fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Telegraph

ترجمة - Telegraph

مقالات الكاتب

الملك: لماذا تعدُّ نهاية إلفيس المأسوية تحذيراً لأميركا الحديثة

نجم الروك الفيس بريسلي

أمضى يوجين هاريكي حياته المهنية يصارع الروح الأميركية. أخرج يوجين، وهو الفائز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي، أفلاماً عن رولاند ريغان وهنري كيسنجر وعن الدعاية للحرب العالمية الثانية، لكن فيلمه الوثائقي الأخير بدا في البداية، كما لو كان يتعامل مع موضوع أخف، ألا وهو إلفيس بريسلي.

لكن ما عليك إلا أن تتعمق قليلاً في الفيلم الوثائقي لتدرك أنه أكثر أفلامه تعلقاً بالسياسة على الإطلاق.

في فيلم الملك، يسافر المخرج حول أميركا في سيارة من نوع رولز رويس فانتوم، كان يملكها بريسلي، وهي واحدة من السيارات التي لا تحصى في مجموعة سيارات المغني، ويزور الأماكن التي أمضى بريسلي فيها حياته، من منزل طفولته في مدينة توبيلو إلى سحر لاس فيغاس الخانق.

إنه فيلم ملحمي عن وضع الدولة، حيث يستخدم صعود المغني وهبوطه، لفحص المشهد السياسي الحالي في البلاد. أصبحت سيارة فانتوم، وهي شبح الماضي المغرور المعبّر عن بذخ بريسلي في عصر فيغاس، أداة لاستعارة مجازية عن الحلم الأميركي، وكيف للمصالح التجارية الجشعة أن تشوهه.

تجري السينما في عروق هاريكي. فقد كانت أمه ناقدة سينمائية في مجلة تايم، وقام أخوه أندرو بإخراج فيلم الدراما المراجحة (2012) Arbitrage من بطولة ريتشارد غير، في حين ترشح أخوه غير الشقيق للأوسكار عن فيلمه الوثائقي “القبض على آل فريدمان” Capturing the Friedmans، المعروض عام 2003.

ومع هذا الإرث العائلي، ليس مفاجئاً إذاً أن نعلم بأن هاريكي قد أقحم الجيل التالي من الأسرة  بالفعل في عمله، فكما قال بحماسة في مكالمة هاتفية من أميركا، كان ابنه ذو التسعة أعوام بجانبه حين وضع قدمه للمرة الأولى في سيارة الملك (إلفيس).

الفيس بريسلي مع الرئيس ريتشارد نيكسون

مع كونك معجباً قديماً بإلفيس، كيف كان شعورك أثناء رؤيتك للسيارة للمرة الأولى؟

كنت وقتها مع ابني، وكانت لحظة شاعرية بحق بين أب وابنه… كنت أعلم أن إلفيس كان يرغب في عائلة مع نوع من الحياة الطبيعية، وكنتُ أملك أنا ذلك، بوجودي وابني معي هناك. كنتُ قد مررت لتوي بأزمة منتصف العمر الخاصة بي. وكنت وقتها في عمر إلفيس حين مات، وشعرتُ بأن علي أن أجد طريقة لأصبح بها شخصاً مفيداً للعالم. تبدو هذه طريقة غريبة لفعل ذلك، إلا أن الأمور الجيدة قد تأتي في أشكال غريبة.

متى قررتَ أن سيارة الرولز رويس كانت الطريقة المُثلى لربط أجزاء الفيلم معاً؟

لم يحوِ تصوري الأوّلي عن الفيلم السيارة. لقد كان بمثابة استكشاف شاعري لرمز يعبّر عن رجل وعن الدولة التي خلفها وراءه. أردتُ أن أرى أميركا من خلال عدسة قصة إلفيس، وكنت قد أدركتُ لتوي إمكان التأثير الهائل في النظر إلى أميركا كصورة في مرآة- وكأنها تَخاطُل (اختلاف المنظر باختلاف المكان) عن إيلفيس (أي أن تختلف رؤيتك لأميركا باختلاف رؤيتك لإلفيس، فهي انعكاس لإلفيس بهذا المعنى).

لكن بينما كنا نعمل على ذلك، أخبرني أحد أفراد الطاقم بأن سيارة إيلفيس من نوع رولز رويس فانتوم 5 كانت  على وشك أن تُطرح في مزاد في كاليفورنيا. لم يكن بحاجة لقول المزيد قبل أن يدرك جميع من في الغرفة الأمر، يمكننا صنع فيلم طريق أميركي عظيم من هذا (Road Movie، نوع من الأفلام يركز على رحلة يقوم بها البطل).

