fbpx

هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

النازيّة الألمانية: قد تحدث هنا أيضاً

كاسّ ر. سنستين

عرفت الليبراليّة الديمقراطيّة أيّاماً أفضل كثيراً. فلاديمير بوتين بثّ ورسّخ الحكم السلطويّ، وهو اليوم يُمسك بقوّة بزمام روسيا صاعدة. في التأثير الكونيّ، ربّما تجاوزت الصينُ الولاياتِ المتّحدة الأميركيّة، أمّا الرئيس الصينيّ كشي جينبينغ فأصبح يحظى بالتمكين الذي يتيح له البقاء في الحكم أمداً غير محدّد. وفي ضوء الانعطافات الأخيرة نحو السلطويّة في تركيّا وبولندا وهنغاريا والفيليبين، هناك كلام شائع عن “ركود ديمقراطيّ”. والرئيس دونالد ترامب، في الولايات المتّحدة، قد لا يكون ملتزماً بما فيه الكفاية بالمبادىء الدستوريّة التي تتبعها الحكومة الديمقراطيّة.

في وقت كهذا، قد نجد ما يُغرينا في محاولة أن نتعلّم شيئاً من انعطافات أسبق عهداً باتّجاه السلطويّة، لا سيّما الصعود الظافر للنازيّين في ألمانيا الثلاثينات. والمشكلة أنّ النازيّة كانت من الإرعاب والبربريّة بحيث يبدو من الصعب لكثيرين، من أبناء الأمم التي يتسنّى للسلطويّة أن تمسك بها، أن يروا أيّ توازٍ بين نظام هتلر وحكوماتهم. أمّا الموادّ الكثيرة المتوفّرة عن الحقبة النازيّة فتقتطف مسلسلات من أحداث يكاد يستحيل تخيّلها عن أمّة أصابها الجنون. هكذا تنشأ الفكرة التي نطمئنّ إليها من أنّ النازيّة لا يمكن أن تحدث ثانية.

لكنّ بعض الصور المقتطفة عن صعود هتلر أكثر حميميّة وشخصيّة من هذا. فهي أقلّ تركيزاً على القادة المعروفين، والأحداث البارزة، والدعاية الحكوميّة، والاغتيالات والحرب، وأكثر تركيزاً على تفاصيل الحيوات الفرديّة. وهذا ما يفسّر كيف أن البعض يمكن ألاّ يساهموا فحسب في أعمال مروّعة، بل أيضاً ألاّ يتدخّلوا ويعيشوا بهدوء أيّاماً عاديّة وسط تلك الأعمال. وهو كذلك يوفّر دروساً للذين يعيشون اليوم في ذعر حقيقيّ، كما للذين قد لا يتعرّضون بتاتاً للذعر فيما هم يعيشون في أمم تتعرّض فيها الممارسات والمعايير الديمقراطيّة لضغط حادّ.

لقد أعيد مؤخّراً طبع عمل ميلتون ماير الكلاسيكيّ الذي صدر في 1955 “ظنّوا أنّهم كانوا أحراراً”، مصحوباً بخاتمة وضعها مؤرّخ كامبريدج ريتشارد جاي إيفانز. والكتاب هذا إحدى الموادّ الأولى عن الحياة العاديّة في ظلّ النازيّة. وهو، وقد تخلّله حسّ الدعابة وتميّزت كتابته بلمسة من الخفّة غير المحتملة، يزوّدنا بنقيض يجافي مذكّرات سيباستيان هافنر المدمِّرة وغير المكتملة التي صدرت في 1939 بعنوان “تحدّي هتلر”، حيث يوصل إلينا شعوراً بأنّنا كنّا هناك، نعيش لحظةً بلحظة صعود هتلر (نجل هافنر اكتشف المخطوطة بعد وفاة المؤلّف، ثمّ نُشرت عام 2000 في ألمانيا لتغدو للتوّ الكتاب المثير). أمّا الإطار الأعرض فهو ما نجده في كتاب كونراد جاراوش “حيوات مكسورة”، والذي يجهد لإعادة بناء تجربة الألمان عبر القرن العشرين بأكمله.

