fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسين طه - صحافي عراقي

ياسين طه - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

انتحاريو إربيل من أبناء المدينة … ومعارضون يتحدثون عن “مؤامرة”

اتفق فرحان إيليا مع زميله الذي يعمل معه في إعداد الشاي بمبنى محافظة إربيل، على أن يداوم مكانه صباح يوم الإثنين (23 تموز/ يوليو). لم يكن في حسبانه أن ذاك اليوم كان معداً لاقتحام المبنى الواقع في قلب عاصمة إقليم كردستان العراق، في وقت مبكر من قبل ثلاثة انتحاريين، ما أدى إلى مقتل فرحان الذي عمل في المحافظة أكثر من 20 عاماً، إضافة إلى مقتل المهاجمين الثلاثة، قبل إعلان السلطات السيطرة النهائية على الحدث الذي كان مفاجأة لأهل المدينة.

جثمان فرحان ووري الثرى في مراسم كنسية ببلدة شقلاوة القريبة من إربيل، وانتهى العزاء الرسمي بمشاركة رسمية وشعبية لوداع الضحية المدنية الوحيدة للعملية. إلا أن ما حدث ترك وراءه جملة من التساؤلات والشكوك والتحليلات بشأن “ما إذا كانت العملية مدبرة من قبل السلطات لأغراض سياسية وفي توقيتات محددة” على ما صرح سياسيون أكراد معارضون، أم أنها عودة إلى نشاطات خلايا العناصر الكردية التابعة لـ”داعش”، التي اختفت عن شاشات الأخبار منذ فترة طويلة. كذلك ظهرت تساؤلات بشأن كيفية تمكن شباب يافعين من التسلل إلى مبنى محروس يحمل رمزية كبيرة، قبل مجيء الموظفين إلى الدوام المعتاد نحو الساعة السابعة والربع 7:15 صباحاً، إلى جانب قدرتهم على المقاومة وسط مبنى محاصر بإحكام من كل جهة، تاركين وراءهم دماراً هائلاً في أروقة المبنى الذي يعد المقر الرئيسي للحكومة المحلية في العاصمة الكردية.

اقرأ أيضاً: الصدر خصم واشنطن وطهران… والسبهان

لقي الانتحاريون الثلاثة حتفهم بعد مواجهات مسلحة وتبادل لإطلاق النار مع قوات الأمن  “الأسايش” وقوات “سوات الكردية”، وبعد انتهاء العملية تبين أن أعمار المهاجمين تتراوح بين 16 و18 سنة، وعلى رغم توزيع انتماء عائلاتهم الكردية على مدن مختلفة (إربيل، كركوك، السليمانية). الانتحاريون الثلاثة سكنوا في العاصمة إربيل منذ مدة طويلة، وما زال الغموض يكتنف خلفياتهم وسلوكهم قبل التجرؤ على اقتحام مبنى المحافظة، ومحاولة احتجاز رهائن مدنيين، وتسجيل خرق أمني نوعي في مدينة ينظر إليها كملاذ آمن وسط محيط مضطرب، بدءاً من الموصل شمالاً إلى كركوك في الجنوب، ناهيك بالحدود السورية في الاتجاه الغربي. وأصدرت عائلة أحد الانتحاريين، الشيخ عبدالرحمن الورتي، بياناً تطالب فيه بملاحقة من غرر بابنها اليافع الذي لم ينضج بعد وتبرأت مما فعله ونفت علمها المسبق بوجود مؤشرات على تطرفه “وإلا لبادرت بتسليمه للأمن قبل التورط بما حصل”. تنظر أطراف سياسية كردية معارضة بعين الريبة إلى مجمل العملية واستثمارها لأغراض سياسية. ورفض حراك “الجيل الجديد” (4 مرشحين فائزين) في بيان أصدره عقب العملية ما وصفه بـ “حياكة سيناريوهات من أجل معاداة قوى وشخصيات سياسية على الساحة الكردية من قبل السلطة” وذلك بعد إصدار الجهات الأمنية اتهامات لرجال دين وشخصيات معارضة. واتهم خبر، أوردته صحيفة “ازانس” المقربة من الجهاز الاستخباري للاتحاد الوطني “زانياري”، والد اثنين من المهاجمين بالانتماء إلى “أصحاب المراتب” في الحزب الديموقراطي (العدد 97، 25 تموز)، فيما دار الحديث بين ناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي عن استغلال الخرق الأمني لمنع امتداد الاحتجاجات المطلبية من وسط العراق وجنوبه إلى المنطقة الكردية، فضلاً عن الرغبة الملحة في تكميم أفواه المعارضين الإسلاميين غير المرغوب فيهم من رجال دين وناشطين سياسيين ووضعهم في دائرة الاتهام القضائي.عملية اقتحام مبنى الحكومة المحلية في إربيل تزامنت مع زيارة وفد تجاري سعودي رفيع إليها بحثاً عن فرص الاستثمار

