fbpx

هنا القصة الثالثة

يوسف بزّي

مقالات الكاتب

تاريخ “الطابة” من الأبيض والأسود إلى البهرجة والتكنولوجيا

يقول اللاعب الاسكتلندي السابق بيل شانكلي “بعض الناس يعتقدون أن كرة القدم مسألة حياة أو موت، أؤكد لكم إنها مسألة أخطر من ذلك”. هكذا يمكن تلخيص مكانة هذه اللعبة في عقول الملايين وقلوبهم. وبالطبع الأمر كله يتعلق بهذه الطابة العجيبة، الصغيرة، التي لا يتجاوز وزنها 450 غراماً.

من التقاليد التي صاحبت تنظيم بطولة العالم، طوال القرن العشرين إلى زمننا الراهن، مزامنة الحدث مع نسخة جديدة محسّنة ومطورة للطابة الرسمية، بما يستجيب لتطور اللعبة نفسها ولمهارات اللاعبين المتزايدة.

لقد باتت كرة القدم أكثر الرياضات التي تشهد تطويراً فنياً وتكنولوجياً وعلمياً على نحو محموم ومستمر. الأكاديميات الكبيرة تنفق الملايين على أبحاث “علم الرياضة”، التي تضمن أفضل الوسائل لتمكين اللاعبين من اكتشاف مهارات جديدة. الاهتمام يطال أدق التفاصيل: الثياب وألوانها ونوع أقمشتها، الحذاء، طول عشب الملعب ورطوبته، قفازات حارس المرمى، واقيات الساق..إلخ.    

في مونديال روسيا 2018، ستجري المباريات بطابة جديدة تحمل إسم “تليستار 18”.

هذا الإسم يستحضر ذكريات لا تُمحى من تاريخ كرة القدم. لأنه يعيد إحياء النموذج التقليدي للطابة التي استخدمت لأول مرة عام 1970، وسميت “تليستار” أي “نجمة التلفزيون”، إذ صُنعت خصيصاً للبث التلفزيوني. فلجعلها أكثر وضوحاً وقابلية للمشاهدة حينها، كانت باللونين الأسود والأبيض.

يقول اللاعب الاسكتلندي السابق بيل شانكلي “بعض الناس يعتقدون أن كرة القدم مسألة حياة أو موت، أؤكد لكم إنها مسألة أخطر من ذلك”. هكذا يمكن تلخيص مكانة هذه اللعبة في عقول الملايين وقلوبهم. وبالطبع الأمر كله يتعلق بهذه الطابة العجيبة، الصغيرة، التي لا يتجاوز وزنها 450 غراماً.

طابة متخمة بالتكنولوجيا

لا شك أن العودة إلى التصميم الكلاسيكي الأكثر شعبية، هو تذكير جديد باللحظات التاريخية لكأس العالم، وانتشار الفوتبول في مختلف القارات، حين شاهد الناس مباشرة لأول مرة أساطير اللعبة أمثال بيليه وغيرد مولر.

كل من يحب كرة القدم، لا يتخيل شكلها ولا يتذكرها إلا هكذا: قطع هندسية سوداء وبيضاء.

“تليستار18” الجديدة ستكون مزودة بشيفرة تقنية التواصل، عبراستخدام تطبيق الهاتف الذكي، تتيح مراجعة بيانات تفاعل الطابة مع اللاعب أثناء التدريب.  

خلال تسعين سنة تقريباً، قطعت الكرة أشواطاً كثيرة من التطوير. أول طابة رسمية كانت بإسم “تي” (T) في مونديال 1930، وكانت مصنوعة من الجلد الثقيل. ونال بها حارس الاتحاد السوفياتي ليف ياشين لقب أفضل لاعب في تلك البطولة.

ثم جاءت “سوبر تي” في العام 1950، وكانت ثقيلة الوزن وتشبه الطراز القديم، ويكرهها البرازيليون لأنهم خسروا معها النهائي المشؤوم على أرضهم أمام الأوروغواي 2-1.

التحسن أتى مع تصميم طابة “الكراك” في مونديال 1962، وكانت تتحمل الضغط وأقل امتصاصاً للماء.

تكريماً للهبوط على القمر

لحظة 1970 هي الأهم، ولادة “تليستار”، فهي من أفضل الكرات التي صنعت، وتعلق بها كل هواة اللعبة ومحترفيها. معها فاز المنتخبين البرازيلي والألماني بكأسي العالم 1970 و1974. إنجازها التقني تمثل باضافة المطاط القوي والألياف الصناعية إلى غلافها الجلدي، ودقة استدارتها وسرعتها.

في مونديال 1978 بالأرجنتين ظهرت “أديداس تانغو”. مقاومة للماء وتسير بحركة مميزة وسهلة الانسياب، تستجيب لمهارات اللاعبين. وأشهر من لعب بها سقراط وزيكو. وسيستمر اللعب بها في مونديال إسبانيا عام 1982، لتكون آخر طابة تُصنع من الجلد الأصلي.

بعد أربع سنوات سيكون لدينا طابتان واحدة باسم “دلتا ميتري”، التي فضلها الإنكليز في ملاعبهم كرهاً بالطابة الأخرى “أزتيكا” المعتمدة في مونديال المكسيك 1986، التي لعب بها دييغو مارادونا بيده وأحرز هدف الفوز الشهير على إنجلترا.

