fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Intercept

مقالات الكاتب

باتوا أكثر تنظيماً وعنفا:صعود النازيين الجدد في بريطانيا

تعد مدينة بانف على الساحل الشمال شرقي لاسكتلندا مكاناً هادئاً، يسكنه 4000 نسمة فقط، وخليجاً رائعاً يتدفق إلى البحر المفتوح. تقع على بعد 50 ميلاً من أقرب مدينة كبيرة، حيث الهواء المنعش ووتيرة الحياة البطيئة. ولكن بالنسبة إلى شاب واحد، لم يُرضِ موقع المدينة على شاطئ البحر طموحاته. فقد كان يُخزن الأسلحة ويُخطط للقيام بعمل إرهابي.

عاش كونور وارد في مبنى سكني رمادي شبه منفصل على بعد مسافة قصيرة من ميناء بانف، حيث ترسو عشرات القوارب الصغيرة ويرحل الصيادون كل يوم بحثاً عن سمك الماكريل أو سمك السلمون المرقط. داخل منزله، كان وارد البالغ من العمر 25 عاماً موصولاً بعالم من نوع مختلف. كان يقرأ دعاية النازيين الجدد على الإنترنت عن قرب نشوب حرب عرقية.

بدأ وارد التحضير للصراع. اشترى سكاكين، وأعلام الصليب المعقوف، وقبضات حديدية، وهراوات، ومسدس صاعق، وجهاز تشويش إشارة الهاتف المحمول. حصل على طلقات منتهية الصلاحية وجاب محرك البحث غوغل، بحثاً عن معلومات حول كيفية إعادة تنشيطها. من منزله في مدينة بانف، اشترى مئات من محامل الكرات الفولاذية وبحث عن أساليب صناعة القنابل. وكتب رسالة موجهة إلى المسلمين تقول: “ستعانون جميعاً قريباً من موتكم”. ثم جمع خريطة تبين مواقع المساجد في أقرب مدينة- أبردين- ويبدو أنه كان عازماً على مهاجمتها.

وفي شهر أبريل/ نيسان، حكم قاض على وارد بالسجن مدى الحياة بعد استنتاجه أنه كان يخطط لهجوم إرهابي “كارثي” وأنه “ملتزم التزاماً عميقاً بالإيديولوجية النازية الجديدة”. وخلال محاكمته التي دامت أسبوعاً في أدنبرة، عاصمة اسكتلندا، تبين أن الشرطة كشفت مؤامرة من طريق المصادفة، بعد أن تلقت معلومات بأنه حاول استيراد أسلحة من الولايات المتحدة. قام الضباط بتفتيش منزله ومنزل والدته، واكتشفوا ترسانته الكبيرة من الأسلحة، إضافة إلى حقيبة تحتوي على 131 وثيقة عن النازية والإرهاب وتصنيع المتفجرات.

يُعد وارد فرداً واحداً، غير أن تصرفاته تعكس اتجاهاً أوسع. تقول السلطات البريطانية إنها تواجه حالياً تهديداً إرهابياً متنامياً من المتطرفين اليمينيين الذين ازدادت أعدادهم في السنوات الأخيرة. وقد اكتسبت أفكار المتطرفين، المتجذرة في الفكرة القائلة إن السكان الأوروبيين البيض يواجهون خطر الانقراض، رواجاً كبيراً في أعقاب الهجمات الإسلامية في أوروبا وأزمة اللاجئين التي شهدت انتقال ملايين المهاجرين إلى القارة من أفغانستان وسوريا التي مزقتها الحروب.

ازدادت الأفكار اليمينية المتطرفة شعبية في كل من النمسا، وألمانيا، وبولندا، وجمهورية التشيك، وسلوفاكيا، وفرنسا، والسويد، وهنغاريا، وهولندا،. وينطبق الشيء نفسه على الولايات المتحدة، حيث أدت رئاسة دونالد ترمب إلى تنشيط العنصريين البيض. وقد نجح الساسة والنشطاء اليمينيون المتطرفون في استغلال المخاوف في شأن عدم الاستقرار الاقتصادي والبطالة والعولمة. إلا أنهم قاموا بإنشاء معظم قواعد الدعم حول قضايا الهجرة والإرهاب.