ما يميّز هذه الكتب الثلاثة هو حسّ الحميميّة فيها. فهي لا تركّز على الوجوه التاريخيّة التي تصنع القرارات المسبّبة للتحوّلات، بل تستكشف كيف حاول الناس العاديّون أن يديروا دفّة حيواتهم في ظلّ شروط رهيبة.

الاسم الحقيقيّ لهافنر هو رايموند بريتزِل (كان يستخدم اسماً مستعاراً كي لا يعرّض عائلته للخطر فيما هو في المنفى في إنكلترا). لقد كان صحافيّاً، لا مؤرّخاً ولا منظّراً سياسيّاً، لكنّه كان يعترض قصّته المثبّتة لكي يعالج سؤالاً أعرض: “ما هو التاريخ، وأين يحدث؟”. وهو يعترض على أنّ كتب التاريخ في معظمها تعطي “الانطباع بأنّ لا أكثر من عشرات قليلة من الناس كانوا المعنيّين [بالحدث]، هم الذين كانوا في قيادة سفينة الدولة” ممّن شكّلت أعمالهم وقراراتهم ما يُسمّى التاريخ”. وهذا خطأ في رأيه. فما يهمّ هو “نحن، الآخرون الذين بلا أسماء” ممّن لا نشكّل مجرّد بيادق في لعبة شطرنج”، لأنّ الأقوى من الديكتاتوريّين والوزراء والجنرالات هم بلا قوّة في مواجهة القرارات المتزامنة والجمعيّة التي يتّخذها الناس فرداً فرداً وعلى نحو يكاد يكون غير واعِ”. ويصرّ هافنر على ضرورة مساءلة “بعض العمليّات والتجارب الذهنيّة الخاصّة جدّاً والكاشفة جدّاً” التي تتّصل “بالحيوات والعواطف والأفكار الخاصّة لألمان أفراد”.

ماير لديه هدف مشابه. فكصحافيّ أميركيّ من أصل ألمانيّ، حاول أن يلتقي هتلر في 1935 وفشل، لكنّه سافر مراراً إلى ألمانيا النازيّة. لقد راعه اكتشافه وجودَ حركة جماهيريّة وليس طغياناً تمارسه قلّة شيطانيّة، واستنتج أنّ اهتمامه الحقيقيّ ليس بهتلر، بل بالناس الذين هم مثله، والذين “حصل لهم شيء ما لم يحصل لي ولأبناء بلدي (أو على الأقلّ، لم يحصل حتّى الآن)”. في 1951 عاد إلى ألمانيا ليكتشف ما الذي جعل النازيّة ممكنة.

في كتابه “ظنّوا أنّهم كانوا أحراراً”، قرّر ماير أن يركّز على عشرة أشخاص مختلفين في أمور كثيرة، إلاّ أنّهم يشتركون في سمة واحدة: كلّهم كانوا أعضاء في الحزب النازيّ. في النهاية، وافقوا على أن يتكلّموا، وقبلوا تفسيره بأنّ ما يأمله هو تمكين أبناء أمّته من إحراز فهم أفضل لألمانيا. وفي هذا، كما في كلّ شيء آخر تقريباً، كان ماير صادقاً. مع هذا، هو لم يخبرهم أنّه يهوديّ.

في أواخر الثلاثينات، وهي الفترة الأشدّ إثارة لاهتمام ماير، كان الذين تحدّث إليهم يعملون بوّاباً وجنديّاً وصانع خزائن ومدير مكتب وخبّازاً وجابي فواتير مصرفيّة ومفتّشاً وأستاذ مدرسة ثانويّة وضابط شرطة، وواحد منهم كان لا يزال تلميذاً في الثانويّة. كلّهم كانوا ذكوراً، وليس بينهم من احتلّ موقعاً في قيادة أو نفوذ ما، وكلّهم كانوا يصفون أنفسهم بـ “نحن المساكين”. لقد عاشوا في ماربورغ، وهي مدينة جامعيّة على نهر لاهن، غير بعيدة عن فرانكفورت.

