fbpx

هنا القصة الثالثة

قتيبة الحاج علي - صحافي سوري

مقالات الكاتب

“المصالحات” ساحة جديدة للحرب بين النظام والمعارضة في درعا

نجحت قوات النظام السوري بعد أسبوعين من المعارك ضد فصائل المعارضة، في تحقيق تقدم واسع في ريف محافظة درعا الشرقي، ما مكنها من استعادة عدد من مدن المنطقة وبلداتها، في أكبر تقدم عسكري تحققه في المنطقة منذ سيطرة فصائل المعارضة عليها خلال عامي 2013 و2014.

التقدم الذي حققته قوات النظام ووصولها إلى مناطق مضى على خسارة بعضها أكثر من خمس سنوات، فتح الباب للتساؤل حول العلاقة المستقبلية بين النظام سياسياً وعسكرياً وأمنياً، وبين الحاضنة الشعبية وأهالي المنطقة الذين احتضنت بلداتهم الشرارة الأولى للاحتجاجات الشعبية عام 2011. ففرض السيطرة على الأرض لا يعني بالضرورة السيطرة على الحاضنة، وهذه الحقيقة يعيها النظام جيداً في درعا خصوصاً، فخلال السنوات الماضية التي استطاعت فيها قواته السيطرة على بلدات في درعا، كان ذلك يتم على حساب إخلائها من أهلها بشكل كامل، كما حصل في مدينة الشيخ مسكين وبلدات خربة غزالة ونامر وعتمان وقرية دير العدس، التي هجّر النظام أهلها ورفض مبادرات لإعادتهم إليها.

اقرأ أيضاً: لبنان بديلاً من الأردن في تهريب الإلكترونيات إلى درعا

السيناريو ذاته يتكرر في معارك قوات النظام الحالية، وإن كانت بوتيرة متفاوتة، فالسيطرة على مدينة الحراك وبلدات بصر الحرير والمليحة الشرقية والمليحة الغربية وناحتة والصورة وعلما وكحيل، كان على حساب إخلائها من سكانها بشكل كامل، الأمر الذي دفع بلدات أخرى لدخول ما يسميها النظام “المصالحات”، بهدف تجنب سيناريو التهجير القسري، وهو ما حصل في مدينة داعل وبلدتي ابطع وأم ولد وقرى أخرى في منطقة اللجاة، التي استطاعت قوات النظام دخولها وفرض تسويات إلزامية فيها، بينما ما زالت روسيا، حتى اللحظة، تخوض بالنيابة عن النظام، مفاوضات بهدف الوصول إلى تسوية في مدينة بصرى الشام، أكبر مدن ريف درعا الشرقي وأهم حواضن فصائل المعارضة فيها.

النجاح الذي حققته قوات النظام في السيطرة على بلدات في محافظة درعا بسيناريو التهجير القسري تحت تهديد المعارك العنيفة أو فرض التسويات، وموجات النزوح التي رافقته متجاوزةً الـ300 ألف نسمة، يعني أن البيئة الحاضنة في محافظة درعا ما زالت بعيدة من قبول العودة إلى حكم النظام الحالي في الوقت الراهن، والنظر إلى تفاصيل ما حدث في البلدات التي انخرطت في نظام التسويات أخيراً، يؤكد أنها تجارب غير قابلة للتعميم.

محمد الجاموس، أحد أهالي مدينة داعل، التي أجرت تسوية مع قوات النظام أخيراً، أكد لـ”درج” أن الغالبية الساحقة من شباب المدينة خرجت منها إلى البلدات التي ما زالت خاضعة لسيطرة فصائل المعارضة، خوفاً من الاعتقالات وفرض التجنيد الإلزامي، مضيفاً: “تسليم المدينة لقوات النظام كان يهدف بشكل رئيسي منع قصفها وتهجير أهلها، والحفاظ على أكبر عدد ممكن من الأهالي داخل المدينة، في ظل أزمة النزوح التي تشهدها المنطقة الجنوبية”. والأيام الأخيرة قبيل استسلام فصائل المعارضة في المدينة، شهدت تصعيداً من الطيران الحربي التابع لقوات النظام وروسيا معاً، أدى إلى مقتل وجرح مدنيين، الأمر الذي دفع فاعليات المدينة إلى القبول بخيار التسوية بديلاً من خيار الحرب.

نجاح “تسوية داعل”، لم يمتد إلى بلدة طفس المجاورة لها، على رغم اقتراب قوات النظام من دخولها في 30 حزيران/يونيو الماضي، بل إن بعض وسائل الإعلام أعلنت انضمام البلدة إلى “المصالحة” فعلاً، لكن فصائل المعارضة في بلدة طفس، والتي استقبلت مئات المتطوعين الجدد من أبناء البلدات التي تعرضت للتهجير القسري وفرض التسويات، رفضت الانسحاب نحو منطقة جديدة، لتفرض على قوات النظام خوض معارك مستمرة منذ أيام، قُتل خلالها عشرات من الطرفين.