قال الناس “حسنٌ، إن كنتُ ستشتري سيارة، فلماذا لا تكون من طراز كلاسيكي مثل ثندربيرد أو كاديلاك وردية؟”، إلا أن هذه السيارات تناسب الحلم الأميركي على الحقيقة، هذه سيارات تُغذّي أوهامنا بأن الأمر كله كان وردياً وجميلاً، ثم وقع خطأ ما. لكن ماذا لو كان الأمر يحتوي على خلل صغير منذ البداية؟ حينها سنحتاج أن ننظر للأمر من نوافذ سيارة من نوع رولز رويس. ما هي الرولز رويس في الحقيقة؟ الرولز رويس هي تجسيد للالتباس حول المفارقة الأميركية.

لقد انفصل الأميركيون عن إنكلترا، مقسمين على ألّا ملوك وملكات بعد الآن. لكننا أصبحنا بلداً مهوساً كلياً بالمَلَكِية. أنظر إلى عدد الأميركيين الذين شاهدوا للتو حفل الزفاف المَلَكِي. أنظر إلى عدد الأميركيين الذين يلتصقون بالشاشة كل أسبوع لمشاهدة مسلسل (التاج – The Crown). لقد انفصلنا عن البريطانيين، لكننا لم ننفصل بحق عن شعورنا بالمَلَكِية.

لذا سترى أن لدينا برغر كينغ (ملك البرغر) ومافلر كينغ (ملك علب العوادم) وسريراً بالحجم المَلَكي. كل شيء عندنا ينتهي اسمه بالملك أو بالملكة.  فأريثا فرانكلين كانت “الملكة”. أما إلفيس، فتقول في نفسك، ربما لا يجدر بالفتية الريفيّين أن يكونوا ملوكاً. ربما كان في تلقّبه بذلك تخلٍ عن كل ما جعله جميلاً.

إن كان الأمر كذلك، فإن السيارة المناسبة هي الرولز رويس. لأنها سيارة يمتلكها المشاهير حين يزيحون حقاً عن الطريق. هذا محزن، لكن في تلك السيارة إلفيس ليس ملكاً، إنه مجرد فتى صغير من مدينة توبيلو، يغوص في المقعد الخلفي الكبير. بتخيلي له جالساً هناك، كان ينتابني شعور بأنه كان يريد فقط أن يعود إلى توبيلو، لكن السيارة تستمر في طريقها إلى كل تلك الأماكن الجذابة التي ستساهم في تدميره أكثر.

كيف حصلتَ على السيارة؟

اضطررنا إلى إقناع المنتجين بتوسيع الميزانية، لذا كانت عليّ المخاطرة بالمزيد من المال وأن أُقدم ما هو أقرب  للفيلم الطموح منه للمقال الشعري الذي كنت أخطط للقيام به. لكنهم أدركوا إمكانات نجاحه وكانوا على استعداد للقيام بذلك، شريطة أن نتمكن من بيع السيارة بعد الانتهاء من الفيلم- وأنني لن اصدم السيارة في شجرة أو أدخل بها في حديقة غراند كانيون أو أي شيء من هذا القبيل.

في الواقع، فقد رممنا السيارة وتمكنّا من بيعها منذ نحو شهرين بطريقة شاعرية للغاية أعتقد بأنها تُمثل فصلاً جديداً لهذه الملحمة الاستثنائية.

كانت قبيلة سيمينول الهندية (نسبة للهنود الحُمر) في فلوريدا قد اشترت مبنى “ترامب تاج محل” الذي عانى من الفشل في مدينة أتلانتك سيتي، وبَنَت مكانه فندق وملهى هارد روك (Hard Rock) الجديد؛ وأرادوا أن تكون سيارة الرولز رويس الخاصة بإلفيس قطعة العرض الرئيسية في منتصف الملهى، وهذا هو مكان السيارة الآن.

إذا فكّرتَ في ما يدور الفيلم حوله، وعن نظرته للمُقامَرة والملاهي الليلية وبقية مجتمعنا ذات الطابع التجاري المبالغ فيه، ففي كون هذا المكان المثوى الأخير للسيارة، تناقض مثير للاهتمام. ويمتد ذلك التناقض ليشمل كل جزء، مثل ارتباط قبيلة سيمينول الهندية بالأمر، وذلك لأن إلفيس ينتمي جزئياً إلى الأميركيين الأصليين. وللتفكير في أن المبنى قد بُني على أنقاض مشروع آخر من المشاريع العديدة الفاشلة للرئيس الأميركي الحالي؛ فالأمر حقاً أكثر شاعرية من أن يوصفَ بالكلمات.