ماير تحدّث إليهم على مدى عام، في أوضاع غير رسميّة: قهوة، وجبات طعام، سهرات طويلة مسترخية. أصبح صديقاً لكلّ واحد منهم (وباستمرار يشير إليهم بهذا المعنى). وهو يقول متفاجئاً بما لا يخفى: “لقد أحببتهم، لم أستطع أن أمنع نفسي عن ذلك”. هم يمكن أن يكونوا ساخرين ومرِحين وهازئين بأنفسهم. معظمهم كانت تُضحكهم نكتة وُلدت في ألمانيا النازيّة: “ما هو الآري؟ الآريّ رجل طويل كهتلر، أشقر كغوبلز، ورشيق الحركة كغورنغ”. وهم، أيضاً، كان في وسعهم أن يبدوا حكماء. أحدهم سأل، فيما كان يتحدّث عن آراء الناس العاديّين في ظلّ هتلر: “معارضة؟ كيف لأيّ كان أن يعرف؟ كيف يستطيع أيّ كان أن يعرف ما الذي يعارضه أو لا يعارضه شخص آخر؟ أن “يقول” شخص إنّه يعارض أو لا يعارض، فهذا يعتمد على الظروف: أين ومتى ولمن، ثمّ هناك كيفيّة القول. وبعد ذاك عليك أن تحزر “لماذا” يقول ما يقوله”.

حين عاد ماير إلى الولايات المتّحدة، بدا خائفاً على بلده. فقد أحسّ أنّ الذي التقاه “ليس الإنسان الألمانيّ، بل الإنسان”، وأنّه هو نفسه كان يمكن، في ظلّ شروط معيّنة، أن يفعل ما فعله أصدقاؤه الألمان. لقد تعلّم أنّ النازيّة استولت على ألمانيا “ليس بقوّة التخريب من الداخل، بل بالنعيق والصراخ”. فكثيرون من الألمان “أرادوا ذلك فحصلوا عليه وأحبّوه”.

على أنّ استنتاج ماير الأكثر إدهاشاً هو أنّ جميع الذين تحدّث إليهم (باستثناء واحد هو المدرّس) “لم يروا النازيّة كما نراها نحن – أنت وأنا – بأيّ معنى من المعاني”. فإذا كان أغلبنا يفهم النازيّة كشكل من أشكال الطغيان، فهم “لم يعرفوا قبل 1933 أنّ النازيّة كانت شرّاً، ولم يعرفوا بين 1933 و1945 أنّها كانت شرّاً، ولا يعرفون ذلك الآن”. ولئن انقضت سبع سنوات على الحرب، فهم لا زالوا ينظرون إلى الوراء، إلى 1933-39، بوصفها الزمن الأفضل في حيواتهم.

ويقترح ماير أنّه حتّى حين تقدم الحكومات الطغيانيّة على أفعال مُرعبة، فإنّ من ينظرون من الخارج يميلون إلى المبالغة في تأثير هذه الممارسات الفعليّة على معظم المواطنين. فالأخيرون ينصبّ اهتمامهم على حيواتهم وعلى “المشاهد التي يلقونها في دورتهم اليوميّة”. وبدورها فالنازيّة جعلت الحياة أفضل للناس الذين التقاهم ماير، وهذا ليس عائداً (كما يظنّ كثيرون) إلى أنّها أرجعت لهم بعض فخرهم القوميّ المفقود، بل لأنّها حسّنت حياتهم اليوميّة. فالألمان تمتّعوا بفرص عمل وبسكن أفضل، وصاروا قادرين على قضاء العُطل في النروج أو إسبانيا من خلال برنامج “القوّة عبر البهجة”. أمّا الذين يعانون الجوع أو البرد فباتوا أقلّ عدداً، وبات احتمال حصول المرضى على العلاج أعلى. لقد بدا أنّ “كلّ واحد” يحظى ببركات “النظام الجديد”، كما كان يُسمّى. وحتّى بالعودة إلى الوراء، فإنّ الذين التقاهم ماير أحبّوا هتلر وأُعجبوا به. لقد رأوه شخصاً لديه “مشاعر حيال جماهير الشعب”، شخصاً اعترض اعتراضاً مباشراً على معاهدة فرساي، وعلى البطالة، وعلى كلّ مظاهر النظام الذي كان قائماً. لقد ثمّنوا هتلر بسبب رفضه “الصفقة كلّها” – “كلّ السياسيّين البرلمانيّين وكلّ الأحزاب البرلمانيّة” – وبسبب “تطهيره التفسّخ الأخلاقيّ”. أحدهم، الموظّف في المصرف، وصف هتلر بأنّه “متكلّم مؤثّر، خطيب طبيعيّ، أعتقد أنّ حماسته العاطفيّة أبعدته عن الحقيقة، حتّى الحقيقة. مع هذا فهو آمن دائماً بما قاله”.

