fbpx

هنا القصة الثالثة

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

مقالات الكاتب

بلا محاكمات : الجثث تنتشر على طرقات درعا

لم تعد سياسة الإخفاء القسري وتغييب المعتقلين وإعدامهم سراً وبلا محاكمات، مقتصرة على النظام السوري فقط، بل باتت الفصائل العسكرية المعارضة في محافظة درعا تنتهج بمعظمها الأسلوب ذاته، في مقابل عدم القدرة على ضبط وقع هذه الجرائم في ظل انتشار مئات الفصائل بمرجعيات وتوجهات مختلفة، وسط غياب سلطة القانون.

بات مشهد العثور على جثث مرمية على الطرقات في محافظة درعا مشهداً كثير التكرار، ولم تعد هذه الحوادث تقتصر على جثة أو اثنتين في أوقات متباعدة، إذ يصل العدد في بعض الحالات إلى 6 جثث في حادثة إعدام جماعية واحدة، ما يوحي بأن عمليات الإعدام تنَفَّذ بأساليب ممنهجة. ظهر هذا النهج جلياً عندما عثرت فرق الدفاع المدني السوري، في 28 أيار/مايو الماضي، على 6 جثث مجهولة الهوية على أطراف بلدة صيدا في ريف درعا الشرقي، بعد أن أُعدِمت ميدانياً بشكل جماعي. سبق ذلك بيوم واحد العثور على جثتين لشخصين تم قلتهما بالطريقة ذاتها، وكلا المنطقتين تخضعان لنفوذ فصائل في المعارضة السورية.

مصطفى المحاميد، مدير الدفاع المدني السوري في درعا، أوضح أن هذا النوع من الحوادث يندرج ضمن حالة “الفلتان الأمني” التي تعيشها محافظة درعا والمستمرة منذ أكثر من عام، وهي لا تقتصر على رمي الجثث فقط، مضيفاً: “تنتشر أيضاً عمليات اغتيال وخطف وسرقة بشكل كبير في بعض مناطق درعا”، وأكد المحاميد أن بعض الطرقات تشكل كابوساً للسكان لكثرة عمليات القتل والخطف عليها، و”غالباً ما تكون الضحية من المارة الأبرياء”.

عمر الحريري، عضو “مكتب توثيق الشهداء في درعا”، أكد لـ”درج” أن غياب سلطة القانون وغياب مبدأ المحاسبة، فتحا الباب أمام فصائل المعارضة لارتكاب هذا النوع من “الجرائم” مراراً وتكراراً، وأضاف: “وثق المكتب منذ مطلع العام الجاري حتى نهاية شهر أيار/مايو، 41 عملية إعدام ميداني، كلها وقعت في مناطق سيطرة الفصائل”. وأشار إلى أن هذه العمليات تنَفَّذ بأساليب متشابهة، كالإعدام ليلاً، ثم إلقاء الجثة على طرف إحدى الطرقات، فيكتشفها مدنيون صباحاً، وينقلونها إلى المستشفيات الميدانية للتعرف إلى هوية أصحابها ودفنهم لاحقاً. وأكد الحريري أن بعض الضحايا تم اعتقالهم من قبل فصائل معروفة بعد عمليات دهم واعتقال نفذتها بشكل علني، موضحاً: “تنفيذ عمليات الإعدام بهذه الطريقة ومن دون أي محاكمة، وغياب المحاسبة عن مرتكبي الجريمة وهم معروفون، شجع هؤلاء على ارتكاب المزيد من الجرائم”. وذكّر بحادثة وقعت في 26  شباط/فبراير الماضي، عندما تم العثور على 5 جثث تم إعدامها ميدانياً على أطراف مدينة داعل، موضحاً أن الجثث تعود إلى مواطنين من أبناء بلدة ابطع، تم اعتقالهم قبل 6 أشهر من الحادثة، بتهمة الانتماء إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”، في حملة دهم نفذها “جيش الإسلام” و”جيش الثورة” في البلدة، مؤكداً أن المعتقلين تم إخفاؤهم قسراً حتى تنفيذ عملية الإعدام بشكل سرّي وإلقاء الجثث على طرف الطريق.

