هنا القصة الثالثة

بكر صدقي

مقالات الكاتب

تركيا:ماذا وراء انسحاب عبد الله غل من السباق الرئاسي؟

ليلة الثلاثاء 24 أبريل/ نيسان الماضي، هبطت طائرة هيليكوبتر عسكرية أمام مقر إقامة الرئيس التركي السابق عبد الله غل، وهبط منها رجلان يحتلان منصبين خطيرين: مستشار الرئيس والناطق باسمه إبراهيم كالن، ورئيس هيئة أركان الجيش الجنرال خلوصي آكار. لم يكن الرأي العام في حاجة إلى من يعلن أو يسرب فحوى الاجتماع “السري”، أي محاولة ثني الرئيس السابق عن الترشح للانتخابات الرئاسية في مواجهة الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان. التكهن الذي عززه حذف هذا الخبر من موقع “خبر ترك” بعد ساعة على نشره، إضافة إلى سرية الزيارة– الإنزال!

سيشبِّه الكاتب حسن جمال هذا الحدث بالانقلابات العسكرية التي اشتهر بها تاريخ تركيا، ويعتبر تدخل رئيس هيئة الأركان في السياسة على هذا النحو بالجريمة التي يعاقب عليها القانون. وسبقه نائب عن حزب الشعب الجمهوري في البرلمان حين وصف “الإنزال الجوي” بالانقلاب الثامن في تاريخ الجمهورية التركية.

الواقع أن غل لم يظهر أبداً على الملأ ليتحدث عن نيته الترشح، بل انشغل الرأي العام باسمه بسبب حركة الكواليس المحمومة، سواء في صف السلطة أو في صف المعارضة، في الأيام التالية بعد إعلان موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 24 يونيو/ حزيران المقبل، لأن تمل قرة مولا أوغلو، رئيس حزب السعادة – وريث إرث الزعيم الإسلامي الراحل نجم الدين أربكان – طرح اسمه مرشحاً محتملاً للمعارضة بإجماعها.

عند خروجه من إحدى جوامع إسطنبول، بعد أدائه صلاة الجمعة، كانت الصحافة بانتظار غل على أمل الحصول على تصريحات منه تقطع الشك باليقين، فوعدهم الرجل بدعوتهم إلى مؤتمر صحافي في اليوم التالي. وهكذا أعلن الرجل خروجه من السباق قبل انطلاقه، من غير أن ينفي أنه كان المرشح المحتمل للمعارضة. قال إنه كان مستعداً لتنكُّب المسؤولية، لو تحقق أوسع توافق ممكن حول اسمه، وإذ رأى خلاف ذلك، قرر الخروج من المشهد مبكراً.

لم تقتصر محاولات ثني غل عن الترشح على تلك الزيارة السرية التي فسرها كثيرون بأنها من المحتمل أن تكون انطوت على تهديدات صريحة، بل سبقها لقاءان مهمان، الأول بين الرئيس أردوغان ورئيس البرلمان السابق بولند آرنج، والثاني بين عبد الله غل ورئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو. لقاءان جمعا أهم أربع شخصيات قيادية في تاريخ “حزب العدالة والتنمية”، تمت تصفية ثلاثة منهم، في فترات سابقة، على يد الرجل القوي الذي يمسك الآن بكل السلطة. كل من آرنج وداوود أوغلو، خرجا من اللقاءين معلنين ولاءهما للحزب وقائده، بحيث تم عزل غل وحيداً في البيئة الحزبية الأليفة، ليبقى له أن يغامر بمواجهة الحزب الذي كان شريكاً في تأسيسه، مرشحاً لأحزاب المعارضة التي لا تكنّ له الود.

فقد ذهبت مناورة رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كلجدار أوغلو، بانتقال خمسة عشر نائباً من نواب الحزب إلى الحزب الخيّر (أو الجيد) لضمان مشاركته في الانتخابات المقبلة، أدراج الرياح، حين أخذت الأصوات من داخل الحزب الجمهوري وبيئته العلمانية ترتفع رافضةً ترشيح غل، في تكرار لموقف الحزب من ترشيح الرجل، عام 2007، حين نظم مظاهرات شعبية صاخبة في المدن الكبرى لرفض دخول إسلامي (لديه، فوق ذلك، زوجة محجبة) إلى قصر تشانكايا الذي دشنه مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك.