في شهر يونيو/ حزيران عام 2016، سلطت إحدى عمليات العنف الوحشية الضوء على الخطر المتنامي في المملكة المتحدة. فقد قام توماس ماير، ذو العرق الأبيض البالغ من العمر 52 عاماً، بسحب بندقية محلية الصنع وأردى عضوة البرلمان جو كوكس قتيلة، في وضح النهار في قرية صغيرة في شمال إنكلترا. رأى مير أن كوكس “خائنة” للعرق الأبيض بسبب سياساتها المؤيدة للهجرة. بعد ستة أشهر، ولأول مرة في تاريخ المملكة المتحدة، حظرت جماعة يمينية متطرفة بوصفها منظمة إرهابية، إلى جانب أمثال تنظيم القاعدة وحركة الشباب. ومنذ ذلك الحين، استمرت المشكلة في التفاقم.

تقول الشرطة البريطانية إنها أحبطت أربع مخططات إرهابية يمينية متطرفة في العام الماضي. وفي خطاب ألقاه في لندن في أواخر شهر فبراير/ شباط، حذر قائد شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة، مارك رولي، من أن الجماعات اليمينية المتطرفة “توغلت إلى مجتمعاتنا من خلال الدعاية المتطورة والاستراتيجيات التخريبية، وخلق واستغلال نقاط الضعف التي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى العنف والإرهاب، وأردف: “راقبت الشرطة المتطرفين اليمينيين من بين مجموعة تضم حوالى 3000 شخص مشتبه بهم”، مضيفاً “أن التهديد كبير في الوقت الراهن”.

نشط المتطرفون اليمينيون في المملكة المتحدة منذ أوائل القرن الماضي. وفي الثلاثينات من القرن العشرين، إذ استلهم أوزوالد موزلي من الدكتاتور الإيطالي بينيتو موسوليني وأطلق اتحاد الفاشيين البريطاني، المعروف باسم “البلاك شيرتس أو القمصان السوداء بسبب الزي الذي كانوا يرتدونه”. وفي خطب جماهيرية أثار مشاعر الجماهير في جميع أنحاء إنكلترا، تحدث موزلي عن “الفساد المنظم للصحافة، والسينما، والبرلمان”، وألقى باللوم على “التمويل اليهودي الأجنبي”. وقام موزلي بحملة ضد دخول المملكة المتحدة في الحرب ضد أدولف هتلر على أساس أن “المصالح اليهودية هي ما تدفع الصراع؛ بدلاً من ذلك، دعا إلى السياسات الانعزالية من أمثال “بريطانيا أولاً”.

وخلال الفترة نفسها، دعمت مجموعات مثل رابطة الشمال Nordic League والرابطة الفاشية الامبريالية Imperial Fascist League علناً النازية. فقد كانوا على غرار موزلي معادين للسامية، لكنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك، واعتنقوا مفهوم أدولف هتلر “للجنس الآري”. احتشدت رابطة الشمال ضد ما وصفته بأنه “عهد الإرهاب اليهودي”. واتخذت الرابطة الفاشية من علم المملكة المتحدة مع الصليب المعقوف الأسود في منتصفه، شعاراً لها.

ومع ذلك، لم تكن هزيمة هتلر بمثابة نهاية الأفكار المتطرفة في المملكة المتحدة. فخلال حقبتي الخمسينات والستينات من القرن العشرين، واصلت مجموعات مثل رابطة الدفاع الأبيض وجمعية الحفاظ على العرق، اعتناق أيديولوجية متعصبة، ونشر نظريات المؤامرة المعادية للسامية والمطالبة بتقليص الهجرة. وبين حقبتي السبعينات والتسعينات، قامت الجبهة الوطنية والحزب الوطني البريطاني بالسير في هذا الاتجاه، ونظمت مظاهرات وحملات دافعت عن فكرة ترحيل جميع المهاجرين غير البيض من المملكة المتحدة.

وكان من بين أعضاء الحزب الوطني البريطاني ديفيد كوبلاند، الذي عمل مساعد مهندس في مترو أنفاق لندن. نشأ كوبلاند يتخيل نفسه ضابطاً نازياً. في الوقت الذي بلغ فيه 22 عاماً، كان يُعلِّم نفسه تصميم القنابل. وفي نيسان عام 1999، شن كوبلاند سلسلة من الهجمات في لندن، حيث وضع حقائب رياضية معبأة بالمتفجرات ومسامير أربعة بوصة في ثلاث مناطق من المدينة حيث مجتمعات السود والآسيويين والمثليين. وتسببت هذه الأجهزة في إحداث مذابح، فقد أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 140 آخرين بجروح. أخبر كوبلاند الشرطة في وقت لاحق أنه كان ينوي “نشر الخوف والاستياء والكراهية في جميع أنحاء هذا البلد. الأمر الذي من شأنه أن يسبب حرباً عنصريةً”.

