fbpx

هنا القصة الثالثة

وائل السواح

مقالات الكاتب

اليسار السوري: قيادة ثورية ولكن من دون نساء

في هذا النصّ، يتأمل وائل السوّاح في بنية قيادة رابطة العمل الشيوعي وخطابها السياسي في الأشهر الأولى من ولادتها في عملية قيصرية…

إذاً، ولد في سوريا التنظيم الذي قُدِّر له أن يكون علامة فارقة في الحياة السياسية في سوريا، وفي اليسار السوري خصوصاً. ولعلّ ولادته في قبو في مدينة حلب قرب أحد الفروع الأمنية، دلالة مبكرة على أنه ولد في عملية قيصرية. ومع ذلك يحلو لي أن أزعم أننا في الرابطة حقّقنا نقلة نوعية في أمور عدّة، منها أننا ألغينا منصب الأمين العام للحزب وبدّلنا اسم اللجنة المركزية والمكتب السياسي المرتبطين تاريخياً بالحركة الشيوعية التقليدية، باسم الهيئة المركزية التي ضمّت أحد عشر عضواً ولجنة العمل التي ضمّت خمسة أعضاء. وكانت لجنة العمل الأولى نوعية بالفعل، إذ ضمّت أحمد جمول وأصلان عبد الكريم وفاتح جاموس وهيثم العودات وعبّاس عبّاس (أبو حسين).

تحدثت عن أحمد جمّول كثيراً، ويمكنني أن أتحدث عنه طويلاً أيضاً. فالرجل كان نادراً في ثقافته وفطنته وحساسيته، وصلابته أيضاً. حين توفيت الرفيقة منى عسّاف، زوجة هيثم العودات، في ظروف مأسوية غامضة، انهار هيثم واعتكف في بيت قريبه حسين العودات. كنا نقترب من اللقاء الثالث الموسّع وكنا نريد هيثم وطاقته معنا. ذهب أحمد لرؤية هيثم ومعه صندوق، فتحه وأخرج منه مسدّساً وضعه على الطاولة أمام هيثم وقال له: “ليس لك أن تخيّب أصدقاءك. إما أن تكون قادراً على أن تحمل مأساتنا في منى (وكان مقدّراً لمنى لو عاشت أن تحضر اللقاء الموسع) أو تلحق بزوجتك الآن. وفي الحالتين سأعتبرك إنساناً عظيماً”. وكما يقول هيثم في كتابه “منبوذو دمشق”، استطاعت هذه المغامرة (الخرقاء) أن توقظ هيثم وتعيده إلى العمل.

أما فاتح جاموس فكان “دينامو” الحلقات الماركسية وبعدها رابطة العمل الشيوعي، كان لا يهدأ عن الحركة، ينتقل من مكان إلى آخر، ومن اجتماع إلى اجتماع، ويهتم بالرفاق كلهم، ولكنه بين هذا وذاك، يجد من الوقت ما يكفي لحبك الخطط والمؤامرات الصغيرة واللف والدوران على الجميع. لم يكن فاتح يتمتّع بثقافة نظرية عالية، بل أكاد أجزم أنه لم يقرأ من ماركس سوى البيان الشيوعي ولم يقرأ من لينين إلا “ما العمل”. ولكنه كان يتّقد حيوية وحماسة، وقد لعب دونما شكّ دوراً كبيراً في بناء رابطة العمل كما لعب دوراً في انحطاطها. وسيظلّ موقف فاتح المخيّب لآمال كثيرين من رفاقه السابقين غصّة في حلوقنا جميعاً ولغزاً مستعصياً. وقد علّل البعض مواقفه بأسباب طائفية، وهو المنحدر من أسرة علوية في بسنادا، ولكنني أستطيع أن أنفي عنه ذلك بكلّ ثقة، فحين اعتقل وسجن، عذِّب أكثر من سواه بسبب علويته، وحين أحبّت ابنته طبيباً سنيّاً من دير الزور، بارك لهما علاقتهما.  

على رغم أن نسبة النساء كانت في الرابطة أكبر من نسبتهن في أي تنظيم آخر، إلا أن تمثيلهن في القيادات العليا كان صفرا وفي الوسطى ضئيلا