كأن هذا الحزب لا يتعلم من أخطائه، ومصر على ذلك. فموقفه من ترشيح غل الأول، قد أدى، بتداعياته، إلى تمهيد الأرض أمام تغيير النظام السياسي القائم، من برلماني إلى رئاسي. فقد لفق، في ذلك الوقت، بقرار من المحكمة الدستورية العليا، تأويلاً مفبركاً لنص دستوري، استخدمه للحيلولة دون انتخاب غل. وهو ما دفع السلطة، آنذاك، إلى البحث عن حل في انتخاب رئيس الجمهورية من الشعب مباشرةً، بعدما كان ينتخبه البرلمان. وفي ذلك الوقت، بدأ الشقاق بين أردوغان وغل، حين أصر الأخير على إعادة ترشيح نفسه، على الضد من رغبة رفيق دربه أردوغان. فاتسمت العلاقة بين الرجلين بالفتور طوال فترة رئاسة غل. وحين انتخب أردوغان رئيساً، في يوليو/ تموز 2014، حرص على إبعاد غل من الحزب الذي سلم قيادته لأحمد داوود أوغلو. ومنذ ذلك الوقت وهو يتحدث عن ضرورة توسيع صلاحيات رئاسة الجمهورية بعدما بات الشعب هو الذي ينتخب الرئيس، بلا توسط من البرلمان.

كأنها سخرية التاريخ. كلما طرح اسم عبد الله غل للرئاسة حدثت مشكلة كبيرة لكل من الحزب الحاكم وحزب المعارضة الرئيسي معاً. ومن سخرية التاريخ أيضاً أن يكون مسلك الحزب العلماني هو الذي يسهل أمور أردوغان في شهوته الدائمة إلى مزيد من السلطة.

ولم تقتصر عرقلة ترشيح غل على أوساط حزب الشعب الجمهوري، بل تعززت أكثر بإصرار رئيسة الحزب الخيّر مرال آكشنر على ترشيح نفسها للانتخابات الرئاسية، على رغم كل محاولات قائدي حزبي السعادة والشعب الجمهوري لإقناعها باعتماد غل مرشحاً مشتركاً لأحزاب المعارضة.

ومعنى كل ذلك هو أن الجميع، بمن فيهم عبد الله غل نفسه، تعاملوا مع موضوع الانتخابات الرئاسية بوصفها مسألة اختيار بين أشخاص، في حين أن الأمر يتعلق بالنظام السياسي وبحال البلد في ظل القبضة الأمنية، وتركيز السلطة الشديد في يد رجل واحد، والوضع الاقتصادي الذي ينذر بتدهور سريع، والاستقطاب الاجتماعي الحاد الذي يستمد منه الرئيس القوي تماسك قاعدته الاجتماعية. وكل ذلك مضافاً إلى التحديات الخارجية، يرسم لوحة قاتمة انعكست على المزاج العام في سوداوية ولا مبالاة وخوف معمم.

ما الذي سيحدث الآن؟

سيقدم كل حزب مرشحه الخاص لمنصب الرئاسة، فتتشتت أصوات المعارضة، مقابل تماسك الصف الموالي وراء رئيسه. ومن المحتمل ألا يحتاج أردوغان إلى خوض جولة ثانية، في حال نال نسبة النصف زائد واحد من أصوات المقترعين، وستكون مهمته أسهل إذا اضطر إلى خوض الجولة الثانية، في مواجهة مرشح أحد الأحزاب المعارضة.

مع ذلك، لا يمكن إغفال حدوث مفاجآت غير منظورة الآن. وعلى سبيل المثال دار في الكواليس، الأسبوع الماضي، أن خمسين من نواب الحزب الحاكم سينتقلون إلى صفوف “حزب السعادة الإسلامي”، ما يمنح الأخير زخماً يحتاج إليه لدعم مرشحه الرئاسي (وكان غل هو المطروح آنذاك) كما لتجاوز حاجز العشرة في المئة ودخول البرلمان الجديد. أردوغان نفسه أقر بنيات الانتقال المذكورة لدى نواب من حزبه، وقال إنه يعرفهم اسماً اسماً!

من سيكون رئيس تركيا المقبل بصلاحيات موسعة؟

يا خبر اليوم بفلوس وفي 24 يونيو/حزيران ببلاش، كما يقول المصريون.

 

إقرأ أيضاً