اليوم، لا تزال الجبهة الوطنية والحزب الوطني البريطاني موجودين باعتبارهما كيانين سياسيين. ولكن مثل معظم مجموعات اليمين المتطرف القديمة، لا يتمتعون بالتأثير الذي كانوا يتمتعون به في السابق. وقد تضاءلت عضويتهم، ويرجع ذلك في الغالب إلى انعدام القيادة والصراعات الداخلية. والآن، فإن عصبة متطرفة جديدة من اليمينيين المتطرفين تستبدلهم. ويشترك هؤلاء الوافدون الجدد في الكثير من القيم نفسها مثل أسلافهم، لكن الرغبة في العنف أكثر انتشاراً بينهم، الأمر الذي يقلق الشرطة البريطانية ووكالات الاستخبارات.

فقد دعت المجموعة التي حُظرت عام 2016 بوصفها منظمة إرهابية – العمل الوطني National Action – إلى قتل السياسيين. ففي شهر أكتوبر/ تشرين الأول عام 2017، اتُهم عضو غير معروف في المنظمة بالتآمر لاغتيال روزي كوبر، وهي عضو في البرلمان عن حزب العمال تبلغ من العمر 67 عاماً. ويقال إن عملية الاغتيال المزمعة قد أقرها زعيم جماعة العمل الوطني، كريستوفر ليثغو، البالغ من العمر 31 عاماً. وقبل عامين في شهر يناير/ كانون الثاني عام 2015، حاول أحد مؤيدي الجماعة أن يقطع رأس رجل آسيوي في سوبرماركت في شمال ويلز، وهو يصيح “بالقوة البيضاء” أثناء هجوم محموم باستخدام ساطور.

وبما أن جماعة العمل الوطني أصبحت محظورة الآن باعتباره جماعة إرهابية، فإن كونك عضواً في الجماعة يعُاقب عليه بالسجن لمدة تصل إلى 10 سنوات. وقد واجه 14 شخصاً على الأقل في المملكة المتحدة حتى الآن تهماً تتعلق بالإرهاب مرتبطة بعلاقتهم المزعومة مع الجماعة. ومن بين هؤلاء جنديين من الجيش البريطاني، من بينهم الجندي الأول ميكو فيهفيلاينن (33 عاماً)، الذي اتهم بأنه مسؤول عن تجنيد انضمام الأعضاء الجدد لجماعة العمل الوطني. وقال ممثلو الادعاء إن فيفيلاينين كان يعلق بشكل منتظم على منتدى الإنترنت العنصري الأبيض، حيث كان يحمل اسم “نيكو كريستيان” (NicoChristian)، وهو يهاجم الأشخاص ذوي البشرة السمراء، الذين أشار إليهم بـ “الوحوش”. وكتب نيكو كريستيان في المنشورات الإلكترونية التي استعرضتها صحيفة “ذا إنترسيبت”: “ينبغي ألا يكون الناس البيض على الكوكب ذاته مع السود”، وأضاف: “كلما تم القضاء عليهم أسرع، كان ذلك أفضل”.

وعندما فتش رجال الشرطة مقر فيهفيلاينن في معسكر للجيش في ويلز في شهر سبتمبر/ أيلول عام 2017، وجدوا أعلاماً نازية، ودروعاً للجسم، ومجموعة من الأسلحة، بما في ذلك بندقية، ومسدس آلي، ونشاب قوس، وسهام، وقبضات حديدية، وسواطير، وخناجر. كما كان لدى الجندي نسخة من البيان الذي كتبه الإرهابي اليميني المتطرف أندرس بريفيك، الذي قتل 77 شخصاً في النروج عام 2011. عندما حضرت الشرطة إلى منزل فيهفيلاينن لإلقاء القبض عليه، أفادت التقارير أنه قال لزوجته: “أنا معتقل بسبب كوني وطنياً”.

وفي الشهر الماضي، وجدت هيئة محلفين في محكمة في برمنغهام أن فيفيلاينن غير مذنب بإثارة الكراهية العرقية وحيازة كُتيّب ذي محتوى إرهابيّ. لكنه تلقى عقوبة بالسجن لمدة ثماني سنوات لارتكابه جريمة أخرى منفصلة عنها، وهي امتلاك غاز مسيل للدموع بشكل غير قانوني.

