fbpx

هنا القصة الثالثة

يوسف بزّي

مقالات الكاتب

المونديال والسياسة: فوتبول الديكتاتور وشغف أبناء صدام والقذافي

من غير المرجح أن تفوز روسيا بكأس العالم. هذا طموح يفوق قدرات فريقها الحالي. مع ذلك، كان سعيها لاستضافة البطولة محموماً.

في العام 2009، اجتمعت الحكومة الروسية برئاسة فلاديمير بوتين مع رئيس الفيفا جوزيب بلاتر، من أجل عرض كل إمكانيات روسيا ومؤهلاتها للاستضافة. وحينها، لم يكن لديها سوى ملعب واحد فقط يستوفي شروط مباريات كأس العالم. وفي السنوات القليلة الماضية بنت روسيا 12 استاداً وباتت ورشة البنية التحتية، شبه جاهزة لاستقبال الحدث العالمي.

أولمبياد هتلر والهوس الشيوعي  

حماسة بوتين، وعلى الرغم من شغفه بالرياضة عموماً، والجودو خصوصاً، ليست حباً حصرياً بكرة القدم ولا تطلعاً لنيل روسيا اللقب. ما يتوق إليه عبر المونديال هو ترتيب استعراض كبير لمكانة روسيا اليوم في العالم. هذه المناسبة ستشكّلُ حدثاً بالغ الأهمية في حياته السياسية. إنها اللحظة التي سيكون فيها ما يقارب نصف سكان الكرة الأرضية يتابعون عبر الشاشات الصور الآتية من موسكو وسان بطرسبرغ وكالينغراد وكازان وفولغوغراد وغيرها من المدن. وقبل ذلك، ستكون استضافة المونديال بأعين المواطنين الروس أنفسهم إنجازاً لحكومتهم ورئيسهم. هذا وحده رصيد سياسي هائل للسلطة الروسية ولبوتين شخصياً.

يقال أن أول من استخدم كرة القدم لأهداف سياسية، كان الملك الانكليزي جيمس الأول (1603- 1625)، الذي أصدر أمراً ملكياً بالسماح بمزاولة اللعبة، بعدما كانت محظورة لعهود مديدة، سعيا لاستمالة الشباب البريطاني إليه.

وبغض النظر عن أمزجة الملوك، يمكن القول أن أفضل تجسيد حديث للاستثمار الممنهج في الرياضة لأهداف سياسية وأيديولوجية، وعلى نحو دعائي واسع النطاق، كان في دورة الألعاب الأولمبية عام 1936 في ألمانيا، التي أرادها هتلر مناسبة يبهر فيها العالم، ويمنح الألمان شعوراً بالفخر القومي، بعد عقدين على مذلة الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، عدا عن كونها مناسبة بالغة الأهمية لنظرية التفوق العرقي، تفوق الجسد الآري.

الهوس بالمناسبات الرياضية، خصوصاً الأولمبية منها، سمة بارزة بالأنظمة الشيوعية. هي مناسبة للـ”برستيج”، لترتيب صورة الأجسام السعيدة ووافرة الصحة، هي دعاية لنجاح الاشتراكية في بناء مجتمع متفوق. الرياضة في تلك البلدان كانت من أولويات الدولة وخططها السياسية. والألعاب الأولمبية بالنسبة لها كما بالنسبة لدول الغرب، هي امتداد للحرب الباردة. التنافس على الميداليات الذهبية كان يشبه سباق التسلح. أشهر الأنشقاقات عن الأنظمة الشيوعية قام بها رياضيون في أثناء الأولمبياد. وصل هذا الهوس إلى حد أن كيم إيل سونغ الزعيم الشيوعي لكوريا الشمالية، اعتبر تنظيم كوريا الجنوبية للألعاب الأولمبية عام 1988 هي محاولة لإسقاط نظامه، ولم تتورع أجهزة مخابراته عن تدبير تفجير في مطار سيول ثم تفجير طائرة مدنية في الجو، لإفشال الحدث.

هناك نصب تذكاري في أوكرانيا للاعبي فريق دينامو كييف عام 1942، فتحت الاحتلال النازي، ارتكب هؤلاء اللاعبون حماقة إلحاق الهزيمة بمنتخب هتلر في الملعب المحلي، وكان الألمان قد حذروهم: إذا ربحتم ستموتون.