تُعتبر “المحاكمات الميدانية”، من الأسباب التي فجّرت “الثورة السورية”، بعد استخدامها بشكل ممنهج في عهدي الأسد الأب والابن، وانتقال هذه السياسة إلى فصائل المعارضة المحسوبة على هذه “الثورة” ذاتها، يشير بشكل أو بآخر إلى أن فكرة إرساء دولة القانون ما زالت بعيدة من سوريا في الوقت الراهن.

خلال الأسابيع القليلة الماضية، شهدت محافظة درعا ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة هذا النوع من الجرائم، وعدم تعرف الأهالي إلى هوية الضحايا يعود إلى وصولهم المتأخر إلى المحافظة، إذ يرتبط الأمر بشكل مباشر بالاتفاق الذي أبرمه تنظيم “الدولة الإسلامية” مع قوات النظام في جنوب دمشق، وأتاح للتنظيم إخراج مقاتليه مع أعداد من المدنيين من آخر مواقعه في محيط العاصمة إلى البادية السورية ومناطق سيطرته شرق محافظة السويداء. وألقت فصائل المعارضة في درعا القبض على أعداد من “المتسللين” عبر محافظة السويداء، وصولاً إلى الريف الشرقي من محافظة درعا. وقال الحريري إن هذه الحوادث مؤشر إضافي إلى استهتار الفصائل بالقوانين والمواثيق الدولية، “إذ نفّذت عملية الإعدام بعد ساعات أو أيام قليلة من إلقاء القبض على هؤلاء الأشخاص، من دون ترك أي فرصة للتحقيقات أو المحاكمات العادلة”، مشيراً إلى أن الفصائل تعي أن هذه العمليات تصنّف جرائم، ومن المفترض أن يُعاقب عليها القانون، “لذلك تنفذها سراً ولا تعترف بها بشكل علني”.

في المقابل، تتنصل محكمة “دار العدل في حوران”، التابعة للمعارضة، من المسؤولية في ملف “ضبط الأمن” في مناطق سيطرت تلك الفصائل، معتبرة أن مهمتها محصورة بالقضاء فقط. مصدر في المحكمة، طلب عدم الكشف عن اسمه، قال لـ”درج” إنه في حال كشفت التحقيقات تورط أحد فصائل المعارضة في هذه الحوادث، فإن المحكمة غير قادرة على محاسبته، موضحاً أن “المحكمة لا تملك أي جهاز تنفيذي لاعتقال المتورطين، والقوة التنفيذية التابعة لها أساسها من الفصائل وقرارها يؤخذ من الفصيل أولاً ثم من المحكمة”، وهذا ما يُعقّد على المحكمة مهمة تنفيذ أي عملية اعتقال في هذا النوع من الحوادث، التي يؤكد المصدر أنها لا تحصل عشوائياً، “عمليات الإعدام الميداني يؤخذ القرار فيها من قيادة الفصيل مباشرة، واعتقال المتورطين فيها يعني اعتقال قيادة الفصيل، وهذا الأمر أكبر من المحكمة في الوقت الراهن”، مؤكداً أن المحكمة تعترف بأن هذا النوع من “الجرائم” مخالف للقوانين، وتؤكد ذلك دائماً في الاجتماعات التي تشارك فيها محلياً ودولياً، تماماً كما تفعل الفصائل، “لكن الحقيقة أن كل فصيل يملك سلطة لوحده وجهازاً قضائياً خاصاً به، ويصدر أحكاماً وينفذها من دون أي اعتبارات قانونية أو دولية”.

تُعتبر “المحاكمات الميدانية”، من الأسباب التي فجّرت “الثورة السورية”، بعد استخدامها بشكل ممنهج في عهدي الأسد الأب والابن، وانتقال هذه السياسة إلى فصائل المعارضة المحسوبة على هذه “الثورة” ذاتها، يشير بشكل أو بآخر إلى أن فكرة إرساء دولة القانون ما زالت بعيدة من سوريا في الوقت الراهن.

إقرأ أيضاً