هناك دائماً جماعة عنيفة في مكوّنات الطيف السياسيّ المتطرفة. يقول رافايللو بانتوتشي، مدير دراسات الأمن الدولي في معهد أبحاث Royal United Services Institute، في لندن. “من الواضح أنَّ هناك زيادة في الإقبال على الجناح اليميني المتطرف، ويمكنك أن ترى ذلك من الأدلة التي يرويها الناس، أي تلك الحوادث التي شهدنا حدوثها. لطالما كانت تلك الحوادث موجودة في المملكة المتحدة، لكنها كانت تميل دائماً إلى أن تكون متفرّقة وغير منظمة. ما يثير القلق في الآونة الأخيرة هو أننا نراها تصبح أكثر تنظيماً”.

تُدير الحكومة البريطانية برنامجاً لمكافحة الإرهاب يدعى “منع (Prevent)”، أحد أنشطة البرنامج هي تحديد هوية الأشخاص الذين يُعتقد أنهم معرضون لخطر الانجرار إلى الإرهاب، عادةً بسبب بلاغات إلى الشرطة بتعبيرهم عن وجهات نظر متطرفة. ووفقاً لإحصاءات الشرطة والحكومة حول البرنامج، ازداد منذ 2007 عدد الأشخاص المعرضين لخطر الانخراط في الإرهاب اليميني كل عام. في السنوات الخمس بين عامي 2007 و2012، ازدادت المخاوف حول 177 شخصاً في المشهد اليميني المتطرف. وأُضيف بين عامي 2012 و2017، 2489 شخصاً إلى القائمة. تزامن الارتفاع في تطرّف أقصى اليمين مع زيادة في التطرف الإسلامي. وبين عامي 2007 و2012، وصف البرنامج 1560 شخصاً بأنَّهم عرضة للانجرار إلى الإرهاب الإسلامي، وفقاً لتقارير الشرطة والتقارير الحكومية. وارتفع هذا العدد بين عامي 2012 و2017 إلى 11624.

 

ليس واضحاً ما إذا كان جميع الأشخاص الذين يحدّدهم برنامج “المنع Prevent” يمثلون تهديداً حقيقياً أم لا، ولكن يبدو أن الأرقام تعكس بالفعل ظاهرة أعم. ويقول بانتوتشي “هنالك شعور بأن حرباً ثقافية تحصل، إِذْ نشهد استقطاباً أكبر في مناقشاتنا العامة، ونلاحظ أن وجهات النظر المتعلقة بكراهية الأجانب أصبحت سائدة. وهذا يعني أن التطرّف غير المقبول، التطرّف العنيف، يندفع نحو المركز أيضاً”.

“هناك شعور بأن حرباً ثقافية تحصل”.

منذ عام 2013، أدى صعود تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، مقترناً بموجة لاجئين تهيمن عليها الأكثرية المسلمة ممن يسافرون إلى أوروبا وأميركا الشمالية بسبب الصراعات في سوريا والعراق وأفغانستان- إلى تحفيز اليمين المتطرف. ففي المملكة المتحدة، أدّت الهجمات الإرهابية المستوحاة من تنظيم “داعش” إلى تفاقم الانقسامات العرقية داخل المجتمعات، كما أدّت إلى المزيد من حالات الإبلاغ عن الاعتداءات اللفظية والبدنية المعادية للإسلام. وعندما صوّتت المملكة المتحدة في حزيران عام 2016 لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي- جزئياً بسبب المخاوف المتعلقة بالهجرة- زاد هذا القرار من جرأة اليمين المتطرّف وتسبّب في إحداث زيادة سريعة في جرائم الكراهية ذات الصبغة العنصريّة. وخلقت كلّ هذه العوامل مجتمعة بيئةً خصبةً ازدهر فيها التطرّف.

بالنسبة إلى “داعش”، أثبتت خدمة الإنترنت أنها من أدوات الحشد الحيويّة. فقد ساعَدَت التنظيمَ على نشر رسائله المتطرفة للجمهور العالمي ومكّنت مؤيديه من التواصل مع بعضهم بعضاً، حتى لو كانوا على بُعد آلاف الأميال. وينطبق الأمر ذاته على اليمين المتطرف، إِذْ عزز الإنترنت سلالة جديدة من “المتطرفين الذاتيين”- وهم الأشخاص الذين لا تربطهم أي صلة حقيقية بأي جماعة متطرّفة، الذين يستهلكون بدلاً من ذلك الدعاية الإعلاميّة عبر الإنترنت ويقرّرون تنفيذ مؤامرة إرهابية بأنفسهم.