فوتبول الديكتاتوريين

تاريخ كرة القدم في السياسة أعرض وأوسع بكثير، وأكثر تورطاً. هناك علاقة حميمة بين الفوتبول ورجال السلطة. إن تجربة الملياردير ورئيس حكومة إيطاليا سيلفيو برلوسوكوني صاحب نادي ميلان تفيد أنه لولا كرة القدم وإنقاذه للنادي من الإفلاس، لما استطاع أن يرفع شعار “إنقاذ إيطاليا” ليحظى بالشعبية التي تخوله الحكم. إيطاليا موسوليني فازت بالمونديال مرتين متتاليتين: 1934، 1938. وكان اللاعبون يبدأون المباراة وينهونها بهتاف الفاشية وتحيتها. يروي إدواردو غاليانو في كتابه “كرة القدم بين الشمس والظل”: كانت كرة القدم بالنسبة للنازيين مسألة دولة. هناك نصب تذكاري في أوكرانيا للاعبي فريق دينامو كييف عام 1942، فتحت الاحتلال النازي، ارتكب هؤلاء اللاعبون حماقة إلحاق الهزيمة بمنتخب هتلر في الملعب المحلي، وكان الألمان قد حذروهم: إذا ربحتم ستموتون.

في الحرب الأهلية الإسبانية، كان فريقا الباسك وبرشلونة يلعبان في كل أنحاء أوروبا وأميركا من أجل جمع الأموال للدفاع عن الجمهورية. وعندما انتصر فرانكو، لم يعد من أولئك اللاعبين سوى أربعة برشلونيين وواحد باسكي وأعدم رئيس نادي برشلونة رمياً بالرصاص في الشارع. أما فريق ريال مدريد المفضل عند الجنرال فرانكو فقد سيطر على اللعبة وبطولاتها لسنوات مديدة. وبسبب تألقه كان بمثابة أهم دعاية للنظام الفاشي الإسباني.

الديكتاتوريات العسكرية في البرازيل والأرجنتين وتشيلي كانت تحرص على التواجد دوماً في الملاعب. الديكتاتور البرازيلي حمل كأس العالم بيديه عام 1970، ووهب الأموال للاعبين، أما أغنية “إلى الأمام أيتها البرازيل” التي وضعت خصيصاً للمنتخب، فتحولت إلى أغنية وطنية رسمية. الجنرال بينوشيه ديكتاتور تشيلي عين نفسه رئيساً لنادي كولو- كولو، وعلى منواله صار الجنرال غارسيا ميزا ديكتاتور بوليفيا رئيساً لنادي ويلستيرمان. جنرالات الأرجنتين المهزومين عام 1982 في حرب فوكلاند ضد بريطانيا، وجدوا التعويض في مونديال 1986، وكان حظهم خارقاً بوجود دييغو مارادونا الذي ظفر بكأس البطولة.

أبناء صدام والقذافي ومبارك

عدي صدام حسين كان يعتبر نفسه رئيساً لكل كرة القدم في العراق ويشرف على أمور المنتخب والتدريب، ويقال أنه كان يعاقب اللاعبين شخصياً بالفلقة والضرب في حال الهزيمة. الساعدي القذافي إبن ديكتاتور ليبيا احترف كرة القدم ولعب لنادي “أهلي طرابلس” ونادي “الإتحاد” في الدوري المحلي، كما حمل قميص المنتخب الوطني لفترة طويلة، وكان قائداً له. ثم ترأس الإتحاد الليبي لكرة القدم. بل أنه احترف لمدة موسم واحد مع نادي بيروجيا الإيطالي ولعب مباراة واحدة طيلة الموسم، ثم إنتقل إلى أودينيزي، ولعب مباراة وحيدة أيضاً. بعد هزيمة الساعدي وفريقه “الاتحاد” من غريمه التقليدي “أهلي طرابلس”، طلب من قواته الخاصة بإطلاق النار على المشجعين المنافسين، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص. ويُقال إن الساعدي هو المتسبب في قتل أحد نجوم الكرة الليبية، ويدعى بشير الرياني، بعد تعذيبه والتنكيل به.

عدي صدام حسين كان يعتبر نفسه رئيساً لكل كرة القدم في العراق ويشرف على أمور المنتخب والتدريب، ويقال أنه كان يعاقب اللاعبين شخصياً بالفلقة والضرب في حال الهزيمة.

أن سيرة مصر الحديثة في السياسة يمكن اختصارها في سيرة الناديين الأسطوريين والغريمين الأزليين: الأهلي والزمالك. الأصل هو في الانقسام بين الارستقراطية الملكية (الزمالك) والطبقة المتوسطة والضباط الأحرار (الأهلي) وعليه كان دوماً يتبين الولاء السياسي والكروي. بعد زوال الارستقراطية والملكية، كان الرؤساء محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات أهلاويين، أما الرئيس حسني مبارك وأبناءه فوالوا الزمالك.. الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي وبما يشبه معظم مواقفه، أعلن حرفياً: “أحب كل ما يحبه المصريون.. الرياضة وكرة القدم أمن قومي، وسأهتم بهما”.

