fbpx

هنا القصة الثالثة

وحيد عبد المجيد - كاتب مصري

وحيد عبد المجيد - كاتب مصري

مقالات الكاتب

المونديال والهوية الوطنية: لماذا تخاف الأنظمة من الشغف بالكرة؟

تثير ظاهرة تشجيع بعض مواطني بلدان غير مشاركة في مونديال روسيا منتخبات دول أخرى، قلقاً لدى من لم يعرفوا بعد أن كرة القدم كانت أول نشاط إنساني أخذ طابعاً عالمياً بإرادة حرة منذ نحو قرن من الزمن، في مرحلة ارتبطت “عولمة” بعض مجالات الحياة فيها بالظاهرة الاستعمارية.

أصدرت سلطات محلية في مدن بعض الدول التي لا تشارك منتخباتها الوطنية في المونديال، أو خرجت مبكراً ولم تعبر الدور الأول، ومن بينها بلدان عربية، قرارات ومراسيم تحظر على مواطنيها رفع أعلام دول أخرى بأي صورة، ومنع إظهارها، خلال مباريات المونديال.

يدل هذا القلق على حال توجس من الأجنبي. وربما يعبر أيضاً عن شعور بالدونية تجاه الآخر، واختزال الوطن في قطعة قماش. إنه قلق من لا يعرفون أن علاقة المواطن بالوطن تمر عبر مشاركته في إدارة شؤون هذا الوطن، وشعوره بأنه إنسان تُحترم حقوقه وحرياته، مثلما يُطلب منه الوفاء بواجباته، وليس من طريق علم يرفعه إذا لم يعرف له معنى، أو نشيد يُردَّده بغير أن يدرك له مغزى. كما يعطي القلق من تشجيع منتخبات دول أخرى في مناسبة رياضية عالمية بامتياز انطباعاً بأن الهوية الوطنية المراد حمايتها شديدة الهشاشة إلى حد أن سلوك بعض المواطنين في مثل هذه المناسبة، يمكن أن يهددها.

اقرأ أيضاً: كم يُساوي محمد صلاح في المنتخب المصري؟

وما هذا السلوك إلا أحد تجليات التحول الكبير الذي حدث في رياضة كرة القدم، وجعلها صناعة كبيرة وتجارة رائجة، في الوقت الذي بلغت عولمتها مستوى لا مثيل له في أي نشاط إنساني آخر. ومن آيات هذا التحول ازدياد أعداد اللاعبين الذين يلعبون في أندية توجد في بلدان أخرى، وفي منتخاباتها الوطنية أيضاً، إما لحصولهم على نسبيتها، أو لأنهم ينحدرون من آباء نالوا هذه الجنسية. ولذا تضم معظم المنتخبات المشاركة في المونديال لاعبين منحدرين من أصول أجنبية، أو يلعبون في أندية دول أخرى، بل يمثل اللاعبون من أصول أجنبية، وأفريقية تحديداً، نحو نصف المقيدين في المنتخب الفرنسي المشارك في مونديال روسيا.

فقد صار بعض اللاعبين المنحدرين من أصول أجنبية أعمدة أساسية في منتخبات دول أوروبية ما كان ممكناً أن يصل أداؤها إلى المستوى الذي بلغه من دون وجودهم في صفوفها. ومن بينها منتخبات دول لا يوجد فيها عدد كبير من المهاجرين، مثل منتخب الدنمارك، الذي لفت لاعبه ذو الأصل التنزاني يوسف بولسن الأنظار منذ المباراة الأولى عندما أحرز هدف الفوز على منتخب بيرو.

وحوالى 65 في المئة من اللاعبين المقيدين في قائمة المنتخب المصري، الذي غادر المونديال، يلعبون في أندية دول أجنبية (15 من بين 23). ونسبة مماثلة تقريباً من هؤلاء اللاعبين هم أساسيون في الفريق الذي لعب المباريات الثلاث في الدور الأول، قبل أن يعود إلى بلده.

وقد لقي هذا المنتخب تشجيعاً من بعض محبي الكرة في بلدان أخرى في المباريات الثلاث التي لعبها في المونديال، وبخاصة في الدول التي يلعب مصريون في أنديتها، وتشارك منتخباتها في هذا المونديال. لوحظ هذا في اليونان مثلاً، لأن لاعبه عمرو وردة الذي يلعب في فريق أوتروميتروس حصل على لقب أفضل لاعب في الدوري في الموسم الأخير.