ماير لم يأت على ذكر موضوع اللاساميّة مع أيّ ممّن تحدّث إليهم، لكنْ بعد لقاءات قليلة، تناول كلٌّ منهم الموضوع من تلقائه، كما كانوا يعودون إليه باستمرار.

فحين أُحرق الكنيس اليهوديّ المحلّيّ في 1938، أحسّ سكّان المنطقة بأنّهم ملزَمون بأمر واحد: “لا تتدخّلوا”، وقد تولّى ماير إطلاع محدّثيه على عدد من جريدة محلّيّة يعود إلى 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 1938، وقد احتوى على تقرير يقول: “لمصلحة أمنهم، اقتيد عدد من الذكور اليهود إلى المعتقل يوم أمس، وفي صباح هذا اليوم أُبعدوا من المدينة”. لكنّ أيّاً منهم لم يتذكّر أنّه رآه أو رأى شيئاً يشبهه.

قتل ستّة ملايين يهوديّ؟ أخبار كاذبة. أربعة ممّن تحدّث إليهم ماير أصرّوا على أنّ اليهود الوحيدين الذين نُقلوا إلى معسكرات التجميع كانوا خونة لألمانيا، وأنّ الباقين سُمح لهم بالمغادرة مع ملكيّاتهم أو مع قيمتها تبعاً لسعر السوق. الموظّف الصغير أقرّ بأنّ قتل اليهود “كان خطأً، إلاّ في حال ارتكاب الخيانة إبّان الحرب، وهم بالطبع ارتكبوها”، وأضاف: “البعض يقولون إنّها [المحرقة] حصلت والبعض يقولون إنّها لم تحصل”، وأنّ في وسعي “أن أُظهر لهم صور جماجم… لكنّ هذا ليس برهاناً على حصولها”. في أيّة حال، “فهتلر لم تكن له علاقة بها”. أحدهم قال كلاماً مشابهاً: “إذا صحّ أنّها حصلت فهي خطأ، لكنّني لا أصدّق أنّها حصلت”.

الخبّاز اعتبر أنّ التعب البادي يومذاك “لم يبق هناك وقت للتفكير. كانت هناك أمور كثيرة تحصل”. ما قاله جاء شبيهاً لما قاله أحد زملاء ماير، عالم اللغة الألمانيّ الذي كان يقيم هناك حينذاك، والذي أكّد على طبيعة الهلاك التدريجيّ الذي اتّسم به الهبوط نحو الطغيان، بحيث “لم يعد لدينا وقت كي نفكّر بهذه الأمور المرعبة التي كانت، شيئاً فشيئاً، تتزايد من حولنا”. وأشار عالم اللغة إلى نظام كان يأنس تحويل أنظار الشعب إلى مسرحيّات (غالباً ما تطال أعداء حقيقيّين أو متخيَّلين)، وإلى “تعويد الناس تدريجيّاً، وشيئاً فشيئاً، على أن يصبحوا محكومين بقوّة المفاجأة”. فوفقاً له، “كانت كلّ خطوة بالغة الصغر، وبالغة التهافت، وحسنة التأويل، أو، “مندوماً عليها” في بعض الأحيان”، بحيث لم يعد في وسع الناس أن “يروها وهي تتطوّر يوماً بيوم أكثر ممّا يستطيع المزارع في حقله أن يرى الذرة وهي تنمو. ثمّ يأتي يوم يجد فيه أنّ تلك النتيجة قد غمرته”.

