هنا القصة الثالثة

حسين الوادعي

مقالات الكاتب

اليمن :الوحدة الفاشلة والانفصال المستحيل

يحتفل اليمنيون هذا العام بالعيد الثامن والعشرين لتحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو/ أيار 1990.

لكن كلمة احتفال قد لا تكون صادقة. فلا صنعاء الواقعة تحت سلطة الحركة الحوثية، ولا عدن الواقعة تحت سلطة المجلس الانتقالي قد احتفلت بعيد الوحدة بمهرجانات أو استعراضات العسكرية كما كان يحدث طوال السنوات السابقة.

فالمجلس الانتقالي يرفع شعار استعادة “دولة الجنوب”، ولا يمكن أن يحتفل بوحدة يعتبرها خطأ تاريخياً. والحركة الحوثية ترى أن مجالها الحيوي وسندها الاجتماعي في الشمال ولا جذور لها في الجنوب بعد الهزيمة العسكرية المؤلمة في يوليو/ تموز 2015. أما الحكومة التي ندعوها “بالشرعية” لأنه لا يوجد اسم آخر يمكن ان نميّزها به فمعزولة في المنفى، وغارقة في الفساد والمحسوبية والعجز.

لنقل صراحةً إن الحديث عن اليمن الموحد لم يعد متطابقاً مع واقع الحال.

في اليمن اليوم حكومتان: حكومة تسيطر على ما كان سابقا اليمن الشمالي، وحكومة أخرى تسيطر على ما كان سابقاً اليمن الجنوبي. حتى النقطة الحدوديه في منطقة “سناح” التي كانت تفصل بين الشطرين قد عادت إلى مكانها وصار المسافرون يفتشون في هذه النقطة تفتيش من يغادر دولة إلى أخرى.

قبل تحقيق الوحدة كانت حماستنا الوطنية تمنعنا من الحديث عن “يمن شمالي” و”يمن جنوبي”، وكنا بدلا من ذلك، نتحدث عن الشطر الشمالي من الوطن والشطر الجنوبي. وفي غمرة الحماسة، اخترعنا تهمة تضاف إلى القاموس السياسي العربي هي تهمة “الشطرية”، وهي المرادف اليمني لتهمة “القطرية” بضم القاف في قاموس القوميين العرب.

اليوم عاد الشطران إلى الوجود…

 

من مشاهد تقديسنا الوحدة تلك الأيام أننا بدأنا نؤرخ للأشياء بـ”ما قبل الوحدة” و”ما بعد بالوحدة” مثلما يؤرخ العالم بما قبل التاريخ وما بعده. فصرنا نقول إن هذا الشيء حدث قبل الوحدة، وذلك حدث بعدها، وأن فلانا تزوج قبل الوحدة أو أنهى دراستة بعدها. كانت الوحدة بداية التاريخ وربما نهايته أيضاً.

 

هناك شطر خرج من حال الحرب ويحاول متعثراً الانتقال إلى مرحلة التعمير، وشطر آخر غارق من اقصاه إلى أقصاه في هذه الحرب العبثية المفتوحه ولم يستلم الموظفون فيه مرتباتهم منذ سنتين.

عارض الشاعر والمثقف اليمني الكبير عبدالله البردوني الوحدة اليمنية عام 1990، مع أنه من أكبر المؤمنين بوحدة اليمن ووهمية الشطرين. ومعارضته لم تكن لمبدأ الوحدة بحد ذاته لكن للطريقة العشوائية التي تحققت بها الوحدة والتي جعلته يتنبأ من وقت المبكر بالحرب بين طرفي النظام.

كانت الآراء تتراوح بين فكرة الوحدة المرحلية التي طرحها الشمال (فيدرالية أو كونفدرالية تتحول تدريجيا الى وحدة كاملة)، وبين الوحدة الاندماجية الفورية التي طرحها الجنوب وللأسف فازت فكرة الاندماج الفوري العشوائي.

كنا متحمسين لتوحيد ما لا يتوحد وكنا ثملين بمعادلة “الواحد أفضل من الاثنين”، حتى أنه كانت لدينا مجلتان ثقافيتان حكوميتان، فدمجناهما في مجلة واحدة، وكانت لنا فرقتان مسرحيتان وغنائيتان فوحدناهما وهلّلنا فرحين بعد أن صارت لدينا فرقتان فقط بدلاً من أربع!

ظلت الوحدة النافذة النرجسية التي يطل منها اليمني على العالم ليفاخر أخيراً بإنجاز كبير أمام الآخرين.

من مشاهد تقديسنا الوحدة تلك الأيام أننا بدأنا نؤرخ للأشياء بـ”ما قبل الوحدة” و”ما بعد بالوحدة” مثلما يؤرخ العالم بما قبل التاريخ وما بعده. فصرنا نقول إن هذا الشيء حدث قبل الوحدة، وذلك حدث بعدها، وأن فلانا تزوج قبل الوحدة أو أنهى دراستة بعدها. كانت الوحدة بداية التاريخ وربما نهايته أيضاً.

