fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

تركيا “جنة الإخوان” وسجن الصحافة الكبير

في تركيا 120 صحافياً في السجن بحسب ما قالت “منظمة صحافيون بلا حدود”. معظمهم اعتُقل في أعقاب “المحاولة الانقلابية” التي تزعم السلطات أن من كان يقف وراءها الداعية التركي المقيم في الولايات المتحدة، والحليف السابق للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أي فتح الله غولن. لكن بعضهم أيضاً أوقف أخيراً في سياق تجدد الحملة التركية على الأكراد في سوريا وفي بعض المناطق الكردية. 120 صحافياً، رقم كبير ويضع تركيا في مصاف أكثر دول العالم اضطهاداً للصحافة والصحافيين. هي تسبق عبر هذا الرقم دولاً مثل إيران وكوريا وروسيا، وتضع تجربة الانتقال التركي من الديكتاتورية العلمانية والعسكرية إلى دولة “طبيعية” أمام سؤال الفشل، وهو فشل مضاعف، ذاك أنه يمثل أيضاً فشلاً لتجربة الحكومة الإخوانية، بحيث صارت المقولة التي راجت قبل سنوات والمتمثلة بـ”دعوا الإخوان يحكمون طالما أنهم منتخبون”، فارغة من مضمونها. فالإخوان إذا ما حكموا سيستبدون وسيوقفون المسار الديموقراطي. في مصر ظهرت مؤشرات على ذلك في الفترة القصيرة التي حكموا فيها، وتجربتهم في تونس لم تخلُ من ذلك، على رغم أنها ضبطت بمزاج المعارضة العلماني الراديكالي في حينه. تركيا شكلت الذروة على هذا الصعيد. الحصيلة التي تحدثت عنها “منظمة صحافيون بلا حدود” ليست وحدها المؤشر. آلاف العسكريين في السجون اليوم، وعشرات آلاف الموظفين من مختلف مراتب الوظيفة عوقِبوا وطُرِدوا من وظائفهم. الرئيس يحكم بمفرده اليوم، وهو أرسل قبل أيام رئيس أركان الجيش خالوسي آكار ليُقنع الرئيس السابق عبدالله غل بعدم الترشح للانتخابات، وغل استجاب لطلب رئيس الأركان.

أردوغان أطفأ الصحافة في تركيا. لا صحافة حرة اليوم في ذلك البلد الكبير. الزملاء الأتراك يرسلون مقالاتهم غير المنسجمة مع سياسة الحكومة إلى وسائل إعلامٍ غير تركية. كثيرون منهم يخفون أسماءهم ولا يوقعون ما يكتبون. الليبراليون منهم هم أكثر المتعرضين لاستهدافات الحكومة. فقضية الحريات هي على رأس هواجس الحكومة، يليها كابوس غولن وجماعته، ومن بعدهما تأتي القضية الكردية. القوميون الأتراك وجدوا سبيلاً للعلاقة مع الحكومة الإسلامية، ذاك أن الأخيرة، وعلى رغم إسلاميتها، لم تكف عن كونها قومية أيضاً. للحرب على أكراد سوريا بعد قومي وجد فيه القوميون ضالتهم مع رئيس بلادهم. وهو بدوره خاطبهم من هذه القناة.

لطالما استعان الإسلاميون لدفع هذه الشكوك عن نظامهم في تركيا بحقيقة تفوّق الأنظمة العسكرية عليه في القمع. يقولون إن محمد مرسي أقل ديكتاتورية من عبد الفتاح السيسي، وطبعاً فترة حكم النهضة في تونس لا تُمكن مقارنتها بمرحلة حكم زين العابدين بن علي. لكن تركيا تسابق نفسها على هذا الصعيد. 120 صحافياً في السجن، رقم له قصب السبق على صعيد القمع، ثم إن أدوار الحكومات الإخوانية في مصر وتونس واليوم في تركيا لا تخلو من ثقافة حكم اكتُسبت من العلاقة المديدة مع المضطهدين، بحيث شربت الضحية ملامح الجلّاد. حكومة النهضة سارعت إلى مدّ الثورة السورية بما يحوّلها حرباً، وفتحت الحدود للسلفية التونسية لكي تملأ العالم بصور جهادييها، وحكومة مرسي سارعت إلى نجدة “حماس” في غزة، والتلويح بأمومة كل نزعة إخوانية للسلطة في المشرق.

المخاوف التي راودت غير الإسلاميين تبدو اليوم في مكانها. التجربة التركية لا تدع مجالاً للشك. 120 صحافياً في السجن التركي الكبير، وزيارة رئيس الأركان غل وحثه على الإقلاع عن رغبته في الترشح، والحرب في عفرين، والتخلي المخزي عن الحلفاء السوريين وتركهم في العراء بمواجهة جلاديهم، كل هذه مؤشرات تفضي إلى فشل مقولة “الديموقراطية الإسلامية”. التجربة التونسية لا تكفي لدفع هذه الحقيقة، فبراغماتية النهضة ليست كذبة، لكنها صحيحة إلى حد يشعر معه المرء أن راشد الغنوشي يمكن أن يكون ليبراليَّ تونس الأول إذا ما اقتضت الحاجة، لكن يمكنه أن يكون سلفيّها الأول إذا ما أتاحت له الظروف. فالرجل الذي يرشح نساء غير محجبات على لوائح النهضة اليوم، سبق له أن قال للسلفيين إنهم يذكرونه بشبابه، وهو في فترة حكمه غير الطويلة فتح لهم حدود الجهاد على مصراعيه.

الإخوانية في سعيها إلى السلطة تتسع لليبرالية في تونس وللقومية في تركيا وللولاء للهاشميين في الأردن، لكنها وما أن تبلغها حتى تعود إلى رشدها وهذا الرشد يتراوح بين ديكتاورية أردوغانية وبين سلفية قطبية، والرجلان، أي الطيب أردوغان وسيد قطب، رضعا من ثدي واحد، على رغم أن السبل أفضت بهما إلى مصائر مختلفة.

إقرأ أيضاً