ويقول جو مولهول، أحد كبار الباحثين لدى مجموعة Hope Not Hate، التي تتخذ من لندن مقراً لها والتي تعكف على دراسة اليمين المتطرف: “أصبح من السهل على الناس أكثر من أي وقت مضى الوصول إلى محتوى اليمين المتطّرف الذي يتراوح بين الطرف المعتدل والطرف الراديكالي المتطرّف جدّاً. لقد ولّت أيام الحاجة إلى الانخراط في منظمة للعثور على معلومات منذ فترة طويلة، إِذْ يمكنك الحصول عليها الآن بالقليل من النقرات من أي مكان في العالم”.

يشير البحث إلى أن الروايات المتطرّفة التي يروَّج لها في الدعاية الإرهابية تُعدّ قوية بصفة خاصة لأولئك الذين تعرّضوا لصدمة عاطفيّة أو تعاطي المخدرات. ويمكن عَدُّ حالة كونور وارد، وهو شاب من بانف في اسكتلندا، مثالاً لذلك.

شُخّص كونور بأنه مصاب باضطراب الشخصية كما أنه مرّ بحياة عائلية مضطربة. فطبقاً لسجلات المحكمة، فإن والده ألكسندر وارد مُدان بالاعتداء الجنسي إِذْ تسبب في حَمْل صديقة كونور السابقة. واحتقر وارد والده لهذا السبب، وعام 2012، حاول صناعة قنبلة لقتله. لكنَّ مخطط وارد اكتشفته والدته، التي أبلغت الشرطة عنه. وحُكِم عليه بالسجن ثلاث سنوات، ولكن أُطلِق سراحه بعد 18 شهراً. وخلال الفترة ذاتها، نما لديه افتتان بالنازية وبدأ التخطيط للهجوم على المساجد. ويبدو أن مخطّطه الإرهابيّ كان مدفوعاً على الأقل بشكل جزئي بنظريات الحرب العرقية اليمينية المتطرفة التي اكتشفها على الإنترنت.

وتحمل حالات أخرى بصمات مماثلة. ففي العام الماضي، أصبح دارين أوزبورن البالغ من العمر 48 عاماً، متطرّفاً، بعد أن شاهد برنامجاً تلفزيونياً عن عصابة باكستانيّة تستغل الأطفال في الاتجار بالجنس والتي مارست أعمالها في شمال إنكلترا. وطبقاً لسارة أندروز، صديقة أوزبورن السابقة، أصبح أوزبورن في غضون أسابيع قليلة “مهووساً بالمسلمين، واتهمهم جميعاً بأنهم مغتصبون وأنهم جزء من عصابات تشتهي الأطفال جنسيّاً”. وقالت أندروز إن أوزبورن بدأ في قراءة منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لتومي روبنسون، وهو أحد الشخصيات البارزة في اليمين البريطاني المتطرف، والذي يقوم بحملات ضدّ ما يسميه “أسلمة” المملكة المتحدة.

في 19 حزيران 2017، استأجر أوزبورن شاحنة بيضاء من طراز “سيتروين” وتوجه بها إلى مسجد “فينسبري بارك” شمال لندن، الذي يبعد عن منزله في كارديف بـ150 ميلاً. انتظر أوزبورن أمام المسجد حتى خرج المصلون بعد صلاة العشاء، ثم اندفع بشاحنته نحو حشد المصلين، ما أسفر عن مقتل مكرم علي البالغ من العمر 51 عاماً وإصابة 10 آخرين. ترك أوزبورن رسالة في شاحنته شجبت “تلك الفصيلة المتوحشة من الرجال المسلمين المغتصبين، الذين يصطادون في جماعات، ويعتدون على أطفالنا”. بحسب شقيقة أوزبورن، كان أخوها يتناول مضادات الاكتئاب في ذلك الوقت وحاول أن يقتل نفسه قبل الواقعة بأسابيع.

