fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم درويش - كاتب وصحافي سوري

حازم درويش - كاتب وصحافي سوري

مقالات الكاتب

المسافة القاتلة في طهران!

على الصفحة الأولى من عدد يوم الأربعاء الماضي لجريدة “فولكس كرانت” الأكثر شعبية في هولندا، امتدت صورة كبيرة من زيارة وزيرة الخارجية الهولندية سخيردا كاخ، للرئيس الإيراني حسن روحاني في طهران قبل يوم. ملامح الوزيرة الواقفة على مسافة أمتار محددة مع انحناءة صغيرة أمام الرئيس الإيراني، اختفت تماماً تحت زيها الأسود الطويل، وفوقه إيشارب أبيض مطرز فيما ارتخت يداها حتى خصرها بتثاقل.
أما الرئيس الإيراني فقد وقف أمامها بوجه بشوش وقد اختفت يداه تحت عباءته السوداء الطويلة. وقد تحددت المسافة بينهما بأزهار مختلفة لسجادة فارسية بديعة امتدت تحت قدميهما. ورغم وقوف الوزيرة الهولندية سيخردا، أمام الرئيس الإيراني كممثلة لخارجية بلادها، فقد كان من المعجز أن تجد أي ملمح يذكرك بالوزيرة الهولندية أو بالبلاد التي تمثلها وخارجيتها. الصورة عرضت ملمحاً تبعياً قاسياً للثقافة السائدة في البلاد التي تزورها الوزيرة الهولندية. ليس من باب مسايرة الثقافة الإيرانية المهيمنة في طهران، بل تماماً الخضوع لمشيئة الملالي الحاكمين هناك.
في نفس اليوم وعلى الصفحة الأولى لجريدة “ان ار سي” الليبرالية، نُشرت صورة لصبي مصاب من الغوطة الشرقية في سوريا. والصبي الذي جلس على درج مليء بأدوات طبية مبعثرة بضماد أبيض يلف رأسه، والدماء تملأ وجهه كان يلبس سترة حمراء يرتدي من نوعيتها ولونها، الكثير من أطفال الطبقة الفقيرة في سوريا قبل الثورة. ظهر الطفل وملامح الصدمة على وجهه. لم يكن مهتما بنفسه، بل كانت عيناه مفتوحة برهبة إلى زاوية في الصورة لا نشاهدها نحن، ولربما كانت أشدّ هولا من صورة الصبي نفسه.
عينا الصبي المذهولتان أخذتني إلى عيني أمي في حلب، ليلة استيقظنا مذعورين من القصف الشديد، وهرعنا لنختبئ تحت درج بناية بيتنا، حينها ذكرتنا بأنها منذ أول الثورة طالبتنا بأن لا نشارك في التظاهر ضد النظام، فحين يشتد عنف النظام لا يجب علينا توقع أن يسارع الغرب لمساعدتنا، أو لردع النظام عن إجرامه وعنفه. فالغرب أيضاً، حين كانت أمي لا تزال شابة، تجاهل جرائم الأسد الأب المهولة في سنوات الثمانينات السوداء. في أوائل الثورة لم نصدق أمي، وتظاهرنا كما كل الناس بفرح وأمل في وجه نظام بدا لنا أنه ساقط حكماً ولن يتجرأ أمام الغرب ووسائل الإعلام أن يقتلنا جهارا نهارا كما حدث في الثمانينات.
هذا كله كان إلى الوهم أقرب، وسرعان ما انكفئنا عنه وعن التظاهر، بعد أن تمت أسلمة الثورة بالعنف، وبشتى الوسائل تحت إشراف النظام وجهات خارجية أخرى، وسرعان ما تبدت أحداث الثمانينات أقرب إلى ألعاب أطفال مقارنة بالعنف المهول الذي مارسه النظام ولايزال حتى اليوم. حينها فقط تحولت ثورة الناس إلى ثورة فصائل إسلامية متناحرة، وبدأت عاصفة اللجوء إلى البلدان المجاورة وأوروبا، وأما من بقي من الناس فلا يزال يقتل إلى اليوم بشتى الطرق يتبدى آخر ملامحها الآن في الغوطة الشرقية.
وكل هذا جرى ولايزال يجري تحت أنظار غرب لا يمل من مطالبة الأسد بالتوقف عن قتل السوريين، لكنه طبعاً لا يفعل شيئاً حقيقياً لإقناع الأسد بأنه عليه حقا التوقف عن ذلك. فقط يكتفي بالمشاهدة!  لكن هل حقا أن الغرب فقط يشاهد ما يرتكبه الأسد ونظامها من جرائم ويراقبهما؟
لو كان الأمر كذلك فما الذي سيفهمه رئيس النظام السوري إذا ما نظر إلى صورة الوزيرة الهولندية على هيئتها إياها أمام الرئيس الإيراني في طهران؟
دولة أوروبية تسعى إلى مسايرة النظام الإيراني وعقد تفاهمات معه تؤدي إلى دعمه وسياسته ومن وراء ذلك إذا دعم النظام السوري أيضاً! خاصة أن إيران هي الداعم الأساسي لهذا النظام وهي المتسيد الأكبر على الأرض السورية.يدا الصبي السوري المشدوه في صورة الجريدة الهولندية بدتا مفتوحتان على هيئة تساؤل عن ماهية كل ما يجري تحت عينيه الآن وأسبابه. ويدا الوزيرة الهولندية هناك أمام الرئيس الإيراني مترهلتان على طول جسدها بلا حول ولا قوة. أما يدا الرئيس الإيراني المختفيتان تحت عباءته، فلا تزالان مشغولتان بإعادة حياكة الخريطة السورية بدماء السوريين على الهيئة التي تنشدها طهران، حياكة يتقنها الإيرانيون جيدا، تمامًا كما بدا من تلك السجادة الفارسية البديعة في القصر الرئاسي في طهران!

إقرأ أيضاً