أمّا هافنر، في “تحدّي هتلر”، فيركّز إلى حدّ بعيد على 1933، ليقدّم صورة تختلف جذريّاً بحيث يتبدّى أنّ الطبيعة الفعليّة للنازيّة كانت ظاهرة من البداية لألمان كثيرين. فهو يصف، وقد كان عامذاك في الخامسة والعشرين، يدرس القانون بهدف أن يصبح قاضياً أو مديراً، التأثيرات المتعاظمة للنازيّة على حيوات أصدقاء له بالغي الحيويّة وطلاّب زملاء مستغرقين في المِتَع وشؤون الحبّ واستكشاف فرص العمل. ويقول هافنر إنّ ما أنقذه، بمجرّد وصول النازيّين إلى الحكم، قدرته على شمّ رائحة العفن: “ففي ما خصّ النازيّين، تولّى أنفي تبديد شكوكي كلّها. كان من المتعب وغير المجدي ذاك الكلام عن أهدافهم ونواياهم المزعومة، وأيّ منها لا يزال مقبولاً أو حتّى “مبرّراً تاريخيّاً”، بينما الروائح الكريهة تنبعث منها كلّها. كيف تنبعث؟ من أنّ النازيّين كانوا أعداء، أعدائي وأعداء كلّ ما أعتبره عزيزاً. هذا كان بالغ الوضوح لي منذ البداية”. ووفقاً لوصف هافنر، سريعاً ما ظهر شكل من الإرهاب، إذ جعل أفراد وحدات الـ إس إس حضورهم ملحوظاً عبر تخويفهم الناس في الأمكنة العامّة. في الوقت نفسه، بدا الناس مشتّتي التركيز بسبب دفق لا حصر له في الأعياد والاحتفالات. وكان للتخويف المصحوب بالنشاط الحماسيّ الحسن التصميم الموالي للنازيّة أن ضاعف الذعر ودفع الكثيرين من المحيَّرين إلى أن يصبحوا نازيّين.

على أيّ حال، كان الناس يغازلون ويستمتعون بقصص الحبّ “ويرتادون السينما ويتناولون وجبة طعام في بارٍ صغير للنبيذ ويحتسون [النبيذ الإيطاليّ] الكيانتي ويذهبون معاً إلى الرقص”. لكنّ هافنر، الذي يبدو كلامه هنا شبيهاً بكلام الذين تحدّث إليهم ماير، يرى أنّ “الاستمرار الآليّ في الحياة العاديّة” هو “ما أعاق كلّ ردّة فعل قويّة وحيويّة ضدّ الإرهاب”.

بحسب رواية هافنر، حصل انهيار الحرّيّة وحكم القانون بالتصاعد، بحيث بدا بعضه صغيراً نسبيّاً وغير مهمّ. ففي 1933، حين وقف الضبّاط النازيّون وقفة تهديد أمام المخازن والدكاكين اليهوديّة، اكتفى اليود بأن شعروا “بالإساءة إليهم. لم يقلقوا ولم يضطربوا. فقط أحسّوا بالإساءة”. لكنّ هافنر يصرّ على أنّ وحشيّة هتلر ومضيّه في تسييس الحياة اليوميّة كلّها كانا واضحين منذ البداية. ففي الأيّام الأولى لنظامه، نصحه واحد ممّن يسمّون أنفسهم بالجمهوريّين بأن يتجنّب الملاحظات الشكّاكة وغير الحاسمة التي ستكون بلا فائدة: “فأنا أظنّ أنّني أعرف الفاشيّين أحسن منك. نحن الجمهوريّين ينبغي أن نعوي مع الذئاب”. وهافنر صنّف العواء: الكتب بدأت تختفي من المكتبات وقاعات المطالعة. المجلاّت والصحف اختفت أيضاً، وما بقي منها التزم بخطّ الحزب. حتّى في 1933، وجد الألمان الذين رفضوا أن يصبحوا نازيّين أنفسَهم “في وضع شيطانيّ: وضع من انعدام الأمل الكامل والذي يستعصي تحسينه. فأنت كانت تلاحقك يوميّاً الإهانات والإذلالات”.

