fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

بشير الجميّل كما أحببته

ولدتُ في عائلة مسيحية تحبّ بشير الجميّل. كان فعل الحب هذا يأتي مع حليب الأمّهات وفي الدم وفي الجينات. يولد الأطفال وهم يحبّون بشير الجميّل، كما يولد أطفال آخرون وهم يحبّون غيفارا مثلاً.

أتذكّر أن في الصفوف الثانوية انضمّ إلينا تلميذٌ جديد، وكان من عائلة قومية سورية. انتشر الخبر، انتشار الصاعقة. كان مثقفاً جداً ولطيفاً، إلا أن “بروفايله” القومي كان كافياً لنبتعد منه ونعتبره العدو الأكبر. ربما العداوة أيضاً تأتي بالدم. يولد البشيريون ولديهم نفورٌ لا إرادي من كل ما يمتّ إلى النظام السوري، وصديقه الحزب السوري القومي الاجتماعي بصلة، وكان الأخير بنظرنا المجرم الأكبر في أيام الحرب التي لم نعشها. من حيث لا ندري كنّا نخفض أصواتنا حين نقول “إنه قوميّ سوري”.

أتذكّر أنني مرّة في أيام الـ MSN (برنامج مراسلات فورية كان ناشطاً قبل سنوات، أي قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي بماهيتها الحالية)، التقيت بشخص فلسطيني، كانت المرّة الأولى بصراحة. لم أتخيّل في حياتي أنّني قد ألتقي بفلسطيني وقد نصبح أصدقاء. كان علي ألا أخبر أحداً وقتها بأنّ لدي صديقاً فلسطينياً. كنت صغيرة جداً. مرّة تحدّثنا في السياسة، وسألته بكل بلاهة الدنيا، لماذا فجّرتم بوسطة “الكتائب” في عين الرمانة؟ يومها عرفت أن تلك البوسطة كانت تقلّ فلسطينيين، لا كتائبيين. يحدث أن تقلب المحبّة الأدوار على هواها، فيصبح “القائد” الذي نحبّه، ضحية دائمة، وهم الظالمون. يومها انتهت صداقتنا وقال إنني “عنصرية ومجنونة”. حسناً كانت الكلمتان صعبتين على فتاة في سني وقتها. اعتبرت ذلك إهانة، ومحوته من قائمة الأصدقاء.

المهم، بقيت أحب بشير الجميّل إلى الآن. لم يتغيّر الدم الذي في عروقي، لا أظن أنه سيفعل. لكن يحدث أن تصبح الأشياء أوضح، وأن تصبح المحبة أكثر واقعية. في أول مرّة سمعت أنّ بشيراً “عميل إسرائيلي” كنت في كلية الإعلام في سنتي الأولى أو الثانية، كانت الأكثرية بشيرية، باستثناء طلاب قلائل كانوا يساريّين. أتذكّر أن من قال ذلك أخذ نصيبه من الاعتراضات واحتدم الشجار بشدة، لا سيما أنّ دم بيار الجميل كان لا يزال دافئاً. كان لدي سؤال واحد في رأسي: “هل كلنا عملاء كما أن بشير الجميل يدعى عميلاً؟”. السؤال لوحده كان قاتلاً.

“بات بإمكاني أن أنظر إلى صور بشير وألومه على أخطائه وعلى حماسته وتعجّله أكثر ممّا ينبغي أحياناً”

قرّرت أن أقرأ. أن أقرأ فقط. قرأت ميلان كونديرا ثم دوستويفسكي وأيضاً ربيع جابر وسمير عطالله. قرأت عن فن السياسة وعن حرب فيتنام والثورة الفرنسية، وعن هتلر وعن الشيوعيين. قرأت محمود درويش ونزار قباني ومحمد الماغوط وأدونيس. تجعلك القراءة أكثر هدوءاً وحكمةً، حتى في الحب وفي الانتماء. تخفّ الأحكام الرومانسية في السياسة، ويُسمح بأن تصل بعض الهشاشة إلى صورة أي أحد، مهما كان عظيماً. بقيت أحب بشير، كثيراً، إنما اتسعت نظرتي إلى الأشياء، لم يعد ممكناً أن أؤلّه أي أحد. بات بإمكاني أن أنظر إلى صور بشير وألومه على أخطائه وعلى حماسته وتعجّله أكثر ممّا ينبغي أحياناً.

أهدتني صديقتي كتاباً لأنطون سعادة. قرأته. تذكّرت صديقي القومي. ثمّ بعد سنوات حدث أن أحببت رجلاً يكره بشير الجميل. ربما افترقنا لأجل أصناف المحبّة، من حيث لا ندري. المحبّات تصنع البيئات. بيئة أنطون سعادة ليست ذاتها بيئة بشير، حتى شكل الماء قد يختلف بين عندنا وعندهم. الحب أيضاً لا يكون واحداً. نحن نحن، وهم هم.

قبل أشهر قليلة مررنا أنا وقريبة لي في العاشرة من عمرها، قرب تمثال أنطون سعادة في ضهور شوير، قالت: من هذا؟، أخبرتها أنه أنطون سعادة مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي… فأجابت: سوري؟ ماذا يفعل تمثاله هنا؟

كان الموقف مضحكاً وغريباً. بعد ذلك أتت أغنية لجوليا بطرس وغنينا معاً بصوت عال، قلت لها في النهاية: جوليا قومية سورية. قالت: لا مستحيل! أكّدت لها أن بلى، ثم سمعنا إليسا على طول الطريق. أخبرتها أن إليسا تحب “القوات اللبنانية”، فغنينا معاً مطمئنتين.

إقرأ أيضاً:
 12 عاماً على حرب تموز والاسئلة التي لا تنتهي
عن التنمّر والكعب العالي
“لا مكان لدفننا”: في لبنان الوفيات ترتفع والمقابر تضيق والتكاليف تتضاعف

إقرأ أيضاً