هنا القصة الثالثة

عمّار المأمون

مقالات الكاتب

ترامب: نحو بورنوغرافيا رئاسيّة

اشتهر في القرن الثامن عشر، منشوران بورنوغرافيان باسم The Royal dildo، و The royal orgy، وكلاهما يتناولان ملكة فرنسا حينها، ماري أنطوانيت، والتي كانت محط الفضائح، والاتهامات بالخلاعة، وتنظيم حفلات السهر والمجون، إذ نشاهد في المنشورات رسومات ونصوصاً خلاعيّة وكاريكاتوريّة، تصف علاقات جنسيّة مفترضة لماري أنطوانيت مع من حولها، كشقيق الملك الكونت دي أرتوا، وعشيق لها باسم الكونت لافيات، كما نقرأ فيها اتهامات للويس السادس عشر بالمثلية، بوصفها وصمة عار، وأنه وماري أنطوانيت، تأخرا بالإنجاب، بسبب نفوره منها.

تتناول المنتجات الثقافيّة السابقة الجسد السياديّ، بوصفه موضوعاً للفضائح، إذ تسمح “الخلاعة”، بزعزعة القيمة السياسيّة لذاك الجسد، وتحوّله إلى محطّ للنكتة والسخريّة، فيختلط “الراقي” بـ”الهابط” أخلاقياً – بحسب شروط العصر- ضمن الفضاء الإباحيّ، وتتلاشى معايير اللياقة واللباقة، التي يُلتزم بها علناً أمام الناس، بوصفها جزءاً من البروتوكول السياسي. كما تكتسب أجساد السيادة قيماً جنسيّة وشبقيّة، فالمنشورات التي توزع سراً، تلبّي نزعة التلصص لدى الأفراد، وتداري هواماتهم، ومتخيلاتهم عن السلطة وشخوصها.

التقنية السابقة في خلق الموضوعة البورنوغرافيّة ما زالت مستمّرة حتى الآن، لكنّ التبادل لم يعد سرياً، ومقتصراً على فئة محددة، بل أصبح مباحاً لكل من يمتلك شاشة وإنترنت، فالآن، هناك قرين بورنوغرافي للعالم، أو كما تنصّ القاعدة 34 في الانترنت، كل شيء له مقابل بورنوغرافيّ.

لكن، بعد أن أصبح دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، أخذت القاعدة 34، ومنشورات القضيب الملكيّ شكلاً أخر، فالفضاء الإباحيّ حاضر ضمن الخطاب السياسيّ، بل إن جسد السيادة نفسه، يوظف التقنيات السابقة، ويتبنى “خلاعة” البورنوغرافيا الذكوريّة، عبر سلسلة من الأدوار والحركات والأساليب اللغوية والجسديّة، التي تجعل جسد الرئيس السياسي، يتماهى مع قرينه الإباحيّ.

فها نحن قرأنا تحقيقات صحفية عن وضعيات جنسيّة، وتصريحات عن الإمساك بالنساء بمواضع حساسة، والأهم، أن قضيب ترامب الذكريّ، يحضُر بوصفه أداة سياسية ضد خصومه، كما في المناظرة التي يشير فيها ترامب إلى حجم يديه، الذي يفوق حجم يدي المرشح الجمهوري الخصم حينها، ماركو روبيو، في دلالة واضحة على الاختلاف بين حجم القضيبن. فترامب يبدد الفروق بين المبتذل اليومي و”الراقي” السيادي، ويخاطب المتخيّل الشعبويّ البورنوغرافيّ، مسبباً نشر مئات المقالات والتعليقات، حتى أن الأطباءوالباحثين، أنتجوا نصوصاً، للحديث بالدقة العلميّة، عن العلاقة بين حجم اليدين وحجم القضيب.

الاستعراض الهزليّ

التناقضات التي تخلقها ممارسات ترامب، ترتبط بظاهرة الاستعراض، أو المَسرحة، فكلامه العلنيّ ذو صيغة أدائيّة جديّة، وقابل للتطبيق على أرض الواقع، كونه يمتلك السلطة، وهنا تبرز إشكاليتان، الأولى مرتبطة بالأثر الواقعي، للإيحاء عن الحجم والأداء والقدرة الجنسية، والثانية بتأثير التداول العلنيّ للأفعال الجسديّة السياديّة التي من المفترض أنها “سريّة” و”محرّمة”. كِلا الإشكاليتين، تعكسان اقتصاد الاستعراض الذي يوظفه ترامب، إذ تتحول كلماته وإحالاته، إلى مولّد لسلسلة من النصوص والمنتجات الثقافية المختلفة، التي تتداول في وسائل الإعلام وتراكم الربح، إلى جانب نقل الأداء البورنوغرافي من فضاء “المُعيب” و”السريّ”، نحو الساحة السياديّة، بالتالي التعامل معه بجديّة، ليتحول إلى شكل من أشكال القوة السياسيّة، فقضيب ترامب جزء من استراتيجيات القوة الاستعراضيّة التي يمارسها، ومحركاً لماكينة الاقتصاد الإعلاميّ.

