هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

ترامب وحده… مثل الله أو مثل الشيطان

ماذا فهمنا من قمّة “الدول [الصناعيّة] السبع الكبرى في كيبيك بكندا، التي اختتمت أعمالها للتوّ؟

لم نفهم الكثير. الخبر الذي طغى هو تفرّد الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بمواقف غريبة. القصّة بعناوينها الكبرى تستحقّ أن تُروى.

وقف دونالد ترامب وحده ضدّ خمسة من الشركاء الستّة الآخرين: بريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان وكندا. إيطاليا، بعد تشكيل حكومتها الشعبويّة مؤخّراً، صار لها موقف أعقد.

قمّة كيبيك بدأت بمشكلتين متفجّرتين ومشاكل ثلاث أخرى تقيم في الخلفيّة.

المشكلتان البارزتان هما أنّ ترامب فرض على حلفائه المفترضين عقوبات حادّة على شكل رسوم جمركيّة على الصادرات الأميركيّة من الصلب والألومينيوم. وأنّه طالب، هكذا ومن غير مقدّمات، بإعادة روسيا إلى رابطة الدول هذه، بما يُعيدها “دولاً ثماني”، لا سبعاً. الجدير بالذكر أنّ الحال كانت هكذا إلى أن طُردت موسكو من هذا التجمّع قبل عامين بسبب احتلال شبه جزيرة القرم. ترامب قال إنّه يؤيّد رجوعها إلى هذا النادي. لم يشاور أحداً في ذلك. لم يطالب روسيا بالانسحاب ممّا احتلّته! هكذا ارتأى على حين غرّة.

المشاكل الثلاث الأخرى التي تقيم في الخلفيّة هي التالية:

– حيال الاتّفاق النوويّ مع إيران الذي انسحبت منه الولايات المتّحدة فيما الآخرون يؤيّدون البقاء فيه.

– حيال نقل السفارة الأميركيّة في إسرائيل إلى القدس، وهو ما يعارضه الآخرون.

– حيال اتفاقيّة باريس للمناخ التي أعلن ترامب قبل عام نيّته الانسحاب منها.

المشاكل الخمس جدّيّة بما يكفي. التهديد للحرّيّات الاقتصاديّة لا يأتي هذه المرّة من خصم إيديولوجيّ، شيوعيّ أو فاشيّ. إنّه يأتي من زعيمة الرأسماليّة في العالم: الولايات المتّحدة. هكذا، وفي ردّ ضمنيّ على الموقف البريطانيّ الذي يريد تلفيق اتّفاق بين الأطراف المعنيّين، ردّت المستشارة الألمانيّة أنغيلا ميركل مطالبةً بوضع الخلافات على الطاولة ومناقشتها بدل التظاهر بعدم وجودها. إيمانويل ماكرون الفرنسيّ وجوستين ترودو الكنديّ قالا كلاماً كبيراً وغير مألوف عن السياسات الأميركيّة في ظلّ ترامب.

الأخير لم يعبأ. قرّر مغادرة القمّة قبل انتهائها الرسميّ حيث ستناقش القضايا التي قال، مرّة بعد مرّة، إنّها لا تعنيه: مسألة البيئة والمناخ، ومسألة المساواة الجندريّة. إنّه يستعجل الذهاب إلى سنغافورة للقاء الزعيم الكوريّ الشماليّ كيم جونغ أون في قمّة سبق أن اتُّفق عليها ثم أُلغيت ثمّ تجدّد الاتّفاق على عقدها. بعض المراقبين يقولون إنّ ترامب وكيم سيحلاّن المشكلة النوويّة بين أميركا وكوريا بما قد يؤدّي إلى منح الزعيمين الغرائبيّين جائزة نوبل للسلام!

ترامب يستعجل هذا الانتصار، ويعتمد على حليف واحد هو حكّام إيطاليا الجدد الذين لا يكتمون إعجابهم بالرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين. لكنّ مواقف ترامب، قبل هذا وبعده، تتعلّق بترامب نفسه. بمزاجه. بميله إلى “كسر مزراب العين”. بميله إلى التفرّد وإلى أن يكون وحده، كالله أو كالشيطان.

لكنْ مهلاً: قبل أن يغادر إلى سنغافورة، فاجأ ترامب زملاءه بموقف آخر غير مألوف. أشاد بالأجواء الوديّة التي أحاطت بالقمّة وبموافقته على البيان الختاميّ الذي سيصدر عنها، وفي ما يشبه إطلاق قنبلة، دعا إلى منطقة بلا رسوم جمركيّة هي التي تشمل البلدان السبعة!

بعد مغادرته، وفيما هو في الطائرة، فجّر قنبلة أخرى بأن سحب توقيعه عن البيان الختاميّ ردّاً على تصريحات وأقوال لرئيس حكومة كندا.

ماذا تفعل بترامب؟ ماذا تفعل مع ترامب؟ هل يمكن العثور على جواب حين يكون المعنيّ بالأمر فريداً فرادة الله أو فرادة الشيطان؟

اقرأ أيضاً: وعد ترامب للعالم: حرب تجاريّة؟

 

إقرأ أيضاً