fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب

انتصار كيم، لا انتصار ترامب

أخيراً، تمّ توقيع الاتّفاق النوويّ في سنغافورة بين الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب والزعيم الكوريّ الشماليّ كيم جونغ أون. الاتّفاق الذي يقضي بنزع الأنياب النوويّة لكوريا الشماليّة، يستدعي الترحيب من دون شكّ. وبالتأكيد سوف يظهر متحمّسون له يقترحون إعطاء جائزة نوبل للسلام للرئيس الأميركيّ والزعيم الكوريّ الشماليّ معاً. ولسوف تكون الحجّة قويّة: لقد صنعا سلاماً كبيراً، في منطقة بالغة الخطورة والحساسيّة، فكيف وأنّ الرئيس الأميركيّ السابق باراك أوباما نال هذه الجائزة من دون أن يصنع أيّ سلام. ومن يدري، فقد نسمع آخرين يشيدون بدور المزاجيّة في السياسة، ما دام الزعيمان مشهورين بمزاجيّتهما، أو بدور اللاعقلانيّة في الانتصار للعقل.

مع هذا يبقى أنّ الاتّفاق نفسه يستدعي، بعد التدقيق، الكثير من التحفّظ. هذا، على الأقلّ، ما جعل النقد يطغى على مقالات الرأي في الصحف الدوليّة الكبرى. نيكولاس كريستوف في “نيويورك تايمز”، مثلاً لا حصراً، رأى أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة “قدّمت تنازلات مهمّة لكوريا الشماليّة من دون أن تحصل على شيء ملموس” في المقابل. دان بالز في “واشنطن بوست” شكّك في ما إذا كان الرئيس والزعيم قد صنعا أيّ شيء تاريخيّ. شامي شاليف، كاتب افتتاحيّة “هآرتس” الإسرائيليّة، سمّى وعدّد عيوب الاتّفاق الأخير: “فالبيان [الثنائيّ] يُلحظ بسبب ما افتقر إليه أكثر ممّا يُلحَظ بسبب ما احتواه فعليّاً. فعلى عكس التعهّدات الكوريّة الشماليّة السابقة، لم يكن هناك أيّ ذكر لانضمام بيونغ يانغ إلى معاهدة عدم التخصيب النوويّ. وما من إشارة إلى أيّة رقابة أو أيّ تدقيق في ما خصّ تنفيذها لتعهّداتها. وما من كلمة عن البرنامج الصاروخيّ الكوريّ الشماليّ الذي بلغ، العام الماضي، طاقة عابرة للقارّات، وسرّع مساعي إدارة ترامب في الوصول إلى تسوية. لا بل إنّ اليابان وكوريا الجنوبيّة، وهما جارا الشمال المهدّدان، لم يؤتَ على ذكرهما في البيان المشترك. وليس هناك أيّ ذكرلسجلّ حقوق الإنسان الوحشيّ لنظام كيم، وما من إشارة إلى أنّ ذاك النظام قد يقدم على تغيير طرقه. على العكس من ذلك، أعطى ترامب لكيم شيكّاً على بياض كي يمضي في اضطهاد شعبه على النحو الذي يراه ملائماً”. ولنا أن نضيف إلى لائحة شاليف تعهّد ترامب الشفويّ، وغير المنصوص عليه في البيان، بوقف التدريبات والمناورات العسكريّة المشتركة مع كوريا الجنوبيّة.

هذا الاستقبال السلبيّ يوحي أنّ الرئيس الأميركيّ لن يجد في البيئات المستنيرة في بلده، وفي الغرب، الترحيب والتهليل اللذين يتوقّعهما، كما أنّ الاتّفاق مع كوريا الشماليّة لن يخفّف القيود التي تتسبّب بها المسألة الروسيّة التي لا تكاد تخبو حتّى تعاود الاشتعال. أبعد من هذا، سيلوح من المُستهجَن، في تلك البيئات، أن يحظى الديكتاتور الصغير لكوريا الشماليّة بمدائح الرئيس الأميركيّ، وبالضمانات المقدّمة لنظامه، فيما يحظى القادة الديمقراطيّون الذين شاركوه قمّة كيبيك لـ “الدول السبع” بأهاجيه وشتائمه.

والحال أنّ الإنجاز الذي تحقّق في سنغافورة يبقى، للأسباب المذكورة أعلاه، أقلّ كثيراً من أن يوازن التصرّفات الغريبة والانعزاليّة التي صدرت عن ترامب في القمّة تلك.

أمّا في ما يعني منطقة الشرق الأوسط مباشرة، فقد صار السؤال الأكثر إلحاحاً: هل سيتسلّح ترامب بـ “انتصاره” في سنغافورة ليشنّ حرباً، مباشرة أو بواسطة إسرائيل، على إيران؟

علينا أن نراقب بدقّة تفوق ما كنّا نفعله قبل لقاء ترامب – كيم الأخير.

إقرأ أيضاً