المعرفة البورنوغرافيّة ضد السياسيّة

يمثل الفضاء البورنوغرافي، مساحةً معرفيّة مشتركةً، مغايرةً لتلك الرسميّة، فحركات الأجساد ضمنه، خاضعة لأشكال التمثيل الفائقة، وانتقال هذه “المعرفة” إلى الحيز السياسيّ، يجعل الماكينة الثقافيّة “الرسميّة” تتبنى الأعضاء والحركات، التي كانت تعتبر “فاضحة” ضمن الحيز العام.

هذا ما حدث سابقاً في قضية مونيكا لوينسكي والرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، إذ تحولت التفاصيل اللغويّة للعلاقة بينهما في جلسة استماع الكونغرس، من وثيقة قانونيّة إلى موضوعة إباحيّة، فتقرير “ستار” المرتبط بالمحاكمة، يحوي وصفاً للجنس الفموي، وللعلاقة الكاملة، بين كلينتون وليونسكي، لأن هذه التفاصيل– بحسب المحكمة- مهمة للبتّ في القضيّة، ولا بدّ من لفظها علناً وبدقة لغوية عالية.

لكن في حالة ترامب، وخصوصاً في علاقته المزعومة مع ممثلة الأفلام الإباحيّة ستورمي دانيالز، فنحن أمام صيغة جديدة، إذ بإمكان المشاهد العاديّ تصفح الجسد البورنوغرافي لدانيلز، موضوع الجدل السياسي والقضائي حالياً. وهنا يكمن الاختلاف عن حالة كلينتون ولوينسكي، فنحن لا نتعامل مع أجساد لم يسبق لها أن كانت ضمن الفضاء البورنوغرافيّ، بل مع جسد كان مُنتجاً ضمنه، ما يهدد صيغة التلصص الشبقيّ والفضائحيّ، المرتبطة بالجسد السياديّ، فالتفاصيل من دون قيمة، في قضية دانييلز، ولا يهم شكل الممارسة، كونها حاضرة مسبقاً، وما يهم، هو عدم ثبات التهديد الذي تعرضت له.

ضمن المتغيرات السابقة، تبرز سياسة السخريّة أو المحاكاة الهزليّة، وكأننا أمام ممارسات ثقافية لتفكيك مفهوم الاعتراف القانونيّ، فتاريخ ترامب ودانييلز الشخصيّ، المليء بالإيحاءات الإباحيّة، يسخر من المؤسسة القضائيّة، والاعتراف بوصفه أداة تستخدمها. فالاعتراف العلنيّ أمام السلطة، تقنيّة للتطهير الذاتي، والخلاص من الذنب، عبر كشف الخفاء الجسديّ، واستعراض حميميّة الجسد الجنسي وتحويله إلى موضوعة سياسيّة كما في المثال السابق. وهذا ما لا يوجد في قضية دانييلز، فالتفاصيل والإيحاءات متاحة للعلن ومتداولة، كتصريحاتها لمجلة “التايمز” بأنها ضربت ترامب على مؤخرته، أو ادعائها يأنها قادرة على وصف أعضاء ترامب التناسليّة بدقة، وأدائه الجنسي غير المحبب، بعكس، تصريحات زوجته السابقة مارلا مابلس عن أدائه الخلّاب.

التقنيات الفضائحيّة، تسخر من السلطة التي يمكن أن تحاسب ترامب، كونه لا يسيس جسده الإباحيّ فقط، بل يجعله متداولاً للآخرين، خارج فضاء الاعتراف والطقس القضائي، فالممارسات الاستعراضيّة، تنزع جديّة مضمون الاعتراف إن حدث، وتحوله إلى طقس ساخر.

الساتير المنيع

كتب جيمس كوني، المدير السابق لمكتب التحقيقات الفدرياليّة في ملاحظاته المنشورة أخيراً، أن ترامب كان يضحك من قضية بائعات الهوى الروسيات، وأنه غير مضطر لدفع المال كي يمارس الجنس، هذا النوع من الوثائق والحكايات المرتبطة بترامب، تجعله أشبه بمؤدّ يراهن على النص البورنوغرافي المشترك بين الجميع، وعلى السيناريوات العبثية في الأفلام التي يشاهدها الكثيرون، عبر ممارسات ساتيريّة، تهزأ من السلطة وتنتصر للفضاء الإباحيّ واحتمالاته، بوصف الأخير، يتجاوز القانون السياديّ، ويتلاعب بقوانين الترفيه، ليصبح ترامب أقرب لمهرج أو ساتير، لا يمكن محاكمته أخلاقياً أو علنياً.

وهنا لا نتحدث عن المحاكمة السياسة بمعناها المؤسساتيّ أو القانوني، بل عن شروط الأداء العلني، فالساتير ذو العضو المنتصب، يسخر من الدولة والآلهة والأخلاق والعلاقات “الرسميّة”، وهذا ما يتبناه ترامب، عبر سلسلة من أدوات التعبير والإيحاءات، والأسلوب الذي يمزج الشعبوي بالسطحيّ والبذيء، إذ من الممكن له أن يبرز ما يراه مناسباً من أعضاء جسده، كي يوقف أحدهم عن الكلام، أو أن يقترح، أن ما منعه عن مواعدة فتاة شقراء، جميلة وشابة وذكيّة، حقيقة أنها ابنته.

إقرأ أيضاً