هنا القصة الثالثة

عبد الرشيد الفقيه

مقالات الكاتب

بهائيو اليمن: الحوثي اعتبرهم “وافداً شيطانياً” وجماعته باشرت استهدافهم

بينما كنا أنا وزميلتي من وحدة الدعم القانوني في منظمة مواطنة، في ساحة المحكمة الجزائية المختصة، لحضور إحدى جلسات محاكمة أحد البهائيين، صادفنا عضو النيابة المترافع في القضية يوجه عناصر الأمن بالقبض على أي بهائي يحضر إلى المحكمة لمتابعة سير المحاكمة.

وجه العضو ذاته التهديدات المتتالية للمحامين المترافعين في قضايا البهائيين والمنظمات التي تتابعها، أطلق العديد من التهديدات والاتهامات في ساحات المحكمة ومكاتبها، أمام القضاة، في مصادرة فجة لسلطة القضاء الذي يفترض به كفالة حقوق المواطنين في التقاضي والدفاع القانوني.

لقد جعلت الأجهزة القمعية الجديدة- القديمة عبر تلك السلوكيات والأحكام الترهيبية التي لا تستند إلى محاكمات وإجراءات قانونية وعادلة، من ساحات القضاء أحد الخيارات المرة التي يرتعب الناس من احتمالية الإحالة أو اللجوء لها، فقد نفخت فيها الأجهزة القمعية من روحها وسمعتها وتلوثها لتصبح مجرد أداة مساندة للجماعات والسلطات والأجهزة القوية، لينتهي الأمر بمؤسسة القضاء في وضع نقيض لطبيعة وظيفتها الأساسية ووضعها الأصلي كمؤسسة منوط بها ضمان العدالة وحمايتها وسيادة القانون والمستضعفين.

كيوان قادري، الذي ولد في تعز وسط اليمن، قبل 43 عاماً، لأبوين من أصول إيرانية يقيمون في اليمن بشكل قانوني منذ ما يزيد عن خمسة عقود، يتحدث اللهجة التعزية المحلية وينخرط في العادات والتقاليد والأنشطة الاجتماعية اليمنية، ولا يعرف بلداً آخر غير اليمن. ولد ودرس وترعرع وعمل فيها. يقبع منذ ما يزيد على العام في إحدى الغرف المظلمة في سجن جهاز الأمن السياسي الخاضع لسلطة جماعة الحوثيين، من دون أي تهمة أو جنحة يجرمها القانون، بل فقط بسبب معتقده الديني الذي ارتضاه ضميره، وهو معتقد والده ووالدته وأجداده. ترعب أسرته باستمرار تهديدات الأمن بترحيله إلى إيران بسبب المخاطر الجسيمة التي تنتظر كل بهائي مثله هناك.

يستذكر عدد من أتباع الأقلية البهائية الذين تحدثت إليهم خلال محنتهم الراهنة، أنهم عاشوا وعملوا وسط ملايين اليمنيين في مختلف مناطق البلاد لعشرات السنين، من دون أي إشكاليات أو مضايقات بسبب انتمائهم إلى أقلية دينية مختلفة عن معتقد غالبية السكان، وهي نقطة مهمة تضيء على مشكلة الجماعات الدينية (جماعات الإسلام السياسي) والأنظمة الثيوقراطية، التي تحمل إشكالاتها الخاصة على المجتمع وتقحم فيها أدوات ومؤسسات إدارة شؤونه ومصالحه.

خلال ثلاث سنوات مضت، عاشت الأسر البهائية في صنعاء، مكشوفةً أمام جماعة مسلحة تمتلك الأجهزة الأمنية، وتسيطر على القضاء والإعلام والمؤسسات الحكومية، فتحت جبهة استهداف خاصة لواحدة من أكثر الفئات ضعفاً في اليمن، ووجدت هذه الأسر نفسها وسط تهديدات ومضايقات، بلا أي حماية، مع انعدام الخيارات والفرص أمامها، يضاف كل ذلك إلى معاناتها مع اليمنيين من جحيم الحرب وآثارها.

