fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

النظرية الأسدية حيال لبنان: القتال المضبوط

هل هناك نظريّة صاغها حافظ الأسد للعلاقة بلبنان، واستمرّ العمل بها من بعده؟
أزعم أنّ الجواب: نعم… والنظريّة تلك تستوحي وتستوعب لحظات سابقة في سلوك الأنظمة الأمنيّة والعسكريّة السوريّة التي سبقت وصول الأسد إلى السلطة في 1970، وهي تبلورت تباعاً على ضوء الوضع الذي نجم عن حرب 1973 ثمّ معاهدة كامب ديفيد ومن بعدها الحروب اللبنانيّة واللبنانيّة – الإسرائيليّة المتعاقبة.
ولا شكّ أنّ طول المدّة التي ساد فيها الحكم الأسديّ (1970 حتى اليوم) والاختلاف النسبيّ للحالات الكثيرة التي عرفتها تلك المدّة أتاحا تصليب هذه النظريّة.
أمّا المبدأ الأوّل والحاكم لسواه من المبادىء فهو إبقاء لبنان ساحةً لنزاع مع إسرائيل، نزاعٍ قابل دائماً للضبط والسيطرة بحيث لا يفيض ولا يتهدّد السلطة في دمشق، أي أنّه لا يُخلّ باتفاق فضّ الاشتباك السوريّ – الإسرائيليّ الموقّع برعاية أميركيّة في 1974. هذا التقدير إنّما يجافي تقديرين سائدين، واحد في أوساط بعض معارضي الأسد من ذوي الخلفيّة القوميّة و/أو اليساريّة، وهو أنّ الأسد لم يقاتل إسرائيل، والآخر يتردّد في بعض بيئات الممانعة من أنّه سيحرّر فلسطين.
تجربة الأردن في 1970 كانت المهد الذي تشكّلت فيه طفولة هذه النظريّة: فالخوف من نشوء قاعدة للمقاومة الفلسطينيّة بما يهدّد بتوسيع الاشتباك مع إسرائيل وجعله بلا ضوابط ولا حدود هو ما قاد الأسد، كوزير دفاع وقائد للقوّات الجوّيّة، إلى رفض تقديم الغطاء للدبّابات السوريّة التي أرسلها رفاقه في السلطة إلى الأردن دعماً للمقاومة الفلسطينيّة. لقد كان هذا الخلاف بينه وبينهم أحد أبرز محاور النزاع داخل السلطة السوريّة والذي انفجر باستيلاء الأسد على تلك السلطة في ما أسمي “الحركة التصحيحيّة”.
فسورية الأسد تقع بين حدّين: لا تستطيع أن تقاتل إسرائيل لأسباب عسكريّة وتقنيّة، ولا تستطيع إلاّ أن تقاتل إسرائيل التي يشكّل قتالها جزءاً أساسيّاً من شرعيّة نظامها، فضلاً عن صدور هذا النظام عن تقليد إيديولوجيّ قوميّ يتعهّد تحرير فلسطين. هكذا يكون بالتالي “القتال المضبوط” الذي يوفّره لبنان مسرحه.
حالتان كادتا تهدّدان هذا القتال المضبوط: 1982 و2006. في الحالة الأولى، مع الغزوّ الإسرائيليّ، اختارت سلطة الأسد الأب الاكتفاء بهزيمة محدودة والانسحاب، ومن ثمّ الرهان على التناقضات اللبنانيّة – اللبنانيّة من أجل تحقيق العودة التدريجيّة. في الحالة الثانية، مع حرب “حزب الله” وإسرائيل، اختارت سلطة الأسد الابن عدم التدخّل ودعم الطرف اللبنانيّ الذي يقاتل من بعيد.
السلوك النموذجيّ التطبيقيّ الأكمل لهذه النظريّة هو ما حصل في 1976. فأوّلاً، كان هناك دعم كثيف للمقاومة الفلسطينيّة بدأ قبل تفرّد الأسد بالسلطة، وجعل منظّمة “الصاعقة” المرعيّة سوريّاً المنظّمة الأولى التي تتركّز في العرقوب، وكان ذلك في 1968. ثمّ، وبعد حرب الأردن وتفرّد الأسد بالسلطة، استؤنف بنشاط نقل المقاتلين الفلسطينيّين إلى لبنان ومدّهم بالسلاح. لقد حصل ذلك بغية أن تتمكّن المقاومة من تشكيل ازدواج سلطويّ مع السلطة اللبنانيّة سبق أن أسّسته اتّفاقيّة القاهرة في 1969 (في الوقت نفسه كانت قيادات التنظيمات الفلسطينيّة تُعتقل في سوريا). لكنْ، ثانياً، ما لبثت سوريّا الأسد أن تدخّلت عسكريّاً ضدّ المقاومة التي رعتها وسلّحتها، خوفاً من انتصارها الذي يدفع الصراع مع إسرائيل إلى حدّ لا تتحمّله دمشق وقد يهدّدها هي نفسها.