بعد أيام قليلة من هجوم أوزبورن، كان “إيثان ستابلز”، البالغ من العمر 20 عاماً من بلدة صغيرة في شمال إنكلترا، يستعد لارتكاب جريمته في أحد الملاهي الليلية الخاصة بالمثليين. نشر ستابلز تعليقات على صفحة “فيسبوك” يمينية متطرفة، جاء فيها أنه “يخطط لذبح كل الأوغاد المثليين”. تسلمت الشرطة بلاغاً عن تعليقات ستابلز، وعندما قاموا بتفتيش منزله عثروا على منجل، وفأس، ودليل لصنع القنابل. وجهت الشرطة لستابلز تهمة التخطيط للقيام بهجوم إرهابي. أثناء محاكمة ستابلز، وُجد أنه شُخّص بالإصابة بمتلازمة “أسبرغر” منذ طفولته. وفي أيلول 2016، أصبح ستابلز مهووساً بالنازية. واستخدم الإنترنت للتواصل مع المتطرفين الآخرين وبحث عن كيفية الاستعداد لحرب عرقية. كان ستابلز عاطلاً من العمل وألقى اللوم على المهاجرين في مشكلاته. في إحدى رسائله على “واتساب”، كتب ستابلز: “بلادي مغتصبة. ربما علي أن أصبح حليق الرأس وأقتل الناس”.

وفي واقعة أخرى، حظر “تويتر” الحساب الشخصي لتومي روبنسن، الذي ألهمت تغريداته منفذ هجوم مسجد لندن، لخرقه “سياسات سلوكيات الكراهية”، لكن حساباته الشخصية على “فيسبوك” و”يوتيوب” لا تزال مفتوحة، ويصل عدد متابعيه إلى أكثر من 900000 شخص. اشتهر روبنسون بصفته زعيم مجموعة تسمى “رابطة الدفاع الإنكليزية”، وهي منظمة يمينية متطرفة تقول إنها مهتمة بـقضايا “تهميش غير المسلمين” في المجتمع البريطاني.

في 2013، تنحى روبنسون عن قيادة الرابطة، قائلاً إنه يشعر بالقلق في شأن “مخاطر التطرف اليميني”. ومع ذلك، استمر في حملته ضد القضايا ذاتها بشكل منفرد. وعرضت صفحته على “تويتر”، قبل غلقها، مجموعة من التغريدات التي وصفت المسلمين والإسلام بأنهم يمثلون تهديدات للمجتمع البريطاني والأوروبي.

قال “رولي”، مدير مكتب شرطة مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة، إن الشرطة وجهت إلى روبنسون تهمة نشر “معلومات ودعاية مضللة”، وزعم أن روبنسون هو المماثل اليميني للواعظ الإسلامي البريطاني “أنجم تشودري”، الذي سُجن عام 2016 لتشجيعه على دعم تنظيم داعش. وخلال خطابه الذي ألقاه في لندن في فبراير/ شباط، قال “رولي” إن روبنسون استخدم منصات التواصل الاجتماعي “لمهاجمة الدين الإسلامي برمته من خلال الخلط بين الإرهاب والإيمان”.

رفض روبنسون طلبنا للتعليق على الأمر، إلا أنه نفى في موضع سابق الاتهامات الموجهه إليه بأن أسلوبه يمكن أن يشجع الإرهاب اليميني.

في الأشهر الأخيرة، أقام روبنسون تحالفاً غير رسمي مع مجموعة جديدة تطلق على نفسها اسم “هوية الجيل” والتي تحاول إثبات وجودها في المملكة المتحدة.

“هوية الجيل” هي حركة شبابية يمينية متطرفة نشأت في فرنسا، وتقوم بحملات ضد ما تسميه “الإحلال الكبير” – وهي نظرية مفادها أن البلدان الأوروبية ذات الأغلبية البيضاء سوف يتم الاستيلاء عليها بواسطة المهاجرين المسلمين. ووفقاً لهذه المجموعة، فإن “المجتمعات الموازية الإسلامية” والهجرة الجماعية ستؤدي إلى “التدمير شبه الكامل للمجتمعات الأوروبية في غضون بضعة عقود فقط إذا لم يتم اتخاذ تدابير مضادة”.

المجموعة التي تهتم بمظهرها لديها موقع مذهل، تنشر عليه أشرطة فيديو يتم إنتاجها بطريقة احترافية، وتدير معسكرات تعتمد تدريبات عسكرية، وتأمر أنصارها بوجوب الظهور “بمظهر جيد”. يُفحص المتقدمون بشكل شخصي، ويقومون بملئ استمارة تقدم تتضمن أسئلة عن خلفياتهم السياسية وعن خمس شخصيات مفضلة لديهم من على وسائل التواصل الإجتماعي. يجب أن يوقع الأعضاء المحتملون على ورقة تبرئ ذمتهم تنص على أنهم “ليسوا صحافيين ولا نشطاء ولا مخبرين معنيبن بتسجيل صوتي/ مرئي”.