على عكس فاتح، كان أصلان عبد الكريم عقلاً أكثر منه عاطفة. كان الحزب بالنسبة إليه جريدة ودزينة من الثوريين المحترفين. وبالتالي لم يكن الرفاق بالنسبة إليه أكثر من “رفاق”، أي منفذين لخطة الحزب. يهتمّ أصلان بعقله وجسمه جيداً. يمارس الرياضة كلّ يوم ويأكل بقدر ما يستطيع وبقدر ما كانت ظروف التخفي ومن ثمّ السجن توفره لنا. وكان صلباً وصابراً. حين مرض مرّة بشدّة ذات يوم من أيام 1977، وكان ملاحقاً يتقاسم السكن مع هيثم العودات، وارتفعت حرارته وانتابه صداع لئيم، التفت إلى هيثم وقال له: “بتعرف أبو الوِلْ؟ (كان اسم هيثم في التنظيم وائل) لولا العيب لقلت إني موجوع من هالمرضة”. في السجن كان أكثرنا اهتماماً برياضته وجسده، ولكنه أكثرنا قراءة وتمثّلاً لما يقرأ. لم أعرف في حياتي متحدثاً بقدرته على تسلسل الأفكار وربطها وإقناع الآخرين بها. ولكنه كان لينيناً عنيداً. ووحده – تقريباً– استطاع أن يميل بدفّة الرابطة نحو تبني المواقف السوفياتية التي وجدت الرابطة أساساً لنقدها ونقضها. وفي ليلة رأس السنة 1980، وكانت القوات السوفياتية قد غزت أفغانستان قبل أيام وقتلت رئيسها حفيظ الله أمين وعيّنت رجلها المدلّل بابراك كارمل، وقف أصلان في منتصف الغرفة التي كنا نحتفي فيها بالعام الجديد، ورفع كأسه نخب بابراك كارمل والرفاق “السوفيات”. ورفعنا معه الكأس جميعاً. وكما كان أحمد جمّول يدخّن كمدخنة، كان أصلان يشرب قدر ما نشرب في الغرفة جميعنا، ولكنه يظل صاحياً متماسكاً كشجرة. حين تلاحقت من قبل جهاز أمن الدولة سيئ الذكر، وتفرغت للعمل السياسي، توقفت عن كتابة القصة والشعر، وشكوت ذلك لأصلان. ولم أدر أكان يواسيني أم أنه كان يقول ما يعتقد أنه الحقّ: “أنت تخليت عن الأدنى لمصلحة الأرقى. يجب ألا تحزن”. لقد كان يرى السياسةَ فوق الفن. وفي اجتماع عاصف للهيئة المركزية المنقوصة في بيروت في صيف 1979، قررنا دمج لجنة العمل والهيئة المركزية في هيئة واحدة، وبدأ الاقتراع السري، وحصلت على ستة أصوات من أصل سبعة، وذهب صوت إلى الرفيق أحمد رزق. وبعد انتهاء التصويت، لم يتمالك أصلان من أن يكون نفسه، أن يكون صريحاً، فقال لي: “أنا لم أصوّت لك، وصوّت للرفيق أحمد”. ولم أسله لماذا ولكنّه تبرّع فأضاف: “أنت تكتب بأسلوب صحافي”، معتبراً ذلك نقيصة. قبل ذلك وبعده كتبت آلاف الصفحات والمقالات والكتب والأبحاث، بينما أكمل الفريق أحمد، المثقف المرهف والذكي، دراسته ليصبح طبيبا ممتازا، ولكنني لا أحسب أنه كتب كثيراً بعدها. ومع ذلك، وعلى رغم كلّ شيء، كان لأصلان سلطة أخلاقية وسياسية كبيرة على الرفاق وعليّ شخصياً. ولا أحسب أنه صوّت لي في المؤتمر الأول لنقل الرابطة إلى حزب، لأنني كنت ضدّ خطوة التحوّل إلى حزب أساساً. وحين تنامى إلينا في السجن نبأ اعتقاله، قلت لبعض الأصدقاء في مهجعي: “أخشى أن التنظيم قد انتهى”!.