قوة كرة القدم السياسية والدعائية تتبين مثلاً في تأثيرات إيجابية وفعالة أيضاً. استضافة جنوب أفريقيا عام 2010، كانت لحظة مؤثرة للاحتفاء العالمي ببلاد يقودها نيلسون مانديلا لتتصالح مع نفسها وتخرج من مرارة تاريخ التمييز العنصري. وكانت المرة الأولى التي تستضيف فيها القارة الأفريقية هذا الحدث.

فرحة شيراك وشغف ميركل

إقامة المونديال عام 1994 في أميركا، إضافة إلى هدف ترويج كرة القدم هناك، كانت تعبيراً كبيراً عن رغبة الرئيس بيل كلينتون (وهو من محبي اللعبة) في إظهار أميركا متناغمة مع العالم خصوصاً بعد حربي الكويت ويوغوسلافيا، وهي التي كانت حينها زعيمة النظام العالمي الجديد وقطبه الأوحد.

ما لا يُنسى في مونديال فرنسا حرص الرئيس جاك شيراك على حضور كل مباريات منتخبه الوطني، بل وخروجه عن كل تحفظ وهو يشترك مع اللاعبين في القفز وحمل الكأس الأولى التي تنالها فرنسا في كل تاريخها. كانت كأساً بطعم تجديد رئاسته لولاية جديدة. أما جارته الألمانية أنجيلا ميركل فهي قبل السياسة وأثناءها من المشجعين المخلصين للعبة، تختلس أي وقت متاح لها لمشاهدة المباريات. في مونديال 2006، كانت تدخل غرف تبديل الملابس للفريق، وتتناول معهم الغداء. تسافر مع المنتخب إلى البرازيل. تقاطع اجتماعات رسمية لمتابعة المباريات والاحتفاء بالفوز. قضت أحد لقاءاتها مع الرئيس الصيني في مشاهدة مباراة وهو يشاطرها الشغف نفسه. بل وأدلت مؤخراً بتصريح تنتقد فيه صرف الأموال الخيالية في شراء اللاعبين ودعت إلى التوازن والعقلانية للحفاظ على عدالة اللعب بين الأندية.

مونديال 2018، سيكون بلا شك مونديال فلاديمير بوتين، وبفعالية استعراضية توازي ما قاله عن برنامج أسلحته الجديدة المتفوقة: ها هي روسيا الناهضة والقوية والمزدهرة. هنا، وطالما كرة القدم أكثر شعبية بما لا يقاس من الألعاب الأولمبية، على ملاعبها الروسية ستتمظهر الحرب الباردة الجديدة وسباق تسلحها المستجد.

الخلاف السياسي بين قطر وجوارها الخليجي، يحمل أيضاً بنداً شديد الأهمية للسعودية والإمارات، بند مونديال 2022. ثمة امتعاض واعتراض قوي ضد استضافة قطر لهذا الحدث ويقال أن الإمارات سعت أخيراً بحركة يائسة لإقناع الفيفا بأن يكون تنظيم المونديال مشاركة بين البلدين.

الأزمة الخليجية كروية أيضاً

أخيراً، لا بد أن نذكر أن الخلاف السياسي بين قطر وجوارها الخليجي، يحمل أيضاً بنداً شديد الأهمية للسعودية والإمارات، بند مونديال 2022. ثمة امتعاض واعتراض قوي ضد استضافة قطر لهذا الحدث، وما يجلبه لها من منافع سياسية وسياحية ودعائية ورصيد في العلاقات العامة الدولية، ويقال أن الإمارات سعت أخيراً بحركة يائسة لإقناع الفيفا بأن يكون تنظيم المونديال مشاركة بين البلدين. وأبعد من ذلك، وما بين السياسة والمال، تخوض الإمارات والسعودية حملة واسعة منذ سنوات لتقويض احتكار قنوات “بي إين سبورت” القطرية لبث معظم المناسبات الكروية الأوروبية والعالمية.

المنافسة الخليجية – الخليجية تتعدى السياسة إلى الاستثمار المالي كما في حقل العلاقات العامة والدعاية. اليوم، نجد أن ملعب مانشستر سيتي اسمه “الاتحاد” (باللفظ العربي) اقتراناً بشركة الاتحاد بأبو ظبي، وملعب الأرسنال اسمه “الإمارات”. القطريون اشتروا نادي باري سان جرمان، ووضعوا شعار “قطر فاونديشن” على قمصان لاعبي برشلونة..

إنها الحرب بوسائل أخرى.

المونديال والسياسة في هذا الشريط المصور هنا:

 

إقرأ أيضاً