وراجت هذه الشكوك أكثر بعد اتهام مدير أمن العاصمة “الاسايش”، طارق نوري، عبر الموقع الرسمي للحزب الديموقراطي، نائباً سابقاً ينتمي إلى الجماعة الإسلامية سليم شوشكيي بوجود صلات له مع “داعش”، إضافة إلى رجل دين آخر اسماعيل سوسيي اعتقل قبل أيام في إربيل. الملا سليم الذي اتهم بالإرهاب كان نائباً في الدورة المنتهية في البرلمان الاتحادي ببغداد، وعلى رغم انتخابه للدورة المقبلة، إلا أن تأخر التصديق على نتائج الانتخابات بسبب الطعون، جعله مكشوف الظهر ومن دون حصانة برلمانية. فرصةٌ أكد اغتنامها مدير أمن إربيل بعدما يئس من تجاوب بغداد مع طلب رفع الحصانة المقدم بحقه في الدورة السابقة. من جهة ثانية، نفى المتهم عبر بيان مقتضب نشره إعلام الجماعة الإسلامية التهم الموجهة إليه، وابدى استعداده للمثول أمام “محكمة عادلة ومستقلة” وشدد على وجود تسييس لبعض المحاكم من أجل حسم صراعات سياسية، فيما عزا القيادي في الجماعة الاسلامية، شوان رابر، سبب اتهام زميله بحصوله على أعلى الأصوات في إربيل لدورتين انتخابيتين متتاليتين.  

تنفي السلطات الرسمية والحزبية في إربيل ومن أعلى المستويات “نظرية المؤامرة”، التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي منذ اللحظات الأولى لاقتحام مبنى محافظة العاصمة، ووجهت أسئلة في المؤتمرات الصحافية للمسؤولين. مدير الأمن أكد عدم الاكتراث باتهامات بعض الأشخاص والأطراف، لافتاً إلى أنهم لا يملكون أدلة على راواياتهم، فيما رد محافظ المدينة، نوزاد هادي، على مزاعم وجود مؤامرة او سيناريو مسبق للعملية، عبر سرد أدلة، تضمنت عدم إمكان المجازفة بالسمعة الأمنية لمدينة اعتبرت البقعة الأكثر أمناً في عراق ملتهب، بوجود قوات الأسايش الكردية، إضافة إلى وقوع ضحايا في العملية، وتكبّد خسائر مادية كبيرة في مبنى المحافظة التي تمثل رمزاً وعنواناً لأمن مدينة إربيل وازدهارها.

وبموازاة هذه المناكفات التي تتجدد مع كل حدث في كردستان، نظراً إلى حدة الاستقطابات السياسية والحزبية، إضافة إلى بوادر نشوب أزمة بين الديموقراطي الكردستاني والجماعة الإسلامية المعارضة لسياساته بشدة، أعاد الخرق الأمني النوعي ومشاهده، المخاوف التي ذكرت الناس باللقطات السينمائية العنيفة والمرعبة، من تسلل مسلحين، واقتحام المبنى من السطح، وإخراج الموظفين، وعاد الحديث بقوة عن “الخلايا الداعشية الكردية” مرة أخرى، بعد أن اعتقد كثيرون، بينهم لجنة حكومية رسمية شكلت لغرض متابعتهم، أن “الأكراد الدواعش” الذين قدر عددهم بين 200 و500 شخص انتهوا إما قتلاً أو أسراً أو اختفاءً في أماكن بعيدة، أو عبر الانخراط وسط النازحين المدنيين. علماً أن “داعش” كان أقر بمقتل كثيرين منهم في العمليات والمعارك التي أعقبت اجتماعهم ضمن كتيبة “صلاح الدين الأيوبي” خلال فرارهم من سوريا ومحاولتهم دخول العراق. وفجر مدير أمن إربيل، طارق نوري، مفاجأة مدوية في هذا السياق عندما خمن عدد الأكراد الدواعش من شباب إربيل الباقين على قيد الحياة حتى الآن بحوالى 20 عنصراً.

اقرأ أيضاً: العراق: أميركا التقت الحشد وخطوة بارزانية نحو طهران

عملية اقتحام مبنى الحكومة المحلية في إربيل تزامنت مع زيارة وفد تجاري سعودي رفيع إليها بحثاً عن فرص الاستثمار، وأعقبت إعلان مقتل 11 عنصراً أمنياً إيرانياً في بلدة حدودية “مريوان” على يد معارضين أكراد، والحدثان المتقاربان زماناً ومكاناً، فتحا باب التكهنات لدى آخرين، بربطهما برسائل مفترضة حملها خرق إربيل الأمني من قبل “داعش”، وسط تلك المستجدات الإقليمية. ففسرها البعض بأنها محاولة إيصال رسالة إلى الزوار السعوديين، أو مؤشر لوجود تسهيلات إيرانية مفترضة لعبور عناصر متطرفة لاذت بأراضيها عام 2003 ثأراً لخرق حدودها في الفترة الأخيرة، إلا أن ظهور أسماء وعناوين وصور جثث القتلى والتعرف إليهم بسرعة وكونهم من أبناء إربيل، أعاد توجيه بوصلة الشكوك إلى دائرة المؤثرات الداخلية، وبانتظار مزيد من التفاصيل ونتائج التحقيقات التفصيلية، تبقى الاتهامات المتناقضة سيدة الموقف إلى درجة أنها شكلت محور أسئلة ومتابعة ممثلي الدول الغربية، بينهم قنصلا ألمانيا وفرنسا المعنيتين بالحرب على “داعش”، عند لقائهما نخباً كردية.

إقرأ أيضاً