لم يكن هيثم العودات أفتى أعضاء لجنة العمل فحسب، بل كان أكثرهم قلقاً وتساؤلاً. لهيثم، الذي اعتقل والده أكثر من مرّة لأسباب سياسية ولعبت أمه المربيّة الفاضلة دوراً كبيراً في حياته وحياة الأسرة، تاريخ قديم في العمل العام. فحين كان في المدرسة الابتدائية أسّس مع من سيكون لاحقاً أحد أبرز الوجوه الوطنية والديموقراطية، عبد العزيز الخيّر، جريدة أسمياها “التعاون”. وباع الصحف والمجلات ليشتري الكتب التي يحبها. وحين زار ميشيل عفلق والده في درعا، سأله عن عدد البعثيين في درعا، فتنطح له الصبيّ الذي كان جالسا في الغرفة: “ليست العبرة في العدد”. نظر “الأستاذ ميشيل” إلى الصغير برهة، ثمّ وافقه: “بالتأكيد”. وشارك هيثم في كتابة بيانات سياسية ومقالات ورؤى استراتيجية للمنظمة، إلا أن الرجل كان أميل إلى الحقّ منه إلى السياسة، فترك الرابطة وانتقل لبرهة إلى صفوف الحزب الشيوعي- المكتب السياسي، قبل أن يغادر البلاد نهائياً إلى باريس ليبرز كواحد من أهم العاملين في مجال حقوق الإنسان. ولسوف يخلّف بعد الثورة انقساماً في الرأي حوله بالنسبة إلى مواقفه السياسية، فبينما يؤيده كثيرون من السوريين، يعتبر كثيرون أن مواقفه وسطية بين النظام والمعارضة. لم أعرف هيثم عن كثب. التقيت به مرات عدّة في مناسبات حزبية فقط، وعلى عكس أحمد الذي عرفني إلى الحلقات والرابطة وأصلان الذي كان بيننا تواصل اجتماعي وفاتح الذي كنت ألتقيه دائماً وجمعنا السجن لسنوات، سافر هيثم قبل أن تتوطد علاقتنا. ولكنني حين خرجت من المعتقل وسافرت إلى باريس، سارع إلى لقائي وأطلعني على الجهود التي بذلتها منظمة العفو الدولية ومؤسسة القلم لإطلاق سراحي.

ولد في سوريا التنظيم الذي قُدِّر له أن يكون علامة فارقة في الحياة السياسية في سوريا، وفي اليسار السوري خصوصاً. ولعلّ ولادته في قبو في مدينة حلب قرب أحد الفروع الأمنية، دلالة مبكرة على أنه ولد في عملية قيصرية

ويبقى عبّاس عبّاس (أبو حسين)، الرجل الثعلب الدافئ الجميل، الذي غالباً ما يتحدث بصوت عميق دافئ أقرب إلى الهمس، ولكنه يدخل القلب مباشرة. كان عبّاس أقرب إلى البساطة الريفية منه إلى تعقيد المدينة وتشابكها، لذلك كانت الماركسية بالنسبة إليه أقرب إلى التعاليم الدينية. اجتذبته في صباه في قرى منطقة مصياف أفكار أكرم الحوراني في توزيع الأرض بسبب حرمانه منها، ثم انضمَ إلى حزب البعث العربي الاشتراكي بعد توحد الحزبين الحوراني والعفلقي- البيطاري، ومنه انتقل إلى الجناح اليساري الذي قاده العراقي علي ناصر السعدي والسوري حمّود الشوفي، حزب العمّال الثوري، ومنه إلى الحلقات الماركسية فرابطة العمل الشيوعي. اعتقلته الأنظمة البعثية المتعاقبة أربع مرات بما مجموعه عشرون من السنوات، وقد تغيّر في أبو حسين أشياء كثيرة، فنحل وهزل ومرض، ولكن روحه القتالية لم تتراجع مطلقا. حين اختلفنا في سجن تدمر وانقسمنا وبدأنا نتجنب النظر في عيني واحدنا الآخر، بقي أبو حسين صديقاً ورفيقاً وأخاً للجميع. حكى لي مرّة، وكنا متجاورين في سجن تدمر الصحراوي سيئ الذكر، عن أبيه الشيخ الذي مرّ بمرحلة من الشك، سرعان ما نفضها، قائلاً: “وماذا أفعل بالأعوام التي أمضيتها مؤمنا؟” أبو حسين، يشبه كثيراً أباه، في مروءته وإيمانه وشكّه وصلابته.

في الرابطة، حوّلنا فكرة المركزية الديموقراطية من أداة تسلطية بيد قيادة التنظيم إلى ممارسة ديموقراطية داخلية حقيقية. ثمّ أصدرنا جريدة دورية باسم “الراية الحمراء” وجريدة داخلية باسم “البروليتاري”، وجريدة شعبية موجهة أساساً للعمال والفلاحين “النداء الشعبي” ومجلة نظرية باسم “الشيوعي”.

