هنا القصة الثالثة

حسام عيتاني

مقالات الكاتب

برنادرد لويس مؤرخ الاشكالات والمتورط في صناعتها

تبادل ادوارد سعيد وبرنارد لويس الاتهامات “بالجهل” و”بعدم الفهم” في سياق خصومتهما التي استمرت الى ما بعد وفاة سعيد في 2003، حيث كرر لويس موقفه المعروف من سعيد في واحد من آخر مؤلفاته (“ملاحظات على قرن: تأملات مؤرخ للشرق الاوسط” -2012).

العودة الى موقف سعيد من أعمال وأراء لويس وقد اصبح الاثنان في دنيا الحق، هي عودة الى الموقف العربي الأكثر تركيباً وتعقيداً من مؤرخ ومستشرق أثار الكثير من الاحتجاج والاستياء في الاوساط العربية لأسباب سياسية، منها موقفه المؤيد لاسرائيل وللمشروع الصهيوني الذي صاغه على أوضح نحو في كتابه “الساميون وأعداء الساميين”. النقد “غير السعيدي” اذا جاز التعبير، يقتصر على الادانة والاتهام.

الثقافوية تهمة معتادة عند التناول العربي للويس. والحال أن الرجل لم يتبنَ منهجاً مادياً في اعماله ولم يعط أهمية كبيرة لدور الاقتصاد والاجتماع في الشرق الاوسط، خلافاً لمكسيم رودنسون على سبيل المثال، وإطنابه في مدح الثقافة العربية وتأثيرها الهائل في اوروبا القرون الوسطى (في كتابه “العرب في التاريخ” خصوصا) لا يخرج من سياق اعتقاده بأولوية المعطى الثقافي – الهوياتي على غيره من المعطيات التي حددت دور وموقع العرب والمسلمين في التاريخ. لذا نرى في كتابه “الساميون واعداء الساميين” شرحاً للدوافع السياسية والاقتصادية التي حملت “العرب” على رفض الاستيطان اليهودي منذ نهايات القرن التاسع عشر، لكنه يبقى وفيّاً هنا وفي أعمال أخرى لفكرة ان الفلسطينيين لا يشكلون شعباً مستقلاً ضمن الشعوب العربية. فما يوحد هذه الشعوب يجب أن يشمل تخلي الفلسطينيين عن أرضهم ما داموا جزءاًَ عضويا من “العرب” الآخرين وان يتخلوا عنها للمستوطنين الاسرائيليين. هذه المقولة ما زالت في صلب الإيديولوجيا والخطاب السياسيين الحاليين في سرائيل.

اما في ما يتعلق بتبادل الاتهامات بالجهل وعدم الفهم بين لويس وبين سعيد، فقد يكون كلام لويس عن خصمه هو الأقل دقة في النقد الذي تناول “الاستشراق” وصاحبه وأعماله اللاحقة. فقد اتسمت ردود لويس على سعيد بالاستخفاف والاستعلاء والغضب. وفي غالب الأحيان كان لويس يخفق في اصابة سعيد إصابات دقيقة على النحو الذي نجح فيه إعجاز أحمد، أو روبرت اروين، او صادق جلال العظم، من بين آخرين. فلويس لم يتناول المنهج والخلفية وتأثر سعيد الشديد بأعمال ميشال فوكو، على ما فعل أحمد الذي حدد اوجه قصور سعيد عن تمثّل أفكار فوكو، ولا تناول انزلاق سعيد الى “استشراق معكوس” بحسب عنوان الورقة الشهيرة التي كتبها العظم في سجاله مع سعيد، بل ركز أكثر على رفض الجانب السياسي من مقولات سعيد وعلى حق الباحثين سواء كانوا عرباً أو غير عرب بقراءة ونقد التراث العربي – الإسلامي وبناء طروحات واراء فيه. ويمكن العودة في هذا المجال الى سجال الرجلين على صفحات “نيويورك ريفيو اوف بوكس” صيف 1982. وهو، بالمناسبة، سجال مسلّ لكنه غير مفيد معرفياً، بسبب التباين الشديد بين منهجين و”عقلين” ومدرستين غير قابل كلها للتصالح.

خلاصة مواقف سعيد ولويس من بعضهما، تتجنب الردّ على واحدة من الاسئلة التي ظهرت بعد تحول كتاب “الاستشراق” الى كتاب مقدس عند مناهضي الامبريالية: لماذا تتحول كلمات اكاديمي غربي، سواء كان يهودياً أو كاثوليكياً او اي شيء آخر، الى أفعال تغيّر خرائط المنطقة ومصائر شعوبها، وتوجه السياسات العليا للقوى الاستعمارية لتسبق القراءة المصلحية والمادية للمشروع الكولونيالي في التحريض على اجتياح هذه المناطق وإبادة أهلها وثقافتهم؟ في المقابل، لماذا لا تؤثر افعال اهالي الشرق قيد انملة في هذه السيرورة الامبريالية فتخضع كليا لأمزجة المستشرقين وحكوماتهم. وعندما تنجح في التخلص من الاستعمار المباشر، تعود راضية أو مرغمة، الى حظيرة النيوكولونيالية؟

تحميل العرب والمسلمين مسؤولية إخفاقهم التاريخي، على ما ذهب لويس، يفتقر الى التمايزات الدقيقة بين بلد وآخر وبين مستعمر وآخر. لكن الرجل الذي شمل الفلسطينيين مع العرب عند الحديث عن الصهيونية، لن يهتم كثيراً بالتمييز بين الجزائر والعراق، على سبيل المثال، وأثر الاحتلالين الفرنسي والبريطاني المختلف عن الآخر في كل من الحالتين، ناهيك عن قَصْره هوية المنطقة والرؤية الى مستقبلها، على الطوائف والاعراق، نظراً الى فشل الحداثة السياسية ههنا. وفي ذلك موقف يقفز فوق العديد من الحقائق التي أسهمت في فشل تقدم المنطقة وليس آخرها استسهال الغرب تأييد الانظمة الأكثر رجعية وديكتاتورية، تارة للخشية من وقوع الشرق الاوسط في أيدي الشيوعية العالمية، وطوراً للخوف من هيمنة الإسلام السياسي.

ومعروف أن إشكالات لويس لم تنحصر في العالم العربي. فحماسته لمشروع التحديث التركي واعادة بناء تركيا علمانية عقب انهيار السلطنة العثمانية، وضعه في خلاف مقيم مع ممثلي القومية الأرمنية ثم مع نظراء هؤلاء من الأكراد. لكن موقفه هذا يتشارك في العديد من الوجوه، مع ذلك الذي تبناه في الشأن العربي والفلسطيني، في ميلٍ جلّي الى تأييد المشروع الاقوى والقادر على الاستحواذ على الأرض والناس والثقافة.

صبّ اللعنات على لويس، منذ إعلان وفاته، لا يفيد شيئاً في قراءته قراءة نقدية ومقارنة بغض النظر اكان مستحقاً لهذه اللعنات أ م غير مستحق.

 

إقرأ أيضاً