تصر المجموعة على أنها ليست متطرفة أو عنصرية. تدّعي، بدلاً من ذلك، أنها تريد فقط أن تحفظ هوية الأمة الأوروبية، ويصف أعضاؤها أنفسهم باعتبارهم “هوياتيين” (أي مدافعين عن الهوية). ولكن وراء التلميع التسويقي والدلالات اللفظية، تصطف هذه المجموعة، “هوية الجيل”، مع اليمين المتطرف. يذكرنا اعتقادها بأن المهاجرين سيقومون بمحو الأوروبيين البيض- إذا لم يحارب الأوروبيون ذلك- برواية اليمين المتطرف القديمة التي تقول أن حرباً عرقية على وشك الحدوث. وعلى خلاف مجموعات اليمين المتطرف القديمة، التي استهدفت اليهود والسود، تركز مجموعة “هوية الجيل” حنقها في المقام الأول على المسلمين.

يرى دانيال مولهال، الباحث في برنامج Hope Not Hate، أن “مذهب أيديولوجية مجموعة هوية الجيل متطرف بالفعل، لقد كانوا ماهرين للغاية في اختيارهم كلماتهم ولغتهم؛ يحاولون التعبير عن أفكارهم المتطرفة بطرق تجذب الشباب. هذه الطريقة ناجحة بالنسبة إليهم حتى الآن، وهذا شيء يبعث على القلق”.

مارتن سيلنر الأوروبي ذو الـ29 ربيعاً المتحدث الرسمي باسم مجموعة “هوية الجيل”. نمساوي يدرس القانون في جامعة فيينا، قال لصحيفة الـ”انترسيبت” مزيج من الهجرة الواسعة، انخفاض معدل الولادات، وسياسة التعددية الثقافية يهدد الدول الأوروبية الديموقراطية. المسلمون سيغيرون القوانين، ثم الثقافة، وسيؤدي ذلك في نهاية الأمر إلى تدمير الهوية والحرية اللتين نحظى بهما في أوروبا”. وينكر أنه كان مناصراً لسيادة الجنس الأبيض، وكونه عنصرياً أو متطرفاً، معتبراً أنه تبرأ من العنف. “أنا فقط انقل رسالة”، ويضيف: “أنا فقط أقول بشكل علني ما يخشى معظم الناس قوله”.

حاول سيلنر دخول المملكة المتحدة في 9 مارس/ آذار لإلقاء خطاب في لندن حيث تحاول مجموعة صغيرة من أعضاء مجموعة “هوية الجيل” تجنيد غيرهم. لم يسمح لسيلنر ولا لرفيقته المشهورة على الإنترنت، الأميركية اليمينية بريتاني بيتيبون، بدخول البلد. واعتقل بموجب قانون المملكة المتحدة للإرهاب ورُحّل إلى فيينا. أخبرت الشرطة سيلنر أن وجوده في المملكة “يضر بالمصلحة العامة” لأن ظهوره المخطط له سوف يحدث انقسامات في المجتمع.

بعد أسبوع من حادثة، تجمع حوالى 400 شخص في مظاهرة في الناحية الشمال شرقية من هايد بارك في وسط لندن. أعلن روبنسون، وهو زعيم سابق في رابطة الدفاع الإنكليزية، أنه سوف يلقي الخطاب الذي مُنع سيلنر من إلقائه. كان من بين الجمع رجال ونساء من أعمار بين أوائل العشرينات وأواخر الخمسينات، بعضهم كان فظاً يحمل أعلام بريطانيا ولافتات بشعارات مثل “احظرو الإسلام وليس حرية تعبير” و”سأكره ما أريد”.

وصل روبنسون في شاحنة بيضاء محاطاً بالعديد من الرجال الأقوياء مرتدين سترات مكتوب على ظهرها “أمن”. بدأ الجماهير يهتفون باسم روبنسون بينما هو يتقدم باتجاه الحديقة مخترقاً الحشود، على بعد مسافة قصيرة من قوس الرخام اللندني الشهير.

خلال دقيقتين، كان هناك هرج ومرج وتدافع. واجهت مجموعة أخرى من المتظاهرين- بعضهم كان يصرخ قائلاً الله أكبر- مناصري روبنسون، واندلعت المعركة. ضرب ضابط شرطة في وجهه، إما بقبضة يدٍ أو بشيء ما وسال الدم من خدّه. أخرج الضابط من بين الحشد مصاباً بالدوار وبالكاد يستطيع الحفاظ على توازنه ثم وضع في الكرسي الخلفي لسيارة الشرطة الفضية، حيث ألقى نفسه على كرسي ووضع ضمادة بيضاء على وجهه لامتصاص الدم المتقاطر.