اقرأ أيضاً: درعا تشهد أكبر حركة نزوح ومخاوف من كارثة انسانية

يؤكد أحمد الحريري، أحد أبناء بلدة ابطع والمقاتل ضمن فصيل “جيش المعتز بالله” في بلدة طفس، لـ”درج”، أن فصائل المعارضة اختارت القتال لوقف تقدم قوات النظام وملاحقتها لـ”المنسحبين” من بلدة إلى أخرى، موضحاً أن “إجراء مصالحة بشروط قوات النظام يعني الموت المحتم، إما داخل المعتقلات أو بعد الزج بالشباب على جبهات القتال في محافظات أخرى، وهو ما يعني العودة إلى ما كنا عليه عام 2011، لذلك كان علينا الانتقاء بين خيار الانسحاب من بلدة إلى أخرى حتى يتم حصارنا في بقعة جغرافية صغيرة، أو نواجه التقدم العسكري لقوات النظام بالقوة، وهو ما حصل”.

يعتبر أحمد الحريري أن فصائل المعارضة تجاوزت الصدمة التي أصابتها في البلدات التي انخرطت بـ”المصالحة”، ولن تسمح بتكرارها، “الأيام الأولى للحملة العسكرية مع القصف العنيف والأعداد الكبيرة جداً من النازحين، ارتبكت الفصائل وفقدت السيطرة على بعض البلدات، الأمر الذي استغله النظام لإقناع البلدات بالتسوية، أما الآن فأصبحنا أمام معادلة أن خسارة أي بلدة تعني نزوحاً جديداً وتضييق الخناق أكثر، لذلك عززت الفصائل وجودها في جميع البلدات على خطوط المواجهة لإغلاق هذا الباب أمام قوات النظام”.

وصول عملية التفاوض الحالية إلى نقطة الاتفاق، سيؤسس لانخراط كامل المنطقة الجنوبية في حل سياسي

 

نجاح قوات النظام في توسعة نظام “المصالحات” في محافظة درعا، مرتبط مباشرةً بقدرتها على توفير ضمانات مستقبلية تتقاطع مع شروط فصائل المعارضة والحاضنة الشعبية في المنطقة، وهذا ما تجلى بوضوح في المفاوضات الجارية حالياً في مدينة بصرى الشام، بين الجانب الروسي وممثلين عن فصائل المنطقة الجنوبية، حيث تتركز المفاوضات على توفير هذه الضمانات، بينما أبدت فصائل المعارضة نوعاً من المرونة في تخليها عن سلاحها والانخراط في عملية تسوية شاملة، لكنها تمسكت بقوة بشروط تتمحور في التوصل إلى صيغة حول مصير مدن المنطقة وبلداتها مستقبلاً، والحصول على تعهدات بعدم ملاحقة الناشطين خلال السنوات الماضية أمنياً، إضافة إلى الكشف عن مصير المعتقلين، وإيجاد حل لقضية التجنيد الإلزامي لأبناء المحافظة بما يضمن عدم زجهم في جبهات القتال في مناطق أخرى، إضافة إلى الوصول لاتفاق حول آلية إدارة المناطق أمنياً وخدمياً، مع ترك الباب مفتوحاً لخيار تهجير من يرفض هذا الاتفاق إلى مناطق سيطرة فصائل المعارضة شمال سوريا.

وصول عملية التفاوض الحالية إلى نقطة الاتفاق، سيؤسس لانخراط كامل المنطقة الجنوبية في حل سياسي، باستثناء تلك المناطق الخاضعة لسيطرة “جيش خالد بن الوليد” المبايع لتنظيم “الدولة الإسلامية”، وربما يمثل هذا “الاتفاق المنتظر” تجربة قابلة للتكرار في محافظة إدلب، التي ستكون آخر معاقل المعارضة حينها. ولكن الفشل سيُنذر بعودة التصعيد العسكري بشكل كبير، فبعد أسبوعين من انطلاق الحملة العسكرية لقوات النظام، ورسم خطوط مواجهات جديدة، واستيعاب المعارضة عموماً لصدمة مئات آلاف النازحين خلال الأيام الأولى من الحملة، يبدو أن جميع فصائل المعارضة في خطوط الاشتباك الجديدة قد اتخذت قراراً بالمواجهة العسكرية، لمنع تضييق الخناق عليها أكثر فأكثر، وإيقاف سلسلة خسائرها السريعة.

انخراط قوات النظام وفصائل المعارضة بمواجهة عسكرية من هذا النوع، يجعلنا أمام مواجهة طويلة الأمد، ستكون لها تبعاتها الإنسانية بشكل كبير، وهو ما قد يفرض تدخلات إقليمية ودولية لإيقاف المعركة والضغط على جميع الأطراف للتوصل إلى حل سلمي.

إقرأ أيضاً