هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

انسحاب ترامب من الاتفاق النووي يضخم شهية اسرائيل للحرب ..

بعد التوقّعات والتوقّعات المضادّة التي تكاثرت في الآونة الأخيرة، انسحب دونالد ترامب، وسحب بلاده، من الاتّفاق مع إيران. الحدث سيكون له دويّ لا يقلّ عن دويّ الاتّفاق نفسه حين وُقّع في 2015 بين طهران وأعضاء مجلس الأمن زائداً ألمانيا.

ما فعله ترامب هو النطق بلسان القوى التي كرهت هذا الاتّفاق منذ يومه الأوّل، واعتبرته حجّة دامغة ضدّ إدارة الرئيس السابق باراك أوباما. “خطيب” هذا الموقف الذي تبنّاه الرئيس الأميركيّ هو بنيامين نتانياهو. مؤتمره الصحافيّ الذي كشف فيه “خطط إيران النوويّة السرّيّة” كان أثره حاسماً على ترامب الذي لم يُخف من البداية عداءه للاتّفاق.

لكنْ أن يكون نتانياهو هو المنتصر الأوّل فهذا يعني أنّ حظوظ المواجهة الإسرائيليّة – الإيرانيّة فوق سوريّا (ولبنان؟) زادت كثيراً. لهذا سريعاً ما أعلنت تلّ أبيب أنّها رصدت تحرّكات عسكريّة إيرانيّة في سوريّا، وقال جيشها إنّه “في حالة تأهّب قصوى تحسّباً لأيّ هجوم”.

سبب ذلك يرجع إلى الخلاف العميق بين نظريّتين: نظريّة أوباما والأوروبيّين (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) التي تفصل بين الاتّفاق وبين السياسة الإيرانيّة التوسّعيّة في المنطقة، والنظريّة الإسرائيليّة – الخليجيّة التي انحاز إليها ترامب، مسلّحاً بانتصار ديبلوماسيّ على الجبهة الكوريّة، ومفادها استحالة الفصل. وتبعاً لهذه الاستحالة فإنّ كلّ دولار يصل إلى إيران، بنتيجة رفع العقوبات، سيكون دولاراً ينتهي في جيوب “حزب الله” والقوى المشابهة التي تزعزع استقرار المنطقة.

بهذا المعنى، ستجد إسرائيل في الموقف الأميركيّ الأخير جواز سفر إلى تحقيق هدفها المتمثّل في ضرب الوجود العسكريّ الإيرانيّ وقواعده في سوريّا. أمّا المتاعب الاقتصاديّة الكبرى التي ستنجم عن ذلك، والتي سبق أن اعترف بها الرئيس الإيرانيّ حسن روحاني، فلن تفعل سوى توسيع الشهيّة الإسرائيليّة.

على أنّ قائمة المحرَجين بالخطوات الأخيرة ليست قصيرة. الأوروبيّون الذين قالوا إنّهم سيمضون في الاتّفاق سيكونون محرجين لألف سبب وسبب في عدادها إدراكهم لضعف فعاليّتهم من دون الولايات المتّحدة، وكذلك روسيا التي قد تُفسد المواجهة الإسرائيليّة – الإيرانيّة جهودها للإمساك بسوريّا، مستفيدة من ضبط المشكلات الأخرى ومن نزع فتيل التوتّرات الكبرى. كذلك سيكون بين المحرجين الرئيس الإيرانيّ روحاني ووزير خارجيّته محمّد جواد ظريف اللذان هندسا الاتّفاق. إنّهما يعرفان أنّ المتشدّدين سيكونون لهم بالمرصاد، وقد يحمّلونهما مسؤوليّة ما آل الوضع إليه. أمّا الحصار والأزمة الاقتصاديّة والمواجهات في الخارج فهي دائماً شروط تلائم الطرف الأكثر راديكاليّة وتشدّداً.

يبقى أنّ سوريّا التي قضمتها المداخلات الإقليميّة والدوليّة، فيُرجّح أن تجد نفسها أكثر فأكثر ضياعاً واستلاباً حيال مواجهة أخرى بين أطراف لا يعنيها السوريّون وبلادهم. وهي مواجهة ستكون، إذا حصلت، أكبر من سابقاتها وأخطر. وبدوره فإنّ لبنان الذي عُدّ “حزب الله” الفائز الأوّل في انتخاباته يوم الأحد الماضي، في 6 أيّار، فقد يدفع غالياً ثمن ذاك الفوز بعد رفض مديد وشرس لتحييد هذا البلد.

إقرأ أيضاً