فسورية الأسد تقع بين حدّين: لا تستطيع أن تقاتل إسرائيل لأسباب عسكريّة وتقنيّة، ولا تستطيع إلاّ أن تقاتل إسرائيل التي يشكّل قتالها جزءاً أساسيّاً من شرعيّة نظامها، فضلاً عن صدور هذا النظام عن تقليد إيديولوجيّ قوميّ يتعهّد تحرير فلسطين. هكذا يكون بالتالي “القتال المضبوط” الذي يوفّره لبنان مسرحه.

هنا، وفي التقييم الأسديّ، ينعدم الفارق بين بشير الجميّل وأمين الجميّل اللذين أرادا، كلّ بطريقته، إنهاء النزاع اللبنانيّ – الإسرائيليّ، ورفيق الحريري الذي اتُّهم بأنّه يعمل لهذا الهدف، وكمال جنبلاط الذي كان، من خلال تحالفه مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة، يمثّل تهديداً بتوسيع رقعة النزاع… الأوّلون يأتي خطرهم من إغلاقهم باب النزاع، فيما ينجم خطر الأخير عن فتح أبواب النزاع على مصراعيها. أمّا المسائل الإيديولوجيّة أو الطائفيّة التي تفرّق بين هؤلاء فآخر ما يعني دمشق.
وبالطبع كان، ويبقى، أساسيّاً في هذه النظريّة ضبط السلاح الفلسطينيّ في لبنان: مطلوب سوريّاً أن يوجد هذا السلاح، وأن يتكاثر، وأن يتناقض حاملوه بما يحول دون صيرورته طرفاً موحّداً وقويّاً يستطيع الاستقلال بالقضيّة الفلسطينيّة عن النفوذ السوري، كما يحول، من جهة أخرى، دون توسيعه رقعة الصراع بما يفيض عن السيطرة الأسديّة.
لهذا عملت سوريّا الأسد على شقّ حركة “فتح” في الثمانينات، وعلى تأليب التنظيمات الصغرى عليها، كما خاضت ضدّها حروباً في طرابلس والبقاع، وكان أوسعها وأشدّها كلفة حرب المخيّمات (التي تمرّ هذا العام الذكرى الثلاثون لانتهائها من دون ضجيج، وذلك رغم أكلافها الهائلة!). هكذا كانت المعركة المفتوحة ضدّ العرفاتيّة التي جعلت عرفات يتشدّد في ما أسماه “معركة القرار الوطنيّ الفلسطينيّ المستقلّ”. ولم يكن بلا دلالة أن القوى المسيحيّة والفلسطينيّة التي تحاربت في السبعينات وجدت نفسها، في الثمانينات، متحالفة في محاولتها انتزاع سيادتها الوطنيّة من قبضة النظام السوريّ.
هذه المعادلة – معادلة القتال المضبوط في لبنان – وجدت في “حزب الله”، بثقله الإيرانيّ الكبير، خير ممثّل لها. لهذا أعطي للحزب “شرف المقاومة” الذي انتُزع من المقاومة الفلسطينيّة. وبالطبع برهن هذا الحزب عن جدارته بأداء هذا الدور الذي افتتحه بتأمين احتكاره لساحة المقاومة عبر تصفية المقاومة الصغرى للشيوعيّين وباقي الأحزاب، ثمّ تَوَّجَه بحرب تموز (يوليو) 2006 التي منعت تحوّل الأجندة السياسيّة اللبنانيّة، على أثر اغتيال الحريري، إلى أجندة تمنح الأولويّة للداخل اللبنانيّ وحياته السياسيّة، بما يقضي على مبرّرات الدور السوريّ في لبنان. في الآن نفسه، شكّلت إيرانيّة “حزب الله” ضمانة بأن مقاومته لن تفيض عن الاعتبارات الإقليميّة الحاكمة التي يقرّرها في آخر المطاف التحالف السوريّ – الإيرانيّ وحاجاته.

على رغم تغيّر العناوين وعلى رغم تغيّر الأوزان داخل تحالف القوى الممانعة، لا تزال النظريّة التي ابتكرها حافظ الأسد هي إيّاها: أن يبقى لبنان ساحة تُعلَّق فيها النزاعات الإقليميّة بما يفيد سواه، شريطة أن لا تنفجر تلك النزاعات على نحو يهدّد ذاك السوى.

