fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسمين ابراهيم

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

المستبدّ وصناعته للتاريخ

بدا لافتاً كيف تعاملت دولة فيتنام مع رحيل السياسيّ الجمهوريّ الأميركيّ جون ماكّين. فالسناتور الذي كان يقصف الفيتناميّين إبّان الحرب، ثمّ قضى خمس سنوات في سجون هانوي، بات صاحب جهود حميدة في “تضميد جروح الحرب” بحسب الفيتناميّين. هذا مثلاً ما كتبه وزير الخارجيّة فام بينه مينه في سجلّ التعازي في السفارة الأميركيّة في العاصمة الفيتناميّة. أضاف الوزير أنّ ماكّين ساهم في “تطبيع العلاقات والترويج لشراكة كاملة بين فيتنام والولايات المتّحدة”. عبارات فيتناميّة كثيرة قيلت من هذا القبيل. الأمر لم يقف عند العبارات: رموز الحرب وعلاماتها بدأ يُبحث عن وظائف ودلالات أخرى لها: مثلاً، وبحسب ما نقلته وكالات الأنباء، “تحوّل السجن نصباً تذكاريّاً على ضفاف البحيرة التي أُسر عندها السناتور الجمهوريّ، حيث وضع فيتناميّون وأميركيّون زهوراً وبخوراً وأعلاماً بعد إعلان وفاته”. ماكّين نفسه، وعلى رغم التعذيب الذي خضع له في سجنه، كان قد تحوّل، وقد صار سياسيّاً، إلى أحد أبرز المدافعين الأميركيّين عن تطبيع العلاقات مع فيتنام. العلاقات فعلاً جرى تطبيعها حتّى صارت علاقات بين أصدقاء يكاد لا يُصدّق أنّهم تحاربوا تلك الحرب المهولة.

“عندنا، يجمد الزمن لأنّ الحياة هي نفسها جامدة لا تتحرّك”

لقائل أن يقول: هذا كلام سياسيّين أو سلوك ديبلوماسيّين. أمّا محاكمة الأفراد، لا سيّما المثقّفين عموماً والمؤرّخين منهم خصوصاً، فليست معنيّة بهذا كلّه، لا من قريب أو بعيد.

ربما.

لكنّنا نتحدّث عن سلوك السياسيّين (والديبلوماسيّين) عندنا. هذا ما تستهدفه المقارنة السريعة حين تستعيد الروايات الرسميّة العربيّة لتواريخ العداء والحروب. فنحن نعرف أنّ تلك الروايات هي التي جعلت من “معاهدة سايكس بيكو لتجزئة الوطن العربيّ” اتّفاقيّة لا تموت. ونعرف أنّها هي التي جعلت من “وعد بلفور” (التسمية الفعليّة: إعلان بلفور) وعداً لمستقبل لا ينضب.

يلاحظ المراقب شيئاً آخر: أكثر أنظمتنا عجزاً عن ضرب “التجزئة” التي تُنسَب إلى سايكس وبيكو، وأكثرها عجزاً عن محاربة إسرائيل ومفاعيل “وعد بلفور”، هي الأشدّ توكيداً على نبش المعاهدة والوعد بسبب وبلا سبب.

يمكن أن نستنتج من ذلك أنّ أكثرنا عجزاً عن التقدّم نحو المستقبل هم أكثرنا تأبيداً وتخليداً للماضي. لا بل تحويل الماضي إلى مصدر أوحد لاشتقاق المستقبل.

في فيتنام، حيث تتحرّك الحياة، ينقسم الزمن. عندنا، يجمد الزمن لأنّ الحياة هي نفسها جامدة لا تتحرّك.

المقارنة تدفعنا إلى شكّ أبعد: شكّ بكتابة تاريخنا التي أنجزتها سلطاتنا البائسة قبل أن تُدفع المجتمعات إلى تبنّيها هي نفسها. هكذا بتنا كثيراً ما نجد معارضات للسلطة تتبنّى رواية تلك السلطة للتاريخ ولا تحاسبها إلاّ انطلاقاً منها.

إنّ إعادة النظر بصدّام وحافظ والقذّافي وأشباههم لا تكون جذريّة ما لم تشمل صنائعهم التاريخيّين، السلبيّين منهم كبلفور والإيجابيّين كصلاح الدين الأيّوبي. لقد شارك عمر المختار من قبره في جعل معمّر القذّافي يحكم ليبيا 42 سنة!

إقرأ أيضاً:
كأنّها أجواء حرب!؟
لكنْ ما هو المجتمع المدنيّ؟
لماذا يكرّم حزب الله عبد الحسين شرف الدين؟

إقرأ أيضاً