قبل تحقيق الوحدة الألمانيه زار وفد ألماني صنعاء. وفي مؤتمر صحافي كبير قال علي عبد الله صالح مفاخراً: إذا أرادت ألمانيا أن نبعث لها خبراء يمنيين في تحقيق الوحدة فلا مانع لدينا في ذلك. تحققت الوحدة الألمانية بعد ذلك بشهور، ومن حسن الحظ من دون خبرات خبراء علي عبد الله صالح من الذين دمروا قيم الوحدة ومعانيها وحولوها من ثورة ثالثة بعد ثورتي سبتمبر وأكتوبر، مأزقاً تاريخياً محيراً مَن معها ومَن ضدها.

استمر اليمنيون في تحليل الظواهر السياسية حولهم من نافذة الوحدة. فإذا دار الحديث عن كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية غالباً ما يتجه تفكير معظم اليمنيين في خانة واحدة، “لماذا لا تتوحد كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية”؟ ودائماً كان هناك خبراء مستعدين للسفر الفوري إلى كوريا لتذليل الصعاب وتعليمهم النسج على المنوال اليمني.

ولأن الوحدة كانت قد وصلت في وجدان اليمنيين إلى مستوى العقيدة فقد كانت سبباً رئيسياً في التأييد الجماهيري الواسع في أوساط المجتمع والنخبة اليمنيين لاجتياح صدام حسين للكويت. كانت القضية بالنسبة إليهم أن الاجتياح مجرد خطوة أخرى في طريق تحقيق الوحدة العربية حتى لو كانت بالقوة. وكانت المشكلة بالنسبة إلى البعض ليست أن صدام اجتاح الكويت وإنما أنه لم يتابع طريقه الوحدوي إلى السعودية وقطر والبحرين وبقية دول الخليج.

هذا التفكير في إمكان الوحدة بالقوة كان أحد الأسباب التي جعلت اجتياح قوات علي عبد الله صالح الجنوب عام 1994 ممكناً وسهلاً، إذ لم يستغرق أكثر من ثلاثة أشهر لحسم المعركة. لم يقف الجنوبيون في البداية ضد الاجتياح، لأنهم اعتبروه فرصة للخلاص من حكم الحزب الاشتراكي. لكن كانت تلك نقطة النهاية للوحدة- الحلم وبداية الوحدة- المأزق. فبدءاً من تلك الحرب سيصبح ثمن الوحدة باهظاً جداً.

من عام 1994 حتى عام 2007 كان الجنوب يدفع الثمن الباهظ للوحدة بعد أن تحولت إلى نوع من الاحتلال الداخلي وتجريف الهوية والإذلال. ثم انقلبت الآية بعد 2012 ورئاسة عبد ربه منصور هادي ليتحمل الشمال ويدفع الثمن الباهظ لبقاء الوحدة. فتنازل الشمال (75 في المئة من السكان) عن رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء وعن كثير من المناصب الحكومية والديبلوماسية والاستشارية لمواطني المحافظات الجنوبية كنوع من الترضية غالية الثمن، من أجل اقناع الجنوبيين بالاستمرار في الوحدة. ثم جاءت الحرب لتسقط الشمال تحت القصف والحصار والتجويع الممنهج.

نعم… بعد 28 عاماً من الوحدة انقسم الخطاب السياسي بين جنوب يندفع نحو الانفصال وإنهاء تجربة الوحدة، وشمال لا يريد الانفصال لكن حماسته للوحدة صارت فاترة.

ولأن العقيدة عندما تفرض بالقوة تتحول عند المقهورين إلى نوع من الهرطقة، تحولت الوحدة اليمنية عند كثير من مواطني المحافظة الجنوبية إلى المؤامرة التاريخية والشيطان الأكبر وانتقل الجنوب 180 درجة من الاندفاع نحو الوحدة الاندماجية الفورية إلى النضال من أجل فك الارتباط الفوري. لم تعد “صنعاء وعدن بلداً واحد” كما درسنا في المناهج الدراسية وصارت الأنظار تغادر الوطن العربي وتتطلع إلى كردستان في العراق وكتالونيا في إسبانيا والباسك في فرنسا، بانتظار أن يحقق أحد تلك الأقاليم حلم الانفصال ليكون جنوب اليمن التالي على القائمة.

الوحدة ليست عقيدة ولا مشجباً لتعليق الأخطاء. واليمن اليوم في حاجة إلى خطاب سياسي جديد يخرجه من المأزق التاريخي العالق بين الوحدة الصعبة والانفصال المستحيل.

لا اعتقد أن الشمال لا يزال يملك الحماسة الوحدوية السابقة ذاتها، بعد أن اكتشف أنه مضطر لاستعادة ثورة 26 من سبتمبر، قبل المطالبة بالحفاظ على وحدة 22 مايو. ولا اعتقد أن الجنوب قادر على المغامرة باعلان الانفصال رسمياً وصفوفه مفككة، بخاصة بعد أن شاهد السقوط التراجيدي لمشروعي كردستان وكتالونيا والموقف المتحفظ للمجتمع الدولي نحو تفكيك الدول القائمة.

لكن اليمنيين يعرفون الآن أكثر من أي وقت مضى أن الوحدة ليست هوية ولا كرنفالات زاهية وسط محيط من الفقر والفوضى، ولكنها مضمون اجتماعي وسياسي مهموم بحرية الإنسان وكرامته.

 

إقرأ أيضاً