وقبل مدة قليلة، قال عبدالملك الحوثي، زعيم “جماعة أنصار الله” المسلحة (الحوثيين) في خطاب متلفز بث يوم 23 مارس/ آذار 2018، بالتزامن مع احتفالات جماعته بذكرى دخول الإسلام إلى اليمن، إن “البهائيين يشنون حرباً ضد الإسلام في اليمن بدعم من الغرب وإسرائيل”، واصفاً البهائية ب”الوافد الشيطاني الذي يسعى إلى دفع المسلمين إلى الكفر بدينهم”.

ويضاف إلى هجوم زعيم الجماعة الحوثية على البهائيين ممارسات عنيفة واستهداف ممنهج يطال هذه الأقلية من اليمنيين ومن المقيمين بشكل قانوني من حاملي الجنسيات الأخرى منذ سنوات. زادت وتيرة هذا الاستهداف بشكل غير مسبوق مع سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة اليمنية صنعاء وعدد من المدن اليمنية في 21 سبتمبر/ أيلول 2014.

وتعرض أتباع الأقلية البهائية في اليمن للاستهداف، منذ عام 2008، في إطار التوظيف السياسي للسلطات التي حاولت مسايرة المزاج الدولي والإقليمي المناهض لإيران وأدوارها، على سبيل المثال استهدف نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، أتباع الأقلية البهائية من ذوي الجنسية الإيرانية، الفارين من التنكيل والاضطهاد في بلادهم، والمقيمين في اليمن بشكل قانوني منذ عقود، في محاولة لإثبات وجود دور إيراني في اليمن خلال حروب صعدة شمال اليمن، والأزمات اللاحقة، لتعزيز المخاوف السعودية والأميركية من الأدوار الإيرانية في المنطقة واستدرار دعمها. وهذا النهج اعتمده خلفه الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي، الذي اعتقل في بداية عهده، البهائي حامد كمال حيدرة، بتهمة العمالة لإيران. وتغيّرت التهمة بعد ذلك، إلى التخابر مع إسرائيل وتهم أخرى مواكبة للمزاج الجديد الذي يحكم صنعاء، لتصدر المحكمة الجزائية المختصة في صنعاء لاحقاً، الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، صباح الثلاثاء 2 يناير/ كانون الثاني 2018، حكماً بإعدام البهائي كمال حامد حيدرة (53 سنة)، تعزيراً ومصادرة أمواله وممتلكاته، وإغلاق المحافل البهائية في اليمن، بعد أربع سنوات من الاعتقال، تسعة أشهر منها ظل فيها رهن الاختفاء القسري. وعلى رغم شكواه من فنون التعذيب المختلفة والمعاملة السيئة، وفي ظل حزمة من الخروقات لمبادئ العدالة الإجرائية والافتقار للحد الأدنى من مبادئ المحاكمة العادلة، وعلى رغم الدفوعات القانونية الوجيهة التي فندت عرائض الادعاء وكشفت اختلال الإجراءات والمخالفات الجسيمة منذ اللحظات الأولى لاعتقاله.

في 11 كانون الثاني 2017 اعتقلت قوات تابعة لدولة الإمارات في مطار عدن، حشمت الله علي محمد ثابت (75 سنة)، وزوج ابنته نديم السقاف (43 سنة)، محاولة تسجيل إنجاز وهمي بالقبض على خلية إيرانية. ظل حشمت ونديم، رهن الاختفاء القسري لنحو 9 أشهر، ثم أفرج عنهما في 5 أيلول 2017، بالتزامن مع قرب انطلاق أعمال الدورة 36 لمجلس حقوق الإنسان، وكان قد سبق لجماعة الحوثيين في صنعاء اعتقال نديم السقاف، لأسابيع عدة، ضمن حملة اعتقالات طاولت 65 شخصاً معظمهم من أتباع الأقلية البهائية، بينهم 14 امرأة وستة أشخاص دون سن الثامنة عشرة، في 10 أغسطس/ آب 2016، على خلفية إقامة ندوة ثقافية في قاعة إحدى منظمات المجتمع المدني.

لا يزال 6 من أتباع الأقلية البهائية رهن الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي لدى الأجهزة التي تخضع لسيطرة “جماعة أنصار الله” المسلحة، وهي مخالفة واضحة للقانون اليمني والمواثيق الدولية ولتوجيهات النائب العام المعين من قبل جماعة الحوثيين، الذي وجه النيابة الجزائية المختصة بالتعامل مع أتباع الأقلية البهائية، وفق قواعد القانون اليمني النافذ.

