هنا القصة الثالثة

مكسيم عثمان

مقالات الكاتب

المرسوم رقم 10: انتقام النظام السوري من الديمغرافيا

يؤكد معارض سوري يعمل شقيقه كناشط سياسي في إحد التجمعات السياسية المعارضة خارج سوريا أن كل أموال شقيقه المنقولة وغير المنقولة خاضعة لحجز أمني، فلا يستطيع التصرف بالوكالة الممنوحة إليه بسبب شرط الموافقة الأمنية على استخدام العقارات.

ويوضح المعارض في حديث ل”درج” إنه راجع فرع فلسطين في دمشق ثلاث عشرة مرة من دون فائدة ولم يُسمح له باستخدام حقه في التصرف بأموال أخيه، ووضع فرع فلسطين شرطاً واحداً لمزاولة العمل بالعقار وهو عودة الأخ، بالتالي اعتقاله وهو بالأصل مطلوب في الأمن العسكري. ويندرج تحت هذا كل رجال ونساء الفئة السياسية العاملة خارج سوريا، حيث خضعت ممتلكاتهم لرقابة أمنية وحكومية.

ومؤخراً تبدو مسألة أملاك السوريين خصوصاً من اضطروا للهرب من سوريا إما بسبب الحرب أو بسبب الملاحقات الأمنية عرضة للابتزاز والمصادرة من قبل النظام.  فقد أصدر الرئيس السوري بشار الأسد مرسوماً بـ “جواز إحداث منطقة تنظيمية أو أكثر ضمن المخطط التنظيمي العام للوحدات الإدارية، وذلك بمرسوم، بناء على اقتراح وزير الإدارة المحلية والبيئة وتعديل بعض مواد المرسوم التشريعي رقم 66 لعام 2012”.

ويُبيح المرسوم للإدارات المحلية في المحافظات بالتعاون مع شركات خاصة داخلية واستثمارية خارجية إعادة هيكلة البنية التنظيمية للمدن السورية