لقد سعى هافنر إلى اللجوء إلى حيّزه الفرديّ، وهو ما شمل أيضاً مجموعة صغرى من شبّان يدرسون القانون، شكّلوا في ما بينهم نادياً ضيّقاً للنقاش. وهم كانوا أصدقاء وثيقين، أحدهم، المدعوّ هولز، كانت لديه آراء قوميّة لم يوافقه عليها الآخرون. بيد أنّ كلّ شيء كان متمدّناً والنقاش كان من النوع الحيويّ الذي غالباً ما يصدر عن الشبّان حين يتناقشون في السياسة. لكنّ المجموعة تصدّعت حين وجّه هولز اتّهاماً لهافنر بأنّه “يتجاهل التطوّرات الهائلة الضخامة لانبعاث الشعب الألمانيّ”، وبكونه “خطراً كامناً على الدولة” – مع إنذار تهديديّ بأنّه سيبلّغ عنه الغستابو. وقريباً من نهايتها، تزوّدنا السرديّة التي يقدّمها هافنر بمادّة دقيقة وتكاد تكون مؤثّرة على نحو لا يُحتمل عن أسابيع رائعة من حبّ حياته التي كانت مخطوبة لإنكليزيّ، وعلى وشك أن تغادر ألمانيا نهائيّاً (وبعد أن رأت تعاسته إثر إخباره عن خطبتها، نراها تستجيب بلطف غير محدود: “حتّى الآن، أنا لا أزال هنا”). وفي تلخيصه تلك الأسابيع ومعها شيء عن الإصرار الإنسانيّ، تزوّدنا مخطوطة هافنر غير المكتملة ببعض كلمات الشاعر فريدريش هولدرلين: “دعنا نتوقّف عن النظر إلى أمام، وإلى وراء. فلنلتفّ على مهدنا كما في قارب يتأرجح في البحر”.

وإذ يركّز هافنر إلى حدّ بعيد على سنة بعينها، فإنّ موضوع جاراوش هو قرن. ففي “حيوات مكسورة”، يرسم أكثر من سبعين تذكاراً شخصيّاً أنتجه ألمان ولد معظمهم في العشرينات. أمّا هدفه فإنتاج “صورة دقيقة وشخصيّة عمّا كان يعنيه العيش في القرن العشرين”. وهي صورة متجذّرة في منظورات الناس الذين ولدوا بعد مذبحة الحرب العالميّة الأولى، والذين، على العموم، عاشوا طفولة سعيدة، بل عديمة الهموم، في جمهوريّة فايمار. إنّها لوحة عريضة في مساحتها، بانوراميّة وكاشفة، وهي في قسمها الأكبر معتمة جدّاً.