في الراية الحمراء، نشرنا وجهة نظرنا في الأحوال السياسية وتحليلنا للسياسة الداخلية والخارجية للنظام السوري. وطالبت الراية الحمراء بإسقاط النظام من طريق “ثورة شعبية- عسكرية مسلّحة”، وطالبت بضرورة وحدة الشيوعيين السوريين الثوريين في حزب واحد، وزعمت كشْفَ الشيوعيين الانتهازيين وتعريتهم في الحزب الشيوعي الرسمي بقيادة خالد بكداش. كذلك، أخذت الراية الحمراء خطاً نقدياً جريئاً، ضدّ “الرفاق السوفايت” وتاريخ ستالين الأسود في الاتحاد السوفييتي والعالم. وانتقدت بشكل خاص نظرية التطوّر اللارأسمالي وفكرة أن التحالف بين الشيوعيين وممثلي البورجوازية الصغيرة (البعثيين في حال سوريا) هو تحالف استراتيجي وليس تكتيكياً، كما كان حتى لينين نفسه يقول. وفنّدنا أفكار منظِّر الحزب السوفياتي سوسلوف، وعدنا إلى ملاحظات “الرفاق السوفيات” أو “الرفاق الكبار” كما كان خالد بكداش يحب أن يسميهم على مشروع البرنامج السياسي للحزب في أيار (مايو) 1971. وشاركت شخصياً في هيئة تحرير الراية الحمراء، فكتبت الكثر من المقالات والافتتاحيات. وحين أعود إلى الوراء، أشعر بالخجل من كثير من النصوص التي كتبتها، لصبيانيّتها، ولكنني أشعر بالفخر لبعض ما كتبت، وبخاصة افتتاحية الراية في شباط (فبراير) 1979، حين استولى الخميني وملالي إيران على ثورة الإيرانيين وعلى الحكم في طهران. سارت افتتاحيتي ضدّ التيار العارم الذي كان يجتاح اليسار العربي والعالمي الداعم للخميني، بما في ذلك تيار كان داخل الرابطة، لم يرَ بأسا في وصول رجال دين إلى السلطة في إيران. في افتتاحيتي، قلت بوضوح إن الشعب الإيراني لم يثر على الشاه ليستبدل دكتاتورية علمانية بدكتاتورية إسلامية، ولم يطل الزمان ليثبت ذلك.

في مجلة “البروليتاري”، كتب الرفاق وجهات نظرهم المتباينة واعترضوا على سياسة التنظيم. دافعت الأقليات عن وجهة نظرها: دافع التروتسكيون في التنظيم عن أفكار الأممية الرابعة، مع أنني لم أكن واثقاً من أنهم كانوا يعرفون تماماً عمق الخلاف بين تروتكسي ولينين، ودافع القوميون عن أفكارهم. وقد استخدمت المنبر مرّات عدة، حين كنت مع الأغلبية أو في الأقلية، وبخاصّة في ما يتعلق بموضوعة “طبيعة الثورة القادمة” ولكنّ لذلك مكاناً آخر.

“النداء الشعبي” كانت خطأنا القاتل. حين أعلنا رابطة العمل في آب (أغسطس) 1976، كان برنامجنا يحدد أولوياتنا على الشكل التالي: المهمّة الدعاوية أولاً، ومن ثمّ السياسية، والتنظيمية، وأخيراً التحريضية. المهمّة الأولى كانت تعني نشر وجهة نظرنا في طبيعة الثورة والحزب الشيوعي الواحد ومسألة التحالفات وقضية فلسطين. وقد قمنا بذلك في منشوراتنا النظرية وفي مجلة الشيوعي. ونشرنا وجهة نظرنا السياسية في “الراية الحمراء”، ولكنّ وتيرة “النداء الشعبي” ولغتها التحريضية ومخاطبتها عموم السوريين بلغة مباشرة ومن دون أي تورية أو مجاز وبنبرة حادّة ركّزت على رأس النظام حافظ الأسد وأخيه السفّاح رفعت، أدّت كما يمكن أن نتوقع إلى توحّش النظام وبربريته في ملاحقة الرابطة كما لم يفعل مع أي تنظيم يساري آخر إلى أن أنهاها فعلاً في مطالع التسعينات.

اليوم، وأنا أنظر من بعيد إلى تركيبة الهيئة المركزية ولجنة العمل، أشعر بالفخر من جهة والخجل من جهة أخرى. مصدر الفخر أننا لم نفكّر مطلقاً في الانتماءات القومية والمذهبية للأعضاء، ففي لجنة العمل الأولى كان ثمة علويان واسماعيلي وسنيّان بينهما شركسي. مصدر الخجل أن المؤتمر والهيئة المركزية ولجنة العمل كانت جميعها خالية من أي امرأة. وعلى رغم أن نسبة النساء كانت في الرابطة أكبر من نسبتهن في أي تنظيم آخر، إلا أن تمثيلهن في القيادات العليا كان صفرا وفي الوسطى ضئيلا. ولا يعفيني من الخجل أن قيادات كلّ الأحزاب وقتها كانت ذكورية، بما فيها الرفاق السوفيات والحزبان الشيوعيان السوريان، بخاصة وأنا أتذكر مناضلات كهالة العبد الله وخلود العبد الله ونجود اليوسف وحسيبة عبد الرحمن، التي ستغدو لاحقاً في كلّ حال عضواً في الهيئة المركزية، ولكن قليلاً بعد فوات الأوان.

 

إقرأ أيضاً