النحاس، وألعاب الأطفال، كلّها كانت محمّلة على متن سيارته “الجيب واز” المتهالكة. وبعد أن شاهدت عمليات النهب الممنهج في الحرب السورية الحالية أدركت أن الهدايا التي كان يغرق بها جارنا الضابط أبناءَه وحسدتهم عليها في صغري ناجمة عن “التعفيش” لا أكثر ولا أقل.

النفعية المتبادلة التي خلقها “التعفيش”، كانت أكبر من حجم مواجهتها بكثير، فالبضائع المسروقة تباع بأسعار رخيصة لأن العرض كبير ومغرٍ، إذ يستفيد التجار والأفراد من شرائها بعد أن ارتفعت أسعار الأثاث والتجهيزات المنزلية وغيرها عشرات الأضعاف، إضافة إلى سرقة الحقول المزروعة والحيوانات الداجنة، وصنابير المياه، وحتى ألعاب الأطفال.

في سوريا، وخلال العمليات العسكرية على حمص بدأت قوات النظام والميليشيات التابعة لها سرقة منازل أهل حمص، من باب السباع، إلى بابا عمرو، وغيرها من الأحياء المنتفضة، ولم يذق حينها السوري المقيم في دمشق أو السويداء أو طرطوس، وحتى درعا طعم مرارة التعفيش، فاكتفى البعض بكتابة العبارات المندّدة على “فيسبوك” أو “تويتر”، عندما سمع أن سوق التعفيش في حمص يدعى سوق “السُّنَّة”، في حين بارَك آخرون هذه الخطوة من خلال صمتهم، أو بالحديث علناً عن أن ذلك فعل حصل بدافع الانتقام من كل من هبَّ في وجه القمع والاستبداد.

مع تصاعد حدة النزاع عام 2012 ظهر مصطلح “التشويل” أي السرقة في حلب. وكانت مصانع حلب المعروفة بكثرتها أول الأماكن التي قصدتها الفصائل المسلحة لـ”التشويل”، لا سيما مصانع الحبوب والشركات المهمة في المدن الصناعية مثل مدينة “الشيخ نجار”، حيث تأكد لاحقاً حصول الفصائل المسلحة على رشوات سخيّة من بعض الصناعيين، مقابل نقل مصانعهم من دون مشكلات إلى تركيا، ناهيك بالسرقات الأخرى التي حصلت في المدينة ذاتها. واستمر ذلك مع كل “تحرير” جديد يدّعيه أطراف النزاع المسلّح.

عام 2016 كانت داريا الدمشقية على موعد تعفيش جديد، لا يقل قسوة عن تعفيش المدن السورية المنتفضة الأخرى، فكانت مدينة صحنايا المجاورة معرضاً كبيراً للبضائع المنهوبة. وداريا امتازت بعراقة بيوتها الدمشقية، اذ لا يكاد يخلو حي من أحيائها من البيوت الدمشقية العريقة والقديمة، تزينها أطقم الموزاييك المطعّم بالصدف، والذي كانت تصل أسعاره في حال السلم إلى الملايين، لكنه حين سرق بيع بأبخس الأسعار.

الأسواق الموازية “للتعفيش والتشويل” لم ترحم معضمية الشام، ولا مخيم اليرموك، ولا شبعا، ولا المليحة، ولا ببيلا، ولا بيت سحم، ولا الغوطتين في المجمل، وكانت هذه الأسواق تزدهر على طريق المتحلق الجنوبي، والمناطق الموالية في جرمانا، ودويلعة والكباس، إضافة طبعاً إلى سوق “الحرامية” في شارع الثورة بدمشق.  

لم تكن سوريا بلداً تسوده قيم رادعة للتعفيش. الخوف هو المسيطر والحاكم الفعلي، وما إن احتمى البعض بالسلاح حتى انكشفت حقيقة أن منزل السوري على السوري ليس حُرْماً لا يحتمل المساومة.

واليوم جاء دور درعا وريفها، وما أصابهما كغيرهما من سرقات ونهب تحت سلطة القوة العسكرية الآتية بغطاء دولي. ومثلت مدينة السويداء المجاورة سوقاً شرعياً ومقبولاً اجتماعياً لـ”التعفيش”، على رغم بعض الاستعراضات على “فيسبوك”، وبعض التصعيد بحرق إحدى السيارات في قرية قريبة من درعا. وكالعادة تعود الحياة إلى طبيعتها ويأخذ بيع البضائع المسروقة وشراؤها مجراه الطبيعي وكأن شيئاً لم يحدث.

ثم إن ذهول الناشطين جراء قبول السويداء بمهمتها هذه، يبدو أمراً غير مفهوم، فهي المحافظة التي لم تنتفض على النظام، وذلك عبر قرار توافقي جامع،  بل ثار بعض من أهلها، لكنهم وقفوا عاجزين أمام حالة الولاء المزمنة للنظام فيها. والغريب في الأمر أن البعض هلّل وبارك البيان الصادر عن مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز بإدانة التعفيش، متناسين تماماً أن هذه المشيخة ترعى ميليشيات موالية، وتدفع من مال الأوقاف الدرزية رواتب لعناصر هذه الميليشيات.  

لم تكن سوريا بلداً تسوده قيم رادعة للتعفيش. الخوف هو المسيطر والحاكم الفعلي، وما إن احتمى البعض بالسلاح حتى انكشفت حقيقة أن منزل السوري على السوري ليس حُرْماً لا يحتمل المساومة.

إقرأ أيضاً