على هامش انعقاد أعمال الدورة 36 لمجلس حقوق الإنسان في جنيف أيلول 2017 وخلال ثلاثة لقاءات جانبية للدول الأعضاء في المجلس لمناقشة مشاريع القرارات الخاصة باليمن، حضرها ديبلوماسي إيراني، انحصرت مداخلته خلال الاجتماعات الثلاثة، في طلب حذف الإشارة إلى الانتهاكات التي تطاول أتباع الأقلية البهائية في اليمن، وحسب، ولم ينبس ببنت شفة حول موضوع تلك اللقاءات: الحرب في اليمن، الانتهاكات، المأساة الإنسانية، حلفاء حكومته وأصدقاؤها في اليمن والقضايا التي تهمهم، في القرار36/31 الذي أصدره مجلس حقوق الإنسان بشأن اليمن، أهاب المجلس في المادة السابعة من القرار بجميع الأطراف الإفراج الفوري عن جميع البهائيين المحتجزين بسبب معتقداتهم الدينية.

كان واضحاً من خلال مطلب الديبلوماسي الإيراني المتكرر، أن استهداف أتباع الديانة البهائية واضطهادهم بسبب معتقدهم، هدف استراتيجي للنظام الإيراني القمعي، وأن السلطات الإيرانية تمارس هذا القمع داخل حدودها وتصدّره إلى حيث يهرب كل بهائي ناجياً من بطشها وتنكيلها وإلى حيث يسيطر حلفاؤها وأصدقاؤها.

من خلال القنوات القانونية، والوسائل المدنية، مع المنظمات الحقوقية، لم تترك البهائيات والبهائيون، باباً من أبواب السلطة الجديدة لم يطرقوه، لعرض معاناتهم واستجداء وقف الاضطهاد والتنكيل بحقهم. قيادات جماعة الحوثيين بمختلف المستويات، قيادات الأجهزة الأمنية، في مكاتبهم ومنازلهم وصفحاتهم في الشبكات الاجتماعية، أعضاء المجلس السياسي، النائب العام المعين من قبل الجماعة، القضاة، كتبوا عشرات الرسائل والعرائض والمناشدات والمنشورات، لكن كل ذلك لم يحرك ساكناً أو يسكّن متحرك، أدى كل ذلك إلى هروب عشرات البهائيين من المقتدرين خارج اليمن.

تتلبس الأنظمة الثيوقراطية وجماعات الإسلام السياسي مثل جماعة أنصار الله المسلحة (الحوثيين) وغيرها من الجماعات الدينية في المنطقة، نزعة تألُه، فجة وخطيرة، تجعلها تتورط في ممارسات وخطوات تقوض حرية المعتقد وحرية التفكير والتعبير، إضافة إلى تقويضها الحقوق والحريات الأساسية الأخرى، من خلال استخدام أدوات القسر والإكراه لفرض اتجاهات عقائدية وفكرية إجبارية على الناس الذين وجدوا أنفسهم تحت سلطتها، وتحوير وظيفة مؤسسات النفع العام مثل الأجهزة الأمنية والنيابات والقضاء ومختلف مؤسسات الدولة، لتصبح أدوات خاصة لفرض عقائدها الخاصة والتنكيل بكل مختلف.

رافقت محنة البهائيين في اليمن أسئلة من قبيل: ما علاقة اضطهاد البهائيين في اليمن بملف اضطهادهم في إيران؟ لماذا هذا الاضطهاد لفئة ضعيفة مع صعوبة وضع اليمن واليمنيين واستثنائيته؟ لماذا اصطنعت هذه المحنة؟ وما هي الرسالة التي قدمتها جماعة الحوثيين من خلال تعاملها في هذا الملف؟ إلى متى ستظل محنة البهائيين في اليمن تحت سلطة جماعة الحوثيين ؟

وحدها جماعة الحوثيين عليها الإجابة عن هذه الأسئلة لتصحيح الرسائل التي صدّرتها من خلال هذه القضية، أو تأكيدها.

إقرأ أيضاً