وقبل أن يتمكّن روبنسون من التحدث، وقف رجل في منتصف العمر يرتدي قبّعة خضراء داكنة وقميصاً أبيض على صندوق ليُعلِن معارضته قائد رابطة الدفاع الإنكليزية السابق. ألقى الحشد الذي كان يهتف قبل ثوانٍ قليلة بـ”حريّة التعبير”، عباراتٍ مسيئة ضد الرجل، ورموه بعلب البيرة، ونزعوا قبّعته من على رأسه. وكانت هناك صيحات تقول “اخرس!” و”اغرب عن وجوهنا!”، وأُبعِد الرجل من الصندوق بينما تبدو عليه علامات الاضطراب، ودُفع ليعود أدراجه منضماً إلى الحشد.

سلّم روبنسون الذي كان يرتدي بنطال جينز أزرق ومعطفاً أسود، نسخاً ورقية من خطابه للحشد، ثمّ بدأ يقرأه بصوت عالٍ. ونادى بهتاف “لا للأسلمة”، و”لا للهجرة الجماعية والإحلال العظيم”!

وقال “لقد حبسكم الاستبداد منذ طفولتكم، أنا أطلب منكم، أنا آمركم: تحرّروا! يا وطنيّي المملكة المتّحدة، أفصحوا عن ميولكم المستَهجنة. أظهروا معارضتكم عبر المقاومة التي تُلهم الآخرين”.

وختم روبنسون خطابه بتحذير للحكومة البريطانيّة، قائلاً إنها تستطيع أن “تفرض حظراً على المتحدّث، لكنّها لا تستطيع حظر الخطاب”. وقال إنه من طريق منع سيلنر ونشطاء آخرين من المُنتمين إلى أقصى اليمين من دخول البلاد، فإن الحكومة “قد أعادت إطلاق النيران وبدأت نزاعاً مع الشعب البريطانيّ”.

شقّ روبنسون طريقه خلال الحشد متّجهاً إلى مكانه الآمن حيث شاحنته البيضاء. ظلَّ بعض أنصاره في رُكن المتحدّثين. ووزّع ناشطو “هويّة الجيل” منشورات تفسّر دعمهم “الحفاظ على الهويّة العرقيّة- الثقافيّة”. وبالقرب من سياجٍ على حدود المنتزه، تجمّع عددٌ من الرجال العرب الصغار خلف كُشكٍ صغيرٍ، حيث كانوا ينشرون معلوماتٍ عن القرآن. واقتربت منهم مجموعة من الرجال الذين كانوا يصغون إلى خطاب روبنسون.

صاح رجلٌ منهم يُدعى جامي، يبلغ من العمر 26 عاماً، ويرتدي نظّارة ذات إطار أسود، ومعطفاً أسود وبنطال جينز أزرق: “لقد ارتُكبت جرائم كثيرة بواسطة المُسلمين وهذا دليلٌ على أنكم تُسبّبون أذى غير متناسب لمجتمعنا. دينكم ليس جيداً لبريطانيا”.

أجابه عاصم، المُسلم الذي يبلغ من العمر 29 عاماً، والذي قال إنه وُلد وترعرع في شمال لندن: “حسناً، لا نزال هنا ولن نذهب إلى مكان آخر”. كان لدى عاصم لحية مشذّبة، كما كان يرتدي بزة رياضيّة رمادية اللون، وقبّعة بيسبول خضراء. وقال: “ما الذي ستفعله في شأني إذاً؟ إنَّ سجلي خالٍ من (الجرائم). كما أن تعميمك لصفاتٍ معيّنة على المنتمين لديننا هو محض هراء”.

واستمرّ الجدال لنحو 10 دقائق حتّى لم يتبقَ لدى أي طرفٍ ما يقوله.

قال عاصم “ليس لديّ وقتٌ لهذا” واستدار مبتعداً برفقة مجموعة مكوّنة من 6 أصدقاء.

وقال أحد مناصري روبنسون، الذي مشى في الاتّجاه المُعاكس “أجل، عد إلى وطنك”.

 

كان المشهد صورةً عن الانقسامات العميقة في المملكة المُفكّكة. ومع غروب الشمس في منتزه هايد بارك، بدأت الثلوج تتساقط. وتفرّقت الحشود، ساحقة بأقدامها الزجاج المكسور واللافتات المُهملة الملقاة على الأرض.

 

الكاتب: ريان غالاغر

 

  • هذا المقال مترجم عن موقع the intercept ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي.

 

إقرأ أيضاً