fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

بدايات انهيار تركيا الإردوغانيّة؟

أمم “الشرق” الثلاث الأكبر، إذا استبعدنا الشرق الأقصى، هي مصر وتركيّا وإيران.

أحوال إيران الاقتصاديّة باتت معروفة تطالعنا بها الأخبار كلّ ساعة. الضغط الاقتصادي الأميركي سيضاعف المصاعب، خصوصاً على العملة الوطنيّة التي شهدت هذا العام انخفاضاً حادّاً حيال الدولار. أحد الشعارات التي هُتفت في التظاهرات الأخيرة يقول: “الموت للتضخّم، الموت للبطالة” في ردّ ضمني على الشعار الشهير: “الموت لأميركا”.

بدوره، أعلن البنك المركزيّ المصريّ، ارتفاع ديون مصر الخارجيّة إلى حوالى 88.2 بليون دولار في نهاية آذار (مارس) الماضي، بزيادة حوالى 9.1 بليون دولار، وبمعدّل 11.6 في المئة مقارنة بنهاية حزيران (يونيو) 2017. الحكومة المصريّة تقول إنّها تعتزم خفض نسبة الدَّين العام من 97 إلى 88 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي في موازنة السنة الماليّة المقبلة.

تركيا تنضمّ إلى القافلة. ليرتها تهوي إلى مستوى قياسيّ مقابل الدولار. 20 في المئة من قيمتها اضمحلت في الـ 24 ساعة المنقضية!، وكانت 40 في المئة من قيمتها قد ذابت في العام الماضي. القلق من إحكام أردوغان قبضته على الاقتصاد والسياسة النقديّة كان قد فعل فعله الكبير على هذا الصعيد.

إعلان إدارة ترامب أنّها تراجع الإعفاءات المُقدّمة لتركيا من الرسوم الجمركيّة، ممّا يضرّ حتماً بوارداتها، زاد في دفع الليرة هبوطاً. ترامب لم يكذّب خبراً فضاعف الرسوم على السلع المعدنيّة المستوردة من أنقرة، مقوّيّاً حجّة الرئيس التركي رجب طيّب إردوغان حول المؤامرة الخارجيّة.

“لقد كانت النجاحات الاقتصاديّة التي حقّقها “حزب العدالة والتنمية” في النصف الأوّل من عهده السبب الأبرز في إبقائه في السلطة حتّى الآن. أمّا الإخفاق الاقتصادي الراهن فقد يودي به غير مأسوف كثيراً عليه”

ترامب في تغريدته التي أعلن فيها رفع الرسوم الجمركيّة لم يُخف ميله إلى الانتقام. لقد ختم تلك التغريدة بعبارة “علاقتنا مع تركيا ليست جيّدة هذه الأيّام”. اعتقال الكاهن الإنجيليّ الأميركيّ أندرو برنسون، الذي يدير كنيسة في إزمير، بتهمة العلاقة مع حزب العمّال الكردستانيّ ومع فتح الله غولن، سعّرت الخلاف مع واشنطن. فالبلدان الزميلان في حلف الناتو تبادلا الشكوك والطعون بعد المحاولة الانقلابيّة صيف 2016: الأتراك قالوا إنّ الأميركيّين متعاطفون ضمناً مع تلك المحاولة. الأميركيّون وباقي الغربيّين قالوا إنّ شعبويّة إردوغان تدفعه إلى البحث عن أكباش محارق. أنقرة طالبت واشنطن بتسليمها غولن، الذي تتّهمه بالوقوف وراء الانقلاب، لكنّ واشنطن رفضت. في سوريا أيضاً تباينَ الموقفان، خصوصاً بالنسبة إلى دعم واشنطن للأكراد السوريّين. وأخيراً، عارضت أنقرة انسحاب واشنطن من الاتّفاق النووي مع إيران، ثمّ عارضت العقوبات الأميركيّة على طهران، وهذا مفهوم جدّاً من زاوية أنّ تركيّا تستورد نصف نفطها من إيران.

لكنّ المشكلة في الاقتصاد أيضاً. فتركيا تعاني عجزاً كبيراً في تجارتها الخارجيّة: إنّها تستورد أكثر ممّا تصدّر. هذا العجز – الذي بلغ في العام الماضي 5،5 في المئة من الدخل القوميّ – لا بدّ من تمويله إمّا عن طريق الاستثمار الخارجيّ أو عبر الاقتراض. أسوأ ما في الأمر أنّ سداد الدين مستعجل ولم يعد قابلاً للتأخير: تركيّا مضطرّة هذا العام فقط إلى دفع 230 بليون دولار لتمويل عجزها. يضاف إلى ذلك أنّ الكثير ممّا اقترضته الشركات التركيّة إنّما اقترضته بالعملات الأجنبيّة، وانهيار اللّيرة يجعل السداد أشدّ صعوبة.

لقد كانت النجاحات الاقتصاديّة التي حقّقها “حزب العدالة والتنمية” في النصف الأوّل من عهده السبب الأبرز في إبقائه في السلطة حتّى الآن. أمّا الإخفاق الاقتصاديّ الراهن فقد يودي به غير مأسوف كثيراً عليه. إردوغان، ما عدا الإشارة إلى “الحملة” الخارجيّة، لم يجد الكثير يقوله. لقد أشار إلى أنّ “الشعب والله” يقفان معه، كما سارع إلى الاتّصال بالرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين. الله وبوتين قد لا يستطيعان خدمته كثيراً، أمّا الشعب فيصعب أن يكون متحمّساً لتجويعه.

 

إقرأ أيضاً