ويزوّدنا جاراوش بمادّة مشبعة بالمعلومات عن حيوات “مراهقين نازيّين” أصغر من هافنر بسنوات قليلة، وعن الضغوط الاجتماعيّة الضخمة التي قادت إلى النموّ السريع للحركة النازيّة بين الشبيبة. فقد كانت إحدى الاستراتيجيّات البارعة للنازيّين، والتي اعتمدوها مباشرة بعد بلوغهم السلطة، زيادة تلك الضغوط عبر فرض “مظهر التأييد الإجماعيّ للرايخ الثالث”. ذاك أنّ الكثيرين من الألمان لم يكونوا إلى هذا الحدّ مع هتلر، بل كانوا ضدّ من هم ضدّ هتلر. وهكذا كان لخصومه أن ساعدوه في صعوده. وبعد عقود، كتب مدوّنو اليوميّات عن “أزمنتهم السعيدة” في [تنظيمات] شبيبة هتلر مركّزين، لا على الإيديولوجيا، بل على رحلات التنزّه وعلاقات الرفقة والمخيّمات الصيفيّة. ووفقاً لجاراوش، بدأت الأمور تزداد سوءاً إلى حدّ بعيد في ما خصّ الألمان بدءاً بـ 1 أيلول (سبتمبر) 1939، حين غزت ألمانيا بولندا، إذ بعد أيّام قليلة أعلنت إنكلترا وفرنسا الحرب على ألمانيا. وقد لاحظ أحد مدوّني اليوميّات أنّه فيما كانت الحرب الكبرى تتجمّع في الخلفيّة، “لم تكن هناك أعلام تحلّق، ولا مباركة، ولا حماسة”. وبمواكبة دقيقة، يصف جاراوش التطوّرات اللاحقة، ابتداءً بالانتصارات الأوّليّة للفيهرماخت والغزو السريع لبولندا وانتهاء بغزو النورماندي والتقدّم المواظب للجيش الأحمر فانتحار هتلر.

بعد الحرب، عنت الهزيمة بداية جديدة لكثيرين، ونوعاً من فرصة. ويُظهر جاراوش كيف أنّ الألمان، المتجهّمين والمصدومين بالقصف والمصمّمين، عادوا إلى الحياة العاديّة مراهنين على مستقبل أفضل. وبتجنّبهم القوميّة، بل حتّى التفاخُر القوميّ، نجحوا في إعادة بناء اقتصادهم ومعنويّاتهم. ولئن كان تركيز جاراوش الأساسيّ على ألمانيا الغربيّة، إلاّ أنّه كرّس اهتماماً معتبراً لانهيار الشيوعيّة في جمهوريّة ألمانيا الديمقراطيّة، معتبراً أنّها تعثّرت لأنّها خيّبت آمال مواطنيها وضلّلتهم. ومع أنّ ما يوحّد موضوعه هو أنّ حيوات أعداد لا تُحصى من الألمان قد تصدّعت بأشكال عدّة، فإنّ استنتاجه جاء متفائلاً: لقد تحوّل كثيرون من الألمان “إلى ديمقراطيّين وسلميّين مخلصين يريدون أن يمنعوا عودة الرعب السابق”.

فلأولئك الذين يريدون أن يفهموا التجربة الألمانيّة في القرن العشرين، قدّم جاراوش خدمة جلّى. فما رسمه لوحةٌ أعرض كثيراً من لوحتي ماير وهافنر، وهو ما يصحّ حتّى على استكشافه صعود هتلر. لكنْ بالضبط بسبب الطبيعة الحميمة وذات الجودة لموادّهم، فإنّ ماير وهافنر يخاطبان، بمباشرة أكبر، أولئك المهمومين بالأسباب التي تجعل السلطويّة ممكنة. وبالطبع لا نستطيع أن نتأكّد تماماً من أنّنا نصدّق من تحدّث إليهم ماير ممّن ادّعوا الجهل بما فعله هتلر (وماير بدوره غير متأكّد). لكنّهم يبدون مقنعين حين يقولون إنّهم كانوا حينذاك منشغلين أساساً بعائلاتهم وأصدقائهم وحيواتهم اليوميّة. وفي الإطار نفسه يندرج تصوير هافنر لإمكان “الاستمراريّة الآليّة للحياة العاديّة” بالنسبة إلى كثيرين وسط الهجمة التي كانت تنفّذها حكومتهم، خطوةً خطوةً، على الحرّيّة والكرامة.