لقد رأيتُ تعليقات على فيلم (الملك) تَعرِض أوجه الشبه بين إلفيس ودونالد ترامب، ما رأيك بتلك المقارنات؟

أنا أرفضها بشدة. قد يكون هناك ميل لمقارنة كليهما بشكل سطحي، وذلك لأن كليهما لديه تسريحة شعر تُخفي الصلع. لكن أن تضع اسم ترامب في أي مستوى قريب من اسم إلفيس بريسلي؟ بالنسبة إلي فهذا أمر لا يطاق؛ إنه تجسيد لكل ما قَتَل إلفيس بريسلي، الجشع الجامح والأولويات المُشوّهة للمجتمع وعقلية يستولي فيها الفائز على كل شيء في معاداة واضحة للديموقراطية والكرامة الإنسانية والصدقية. إنه يُجسد كل شيء دمّر إلفيس بريسلي، وكل ما يُهدد بالقضاء على كل ماهو جيد وعظيم في التجربة الأميركية.

عندما تزور مدينة توبيلو في الفيلم، يسألك أحد المحاورين عما يعنيه لك الحُلم الأميركي.. لكنك تجنّبتَ الإجابة. قل لي، ماذا يعني ذلك؟

أنا أنحدر من المهاجرين، أولئك الذين عنى الحلم الأميركي لهم كل شيء. كان نِبراساً استقطب العديد من الناس عبر هذا المُحيط. أنا أُمثل التجسيد الحي لما يُمكن أن يصل إليه هذا الحُلُم. (هرب والد هاريكي من ألمانيا النازية عندما كان طفلاً وأصبح رائد أعمال ثَري، وعام 1975 قام هو وغلوريا بشراء إحدى جُزُر العذراء البريطانية).

أنا أنحدر من أشخاص أتوا من لا شيء إلى أميركا، وقد نجحوا في تسيير أمورهم حتى يتمكنوا من تأمين لقمة عيشي. لكنني أيضاً أنحدر من أشخاص كانوا يُدركون منذ اليوم الأول أن الحلم الأميركي الذي جاؤوا من أجله لم يكن مشروعاً مكتملاً. فلم يكن الحُلم متوفراً للنساء أو السود أو غيرهم من الجماعات المحرومة من الحقوق. مهنتي مكرّسة بالكامل لمحاولة جعل الحلم الأميركي يرقى إلى مستوى الوصف.

إنه في الحقيقة حلم عالمي، فكل الناس يرغبون في الفُرَص. والحلم العالمي الذي اتخذته أميركا شعاراً لها هو السعي المستمر الذي يتطلب جهداً طويلاً، “من المستنقع إلى النجوم” كما قال الرئيس الأميركي ريغان؛ وهذه الجهود تنجح وتفشل على طول الطريق. أميركا تملك الكثير لتفخر به، لكنها أيضاً تحمل معها خطايا الماضي.

لماذا اخترت استخدام إلفيس كطريقة لبدء نقاش سياسي؟ لِمَ لم تُعالج المسألة بشكل مباشر؟

تستفيد وسائل الإعلام والأحزاب السياسية من ضخ هيستيريا التحزب في الجماهير وتقسيمهم لقمصان زرق وحمر، حيث تمكننا قولبتها بسهولة. إنها تُقسم العالم إلى مجموعات مبسطة مُضلِّلة.

ولكي لا تنجرف في ذلك، فإنك تُحاول العثور على أشياء يمكن أن يتفق عليها ويفهمها الناس، ومن ثم تبني عليها. ونجاح إلفيس يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحلم الأميركي؛ فهو موهبة عظيمة… وهذا شيء نستطيع جميعاً أن نتفق عليه.

إذا اتفقنا على أن قصة إلفيس كانت بداية موفقة لشاب، فما الذي حدث؟ لماذا وجب عليه أن  يموت على كرسي المِرحاض في سن الثانية والأربعين؟  كيف وصلنا من هناك إلى هنا؟

ومن ثم فلدينا نقطة انطلاق يتفق معنا عليها الناس. لقد وجدنا أرضاً محايدة تتمثل في فهم قصة التدهور. إذا أردتَ أن تشعر بالحب الشديد تجاه أميركا، فتستطيع ذلك من خلال إلفيس بريسلي. لو كنتُ صديقاً لإلفيس، لحاولتُ الحلول بينه وبين القوى التي كانت تلتهمه.

أنا أرى أن ما حدث مع إلفيس حينها يحدث مع أميركا الآن. لم أكن هناك من أجل إلفيس، لكنني هنا الآن من أجل الشعب الأميركي الذي أكونُ جزءاً منه. أريد التدخل قائلاً: “يا إلهي، إلى أين نحن متجهون؟ لا يُمكن لهذا أن ينتهي بشكل جيد”.

هذا المقال مترجم عن موقع the telegraph ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً