fbpx

هنا القصة الثالثة

مروان كيالي- صحافي سوري

مقالات الكاتب

النظام يبيع وهماً مستحيلاً اسمه “إعادة إعمار سوريا”

لا يفارق تعبير إعادة الإعمار في سوريا ألسنة الحالمين في المساهمة به، من تجار الحرب، إلى رجال الأعمال والسياسيين، لكنه غائب تماماً عن الطرح الفعلي عند الكثير من الدول الأجنبية، والتي بطبيعة الحال هي التي سوف تُقدم على هذا الأمر إن حصل.
يتخطى المعطى السياسي نظيره الاقتصادي ليحل محله ويسبقه بمراحل. فإعادة الإعمار تعني في طياتها رفع العقوبات عن سوريا، إذ لا يمكن تمرير العمليات المالية والتشغيلية، من دون منظومة مالية ضامنة وقادرة على تولي مهمة التحويلات النقدية العالية التي سوف ترد من الخارج إلى الداخل السوري. إذاً لا يمكن أن تبرز مؤشرات أجنبية سريعة حيال إعادة الإعمار، وقد سمعنا أكثر من مرة، على لسان الاتحاد الأوروبي عن صعوبة بدء إعادة الإعمار في ظل حكم بشار الأسد.
رفع العقوبات الأوروبية والأميركية عن نظام بشار الأسد، يعني سياسياً واقتصادياً التخفيف عن إيران ضمناً، وعن روسيا علناً. وهذا أمر قد يبدو للوهلة الأولى قابلاً للتحقيق في ظل المتغيرات العسكرية التي جنحت لمصلحة النظام أخيراً بشكل سريع، لكن في واقع الأمر يحتاج هذا الإجراء، وتنفيذه إلى سنوات عدة.

تظهر إلى العلن مؤتمرات إعادة الإعمار في سوريا، سواء على الأراضي السورية أو اللبنانية، وهي لا تتعدى “التهريج” في قطاع الأعمال. حيث لا اعتبارات للمعايير الاقتصادية والدولية، ولا معلومات وافية عن الاقتصاد الكلي في سوريا، ولا إحصاءات ذات شفافية وصدقية يمكن لرجال الأعمال والدول الاعتماد عليها

ومن الواضح جداً، أن الاتحاد الأوروبي لن يأخذ المبادرة في رفع العقوبات عن سورية قبل الولايات المتحدة الأميركية، وإن حصل ذلك فعلاً فسوف يجابه بقوة من قبل إدارة ترامب المتشددة؛ ومما يعقّد مهمة الاتحاد الأوروبي في إزالة العقوبات أن معظمها مرتبط بالهجمات الكيماوية التي نُسبت إلى النظام، إذ إنه مع كل حدث “كيماوي” يسعى الاتحاد الأوروبي لكي يسبق نظيره الأميركي في إعلان العقوبات على أشخاص وكيانات يعملون في المجال الكيماوي، لعلّ ذلك يعيد شيئاً من الاستقلالية لقراره بدلاً من التبعية المطلقة للقرار الأميركي.
وما يثير الريبة حقاً أنه وعلى رغم أن الكثير من دول الاتحاد الأوروبي مدَت أذرعها الطويلة داخل سورية عبر المنظمات غير الحكومية حالها حال أميركا وَروسيا وإيران، إلا أنها لم تصعّد من حدة العقوبات على أسماء وكيانات أصبحت معروفة بعملها العابر للحدود، وداخل الحدود السورية صفاً إلى صف مع النظام مثل سامر فوز، رجل النظام السوري المغمور. بل إن صوره باتت تتصدر الصحف التي أَصدر إحداها بنفسه في لندن تحت اسم “أرابيسك لندن”. وروجت محطات تلفزيونية أن تلك الصحيفة هي إنجاز كبير لأحد اللاجئين السوريين.
يحتاج رفع العقوبات إلى اتفاق شامل مع النظام في سوريا، وقد يتضمن اعترافاً كلياً بشرعية النظام في سوريا، ويتم الرفع على مراحل قد تمتد لسنوات، ناهيك بإمكان إعادة بعض العقوبات في حال عدم التزام النظام بالاتفاق وهو أمر وارد جداً، أو إلغاء العملية برمتها كما فعل الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الاتفاق الإيراني. أما العقوبات المفروضة لأسباب تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، والإرهاب فغالباً قد تبقى من دون المساس بها، على اعتبار أنها مصدر قوة الأوروبيين “الحُماة” لحقوق الإنسان في العالم.

وفي استعراض مبسط للعقوبات الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي نجد؛ “أن برنامج العقوبات السوري الذي ينفذه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (الأوفاك)؛ بدأ عام 2004، بالتعامل مع سياسات الحكومة السورية المرتبطة بدعم الإرهاب، واحتلال لبنان، وملاحقة أسلحة الدمار الشامل والصواريخ، كما تصاعدت حدة العقوبات بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في لبنان 2005، وقد تمت متابعة ما حدث في سوريا بداية 2011، حين صدرت أوامر تنفيذية رداً على العنف المستمر وانتهاكات حقوق الإنسان”. وتشمل لائحة العقوبات مئات الأسماء والكيانات المرتبطة بالنظام و”حزب الله” وايران، وحتى كوريا الشمالية.
إذاً ليس بالأمر اليسير إلغاء مئات من القرارات من أجل “إعادة إعمار نظام الأسد”، وليس بالأمر السهل حتى على من توقف عن التعامل مع النظام أن يعيد الكرّة مرة أخرى معه، إذ لا أحد يستطيع التنبؤ بما يخفيه مكتب مراقبة الأصول (أوفاك)، هذا في حال افترضنا أن الولايات المتحدة الأميركية ترغب يوماً ما في تخفيف العقوبات وإلغاء بعضها.
الاستمرار في فرض العقوبات على النظام السوري هو أمر سياسي بحت، وهو مرتبط بالضغط الإضافي على إيران وروسيا بصفتهما الحليف الأول للنظام، لكن من غير المتوقع أن تكون إعادة الإعمار فرصة للـ “بزنس” الأميركي، بخاصة بعد أن بدأ يتراجع عن الكثير من المناطق التي يسيطر عليها من يدعمه وآخرها في درعا، إضافة إلى الفشل الذريع السابق في ما يسمى إعادة إعمار العراق.
من جهة أخرى، تظهر إلى العلن مؤتمرات إعادة الإعمار في سوريا، سواء على الأراضي السورية أو اللبنانية، وهي لا تتعدى “التهريج” في قطاع الأعمال. حيث لا اعتبارات للمعايير الاقتصادية والدولية، ولا معلومات وافية عن الاقتصاد الكلي في سوريا، ولا إحصاءات ذات شفافية وصدقية يمكن لرجال الأعمال والدول الاعتماد عليها. إن هذه المؤتمرات أشبه بتسويق الوهم لا أكثر، وقد تتخطى ذلك كدعوة إلى غسل أموال الحرب من جديد في الداخل السوري.
نجح النظام السوري في إقناع بعض الشركات ورجال الاعمال في سوريا ولبنان، فتبنّوا الطرح بشكل كلّي؛ فالبنية التحتية السورية منهارة تماماً، وملايين المنازل تم هدمها بالقصف المستمر، وسيتم الإجهاز على المتبقي منها عبر القرارات الناظمة للأعمال العقارية (المرسوم 10 سيئ الصيت). أما المستشفيات فقد خرجت مئات منها عن الخدمة في معظم الأرياف السورية، والمدن التي شهدت احتجاجات، إذ تمت تسويتها بالأرض على الأصعدة كلها.
أما على صعيد قطاع النفط والغاز والثروات المعدنية، والصناعات الكيماوية فقد خرجت حقول كثيرة عن الخدمة، وهي في حاجة لقطع تبديل وصيانة وتحديث، الأمر الذي لا يمكن تأمينه بشكل كامل في ظل العقوبات على استيراد القطع المرتبطة بالأعمال الكيماوية والعسكرية التي تستخدم في هذه الحقول أيضاً.
يَذكرُ بشار الأسد مبلغ 400 مليار دولار أميركي لما يسمى تكلفة إعادة الإعمار، ولا شك في أن من أعطاه هذا الرقم ما زال يسجل أصفاراً جديدة، وكأنه يقول: “لو لم نبدأ اليوم فإن كلفة إعادة بناء ما هدمته وجيشي سوف ترتفع وقد تصل إلى تريليون دولار أميركي”… وكأنها دعوة إلى مزيد من الدمار لاستقطاب المزيد من الشركات.

إقرأ أيضاً