fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد سليمان - صحافي وكاتب كردي عراقي

مقالات الكاتب

بعد خراب البصرة… الحكومة تستنجد بالعشائر

لاحتجاجات مدينة البصرة مقدمات فساد “عظيم” وفشل كبير في إدارة الثروات وتوفير الخدمات الأساسية للمواطن، يجدها أي مراقب للشأن العراقي في بغداد العاصمة، كما في النجف أو أي مدينة عراقية أخرى؛ إنما لهذه المدينة الجنوبية النصيب الأكبر من استفحال الفساد والمحاصصة الحزبية، وترك السكان في عراء التلوث والملوحة وبين قنوات مملوءة بالنفايات والمياه الملوثة.

قصة الاحتجاجات واضحة: الشركات الأمنية الحامية للشركات النفطية العاملة في البصرة توسع سياجات الحماية وتجرف أراضي زراعية وسكنية للمواطنين بغية توسيع خططها الأمنية. لا توظيف لأبناء المنطقة في تلك الشركات النفطية والأمنية. إلى جانب ذلك، تهدد الملوحة حياة سكان المحافظة ومركزها: البصرة. ولا تتوفر خدمات الكهرباء إلا لساعات معدودة في النهار في ظل حرّ الصيف الخانق. تنتشر البطالة ويتجول العاطلون من العمل على أرصفة يغطيها التراب والقذارة. إنها البصرة التي كانت مرشحة لتكون فينيسيا العراق ببساتين نخيلها وقنوات مياهها الجميلة التي تحولت بفعل فاعل إلى مكب للنفايات ومياه الصرف الصحي.

اقرأ أيضاً البلاستيك في قمة كيبيك… وفي بحارنا حساء قاتل

ولكن أحوال البصرة بعد خرابها، تقتضي عودة سريعة إلى جذور التظاهرات وأسبابها المتأصلة في نسيان المدينة منذ نصف عقد. ولم يأت جرف أراض زراعية من قبل شركة نفط البصرة لمصلحة الشركات النفطية العالمية سوى كعود كبريت أشعل غضباً كامناً في نفوس المواطنين في عاصمة العراق الاقتصادية، التي تعاني من الفقر وقلة الخدمات، بينما يشكل مخزونها النفطي ما يقارب 90 في المئة من ميزانية العراق و80 في المئة من إجمالي إنتاجه النفطي.

البصرة، إضافة الى أنها المعبر المائي الوحيد للتجارة الخارجية، تحتل موقع ثاني أكبر مصدر للبترول عالمياً

 

تحكم الأحزاب الإسلامية الشيعية البصرة منذ عام 2003، وفق ما يمكن تسميته بالحكم “الثلاثي” أو “الرباعي”، فهناك النائب الأول والثاني للمحافظ، ولكل نائب سلطاته، ونفوذه ليس وفقاً للصلاحيات التي يمنحها له القانون، بل وفق نفوذ حزبه وقوته. بموازاة سلطة الأحزاب هناك نفوذ قوي للعشائر الجنوبية التي يحتمي بنفوذها المتجاوزون على القانون والفاسدون. اقتضاباً، تتداخل مصالح الأحزاب العشائر في ما خص السلطة والأموال في المحافظة، وقد بدا الأمر واضحاً خلال الاحتجاجات، إذ لجأت كل من الحكومة المحلية والحكومة المركزية إلى رؤساء العشائر قبل الاستماع لمطالب المتظاهرين.

البصرة، إضافة الى أنها المعبر المائي الوحيد للتجارة الخارجية، تحتل موقع ثاني أكبر مصدر للبترول عالمياً، إنما المفارقة هي ارتفاع نسبة الفقر فيها التي تصل إلى 16 في المئة، فيما تبلغ نسبة البطالة بين الشباب إلى 40 في المئة، وهي نسبة يلاحظها أي زائر في المدينة، كلما انخفضت درجة الحرارة وسمحت للناس بالخروج الى شوارعها وكورنيشها المزدحم بالبلاستيك والبواخر التي تعطلت أو دمرت أثناء الحرب العراقية- الإيرانية في ثمانينات القرن المنصرم.

لقد أعلنت الأحزاب السياسية الشيعية تضامنها مع الحركة الاحتجاجية ومطالب المحتجين وركبت موجة التظاهرات، فيما هي الأحزاب ذاتها التي تحكم البصرة منذ 2003 وأوصلتها إلى هذا المستوى المُزري على مختلف الأصعدة، وتفرض قوانينها “الدينية الخاصة” المتمثلة بفرض شروط اجتماعية وايديولوجية على المجتمع، وسمحت لمجموعاتها المسلحة بالتجاوز على حقوق المواطنين بقوة السلاح والهيمنة على مصادر اقتصاد المحافظة، ناهيك بإخضاع مؤسسات “الدولة” لقوانينها الخاصة، منها المحاكم والجامعات والمعبر المائي وأجهزة الأمن والشرطة.

تريد شركة نفط البصرة الحكومية حصر أسباب الاحتجاجات في قصة تجريف أراض زراعية، وهي برأي مدير الشركة أراض تعود ملكيتها للحكومة ولم يكن إشغال أصحابها لها “إشغالاً قانونياً بسند طابو (ملكية) فلا يصح أن نطلق عليها تسمية بستان، لأنه لا يوجد سند قانوني يقضي بأنها بستان بل هي عائدة إلى وزارة المالية، ومع ذلك صدر قرار مجلس الوزراء رقم 149 لسنة 2011 القاضي بتشكيل لجان تعويض (رضائي) لتعويض شاغلي هذه الأراضي ضمن رقع الحقول المطلوب تطويرها ضمن جولات التراخيص”.

حق الدولة هنا، وفي سياق كلام مدير الشركة هو حق مطلق ولا يجوز الاعتراض عليه حتى ولو أباح تجريف البساتين والمساحات الخضراء وتخريب البيئة، ذاك أن “الأمور التعاقدية مع شركات جولات التراخيص لتوفير أراض تخلو من الشواغل لخطط تطوير الحقول النفطية” تتطلب ذلك وفق هذا الحق الذي تمليه شروط التعاقد مع شركات النفط العالمية. تالياً، يتحول النفط في ضوء هذا الكلام إلى نقمة للمواطن، ونعمة للشركات النفطية والأمنية معاً، وللنخب الحاكمة بطبيعة الحال.

اقرأ أيضاً: تركيا وايران قطعتا تدفق مياه “دجلة الخير” على العراق

إقرأ أيضاً