نجد في مشاهد المشجعين في المونديال تجسيداً فريداً لمعنى عالم واحد.

 

والمفارقة، هنا، أن القلق من تشجيع مواطني دول منتخب أحد البلدان الأخرى لا يمنع الفخر بوجود أحد هؤلاء المواطنين، أو أكثر، في صفوف أندية كبيرة في العالم. ولا يختلف التناقض في هذه الحال عنه عندما تشجع سلطة بلد ما مواطنيها للعمل في دول غربية، وتستفيد من مدخراتهم بعملات أجنبية، في الوقت الذي تنظر إلى هذه الدول التي يذهبون للعمل فيها بوصفها مصدر خطر أو تهديد قد لا يُعرف سبب لهما.

ومما يدخل ضمن المفارقات، في هذا المجال أيضاً، أن سلطات البلدان التي يُقلقها تشجيع بعض مواطنيها منتخبات أجنبية لا يزعجها دور الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا” في التفرد – تقريباً – بتنظيم شؤون كرة القدم في هذه البلدان، وعدم استطاعتها الاعتراض على تدخله في كل التفاصيل المتعلقة بهذه اللعبة. ويحدث مثل ذلك في شأن دور اللجنة الأولمبية الدولية في تنظيم شؤون الألعاب الرياضية. كما تلجأ المؤسسات الرياضية في البلدان نفسها إلى حكام أجانب لإدارة المباريات المحلية الحساسة، وتُفضلهم على نظرائهم الوطنيين.

والحال أن عولمة كرة القدم، والألعاب الرياضية عموماً، بلغت مستوى يستحيل وقفه عند حد معين، لأنه يزداد بشكل مطرد، ناهيك بإعادته إلى الوراء. لم تعد هذه اللعبة الآثرة ذات الشعبية الطاغية تعترف بالحدود بين الدول، ويستطيع مصور بارع موجود الآن في موسكو، أو أي من المدن التي تُقام مباريات المونديال في ملاعبها، أن يلتقط صوراً أكثر دلالة على عولمة كرة القدم من أي كلام.

في شوارع هذه المدن، كما في مدرجات الملاعب، بشر من شتى أنحاء العالم، مختلفون في أصولهم وأعراقهم وألوانهم ولغاتهم وأديانهم وعقائدهم، كما في أغانيهم وموسيقاهم وطرقهم في التشجيع. ولكن كرة القدم تجمعهم على نحو لا مثيل له في أي نشاط إنساني آخر.

نجد في مشاهد المشجعين في المونديال تجسيداً فريداً لمعنى عالم واحد. ولذا بات طبيعياً أن يشجع مواطنون في أي بلد منتخبات دول أخرى، وأندية أيضاً في هذه الدول. فالتحول العولمي في ثقافة تشجيع كرة القدم أوسع من إقبال بعض محبيها على مناصرة منتخب دولة أخرى لأيام أو أسابيع في المونديال، أو كأس الاتحاد الأوروبي، أو دوري أبطال أوروبا مثلاً. مئات الملايين من محبي كرة القدم يشجعون فرق أندية أجنبية طول الوقت، بل يتعصب بعضهم لهذا الفريق أو ذاك أحياناً.

وفي مصر على سبيل المثال، ازداد مشجعو فريقي برشلونة وريال مدريد بشكل مطرد في السنوات الأخيرة، قبل أن يستحوذ فريق ليفربول على قلوب كثيرين نتيجة تألق محمد صلاح في صفوفه.

ويحدث مثل ذلك في عدد متزايد من بلدان العالم. كما يقل الاهتمام بالمسابقات المحلية ويزداد الاتجاه إلى مشاهدة نظيراتها في بلدان أخرى، لأن المباريات فيها أكثر جاذبية، والكرة أكثر جمالاً. وتحتل مسابقات الدوري في إسبانيا وإنجلترا موقع الصدارة لدى محبي كرة القدم في العالم.

وعلى رغم أن هذه ظاهرة جديدة، فهي تتطور بمعدلات سريعة، على نحو يفرض متابعة أثرها في العلاقة بين المحلي والعالمي ليس في مجال كرة القدم فقط، ولكن في مجالات عدة أخرى أيضاً.

 اقرأ أيضاً: هل يُبرّئ الانهيار العربي الراهن برنارد لويس؟

إقرأ أيضاً