كانت “أزتيكا” صناعية بالكامل، أكثر متانة، وشهدت لأول مرة إدخال ألوان البلد المضيف للبطولة.

في مونديال إيطاليا 1990، كانت “أترسكو”، أول طابة مغطاة بمادة مانعة للإنزلاق أثناء اللعب تحت المطر. الشكل والنقوش كانا مستوحيين من التاريخ الفني الإيطالي. وهي الكرة التي سيثأر بها الألمان من هزيمة نهائي 1986، وينتصرون على مارادونا ومنتخبه الأرجنتيني.

جاءت نسخة أميركا 1994، بطابة “كويسترا” أي السعي إلى النجوم، تكريماً لذكرى رحلة “أبولو11” والنزول على سطح القمر. كرهها حراس المرمى بسبب انحرافها المفاجئ وسرعتها وصعوبة القبض عليها.

بالنسبة لي ولكل أطفال العالم الثالث في الماضي والحاضر، تبقى الكرة التي صنعناها من الخرق والكلسات وحشوات الصوف والقطن، التي غالباً ما كانت تنفرط، هي الطابة التي تختزن ذكريات الشغف واللهو والمتعة، والتي علمتنا التعامل مع الربح والخسارة، الانتصار والهزيمة.

بهرجة الألوان والهندسة الأيروديناميكية

في التسعينات كانت طابة “ألتيماكس” هي المعتمدة في الدوريات الأوروبية وملاعب العالم. تجاوزت سرعتها مئة كلم في الساعة، ووصفها الجميع بأنها أدق كرة صنعت في تاريخ اللعبة. مصنوعة من الألياف الدقيقة، شبه مثالية لاستفادتها من تطور الهندسة الأيروديناميكية. لكن مونديال فرنسا سيعتمد على كرة “تريكولور” (أو تروا كولور: العلم الفرنسي)، المصنوعة من تركيبة كيماوية تزيد من مردود المقاومة والضغط. ومعها سيتألق لاعبون من طراز بركامب الهولندي، ويفوز زين الدين زيدان بالكأس الوحيدة التي ربحتها فرنسا.

عام 2002، واستجابة لعولمة اللعبة، ستُنظم أول بطولة في القارة الآسيوية وتستضيفها كوريا الجنوبية واليابان. الكرة الجديدة ستحمل إسم “فيفرنوفا” مستوحاة من الثقافة الآسيوية، أعطوا للتصميم إيحاءً يدل على اللهب الأحمر، مع نجمة النينجا الشهيرة، وصنعت من الفوم (الرغوة) المتراصة، لمنحها إنسيابية فائقة. اتسمت بخفتها وسرعتها البالغة 130 كلم في الساعة. بسبب ذلك وجد اللاعبون صعوبة في السيطرة عليها وانتقدها حراس المرمى، أبرزهم الإيطالي جيان لويجي بوفون، الذي شبهها بكرة الأطفال. لكن ذلك لن يمنع الظاهرة رونالدو البرازيلي من إلحاق الهزيمة بالألمان ونيل البطولة الخامسة للبرازيل.

في نسخة جنوب أفريقيا 2010 كانت “جابولاني”. كرة غير تقليدية. أثارت اعتراضات كبيرة خصوصاً  أثناء اللعب بها تحت المطر. من السهل جدا ارتكاب الأخطاء بها كونها بالغة الحساسية. آخرون يقولون أنها منحت كرة القدم مذاقاً عالياً بسبب الأخطاء التي لم يكن ليتوقعها أحد.. وبرأيهم، أنها أضافت الكثير لكرة القدم من جانب المتعة والإثارة.

حسماً للجدل، وبعد تجارب صارمة، يشهد مونديال ألمانيا 2006، كرة “تيم غايست”، مصنوعة من 14 طبقة باللصق الحراري، وهي أكثر ثباتاً وتوازناً من سابقاتها، مع قدرة أكبر على التدحرج والانسياب.

حملت كرة كأس العالم الأخيرة “البرازيل 2014″، اسم “برازوكا”، وجاءت باللونين الأبيض والأزرق مع ألوان أخرى متعددة مستوحاة من طبيعة البلد المضيف، وهي الكرة الأكثر تلويناً بتاريخ كرات نهائيات كأس العالم، بل والكرة الأكثر اختباراً في التاريخ، إذ جربها على مدار عامين ونصف عام أكثر من 600 لاعب كرة قدم حول العالم. قطرها 69 سم، ووزنها 437 غراماً بالضبط، تمتاز بقوة جرّ أثناء التحليق البطيء. هي الطابة التي لن ينساها البرازيليون أبداً مع مذلة 7- 1 أمام ألمانيا.

بالنسبة لي ولكل أطفال العالم الثالث في الماضي والحاضر، تبقى الكرة التي صنعناها من الخرق والكلسات وحشوات الصوف والقطن، التي غالباً ما كانت تنفرط، هي الطابة التي تختزن ذكريات الشغف واللهو والمتعة، والتي علمتنا التعامل مع الربح والخسارة، الانتصار والهزيمة.

إقرأ أيضاً