والكتّاب الثلاثة كلّهم على بيّنة تامّة من أنّ سرديّاتهم تقدّم دروساً مهمّة، وهذا ما لا ينبغي أن يفوت القرّاء المعاصرين. فتركيّا، مثلاً، تمضي في التزحلق نحو الاستبداديّة عبر تكتيكات ليست عديمة الشبه بالتي اتّبعها النازيّون: سجن المنشقّين السياسيّين ومهاجمة حرّيّة الكلام ومعاملة النقّاد كأعداء للدولة وطمس الضوابط والتوازنات الدستوريّة. وحتّى اليوم، لا يزال الرئيس ترامب أكثر عواءً منه عضّاً، لكنّ بعض العواء يملك تاريخاً بشعاً وكاشفاً في وقت واحد. فالنازيّون استخدموا مصطلح  

Lügenpresse 

(الصحافة الكاذبة) على صحافة التيّار العريض. والرئيس ترامب يشير إلى “إعلام الأخبار الكاذبة” الذي هو “ليس عدوّي، بل عدوّ الشعب الأميركيّ”. وفي مجالات مهمّة (بما فيها التغيّر المناخيّ) يصار إلى تشويه سمعة العلم، بل وصل الأمر به إلى عدم تعيين أيّ شخص في منصب المستشار العلميّ للبيت الأبيض. والنازيّون أيضاً نبذوا العلوم أو سيّسوها (لا سيّما “العلم اليهوديّ” لإينشتين) لمصلحة ما زعموا أنّه روح “الشعب”.

فإذا كان رئيس الولايات المتّحدة يكذب على نحو متواصل، ويتذمّر من أنّ الإعلام المستقلّ وراء الأخبار الكاذبة، ويدعو إلى سحب التراخيص من شبكات تلفزيونية، ويطالب علناً بسجن معارضين سياسيّين، ويصدّع سلطة وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدراليّ، ويضخّم الانقسامات الاجتماعيّة، وينزع الشرعيّة عن النقّاد بوصفهم “معوجّين” أو “فاشلين”، بل يرفض، مخالفاً القانون، أن يحمي الأطفال من التسمّم بطلاء الرصاص – حسناً، هذا ليس فاشيّة، لكنّ الولايات المتّحدة لم تعرف شيئاً كهذا من قبل.

ومع نظامنا للضوابط والتوازنات، يُرجّح ألاّ تقوم الاستبداديّة المطلقة هنا [في الولايات المتّحدة]، لكنْ سيكون من البلاهة أن نتجاهل المخاطر التي يطرحها ترامب وإدارته على المعايير والمؤسّسات القائمة التي تساعد في الحفاظ على الأمن والحرّيّة معاً. وهذه المخاطر ستنمو إذا اقتصرت معارضة الإخلال بالمعايير المديدة على الديمقراطيّين، فيما الجمهوريّون يضحكون ويصفّقون ويوافقون ترامب أو يجدون الأعذار له، أي إذا راحوا يعوون مع الذئب.

لقد بيّن، بطرقهم المختلفة، كلّ من ماير وهافنر وجاراوش كيف أنّ التعوّد والارتباك وتحويل الأنظار إلى أمور أخرى والمصلحة الذاتيّة والخوف والعقلنة المبالغة والشعور الشخصيّ بالعجز تجعل حدوث الأشياء الرهيبة أمراً ممكناً. وهي تستحضر الوعي بأهميّة الأفعال الفرديّة للضمير، على النطاقين الصغير والكبير، من قبل أشخاص لن يدخلوا أبداً كتب التاريخ. وقبل قرابة قرنين، كان جيمس ماديسون قد حذّر: “أليس هناك من فضيلة لدينا؟ إذا كان الأمر هكذا فنحن في وضع بائس، ولن يكون في وسع أيّ تدقيق نظريّ وأيّ شكل من أشكال الحكم جعلنا آمنين”. وبدوره استنتج هافنر ما يشبه اللازمة، ومفادها أنّ صمّام الأمان النهائيّ ضدّ السلطويّين الجامحين والذئاب من كلّ نوع إنّما يكمن في الضمير الفرديّ: في “قرارات تُتّخذ فرديّاً، لكنّها، وعلى نحو يكاد يكون غير واعٍ، تكون قرارات السكّان في عمومهم”.

 

تُرجم هذا النصّ عن “نيويورك ريفيو أوف بوكس” في عددها الصادر في 28 حزيران (يونيو) 2018. ترجمته ياسمين ابراهيم.

 

 

 

إقرأ أيضاً