والحال أنّ المبادىء الأخرى في النظريّة الأسديّة إنّما تلعب دور الشروط الضروريّة لاشتغال المبدأ الأوّل.
فهناك إبقاء السياسة الخارجيّة اللبنانيّة في يد دمشق، وقد عبّر عن هذا شعار “وحدة المسارين”، ومنع لبنان من أن تكون له سياسة خارجيّة مستقلّة، وتعاقب وزراء خارجيّة ينتمون إلى قوى موالية لدمشق. في هذا المعنى يمكن اعتبار المعركة ضد اتّفاق 17 أيّار 1983 ذروة الصراع ضدّ القرار الوطنيّ اللبنانيّ المستقلّ. لقد كان من الضروريّ رسمه كـ “اتّفاق إذعان” وتحويله إلى مُحرّم خيانيّ أكبر.
لكنْ أيضاً ينبغي بالمطلق أن لا يكون هناك رئيس جمهوريّة لبنانيّ قويّ، ويُستحسن، تالياً، بالرئيس أن لا يكون من جبل لبنان، حيث العمود الفقريّ التقليديّ للنزعة الاستقلاليّة، قياساً بالمناطق الطرفيّة الأشدّ تأثّراً بسوريّا. هنا، يبدو وجهٌ كالياس الهراوي نموذجيّاً. فإذا كان من الجبل فليأت من دون قاعدة شعبيّة كإميل لحّود أو ميشال سليمان. أمّا حين تُفلت هذه الحسابات من إمكانيّة الضبط، كما في حالة رينيه معوّض غير الجبليّ، فيكون الاغتيال هو الحلّ، فيما يكون الحلّ، في حالة الجبليّ ميشال سليمان، بالاغتيال المعنويّ عبر تشويه السمعة.
المعادلة هذه تغيّرت بعد 2005 حيث قضت النزاعات الداخليّة اللبنانيّة بانتقال الزعيم الأبرز للمارونيّة الجبليّة، أي ميشال عون، إلى الصفّ السوريّ. لكنّ هذا الاستثناء لا يلغي القاعدة التي تكثر الشواهد عليها. وهذا ما يفسّر إصرار الأسد، بعد حرب العراق في 2003 وانتفاضة القامشلي في 2004، على التمديد لإميل لحّود كائناً ما كان الثمن. فنظامه، لا سيّما حين يكون مُحاصَراً، لا يطمئن إلاّ إلى الرئيس الكامل الامتثال.
في غضون ذلك، ومع صعود رفيق الحريري بعلاقاته الدوليّة الواسعة وتحوّله إلى ما يشبه وزير خارجيّة أعلى، خصوصاً وأنّ اتّفاق الطائف كان قد أعطى رئيس الحكومة موقعاً أكبر في صناعة القرار، صار ضبط رئيس الحكومة – لا رئيس الجمهوريّة ووزير الخارجيّة فحسب – ضمن مبدأ “وحدة المسارين” مسألة حياة أو موت. النتيجة كانت عمليّة الاغتيال الشهيرة في 14 شباط (فبراير) 2005.
لا شك بأن لهذه النظريّة ملاحق لا يتّسع المجال لتناولها هنا، لكنْ ربّما كان أهمّها ثلاثة: ضبط الإعلام اللبنانيّ وصولاً إلى الخطف (ميشال أبو جودة) والقتل (سليم اللوزي وسمير قصير…)، ومنع لبنان من أن يكون ملجأ للمعارضين السوريّين، وهذان مطلبان تؤدي الاستجابة لهما إلى إخلال عميق بالديمقراطيّة اللبنانيّة. وأخيراً، تصريف فائض العمالة، الذي لا يستطيع الاقتصاد السوريّ المنكمش استيعابه، في لبنان.
بطبيعة الحال فإنّ اندلاع الثورة ثمّ الحرب الأهليّة في سوريّا أدخل تعديلات كبرى على هذه المعادلة، خصوصاً في ما يتعلّق بالتوازن بين النظام الأسديّ و”حزب الله”، ومن ورائه إيران، داخل التحالف بينهم. لكنْ على رغم تغيّر العناوين وعلى رغم تغيّر الأوزان داخل تحالف القوى الممانعة، لا تزال النظريّة التي ابتكرها حافظ الأسد هي إيّاها: أن يبقى لبنان ساحة تُعلَّق فيها النزاعات الإقليميّة بما يفيد سواه، شريطة أن لا تنفجر تلك النزاعات على نحو يهدّد ذاك السوى.

*كلمة ألقيت في ندوة عن العلاقات اللبنانيّة – السوريّة عُقدت في الجامعة الأميركيّة ببيروت يوم الإثنين في 11/6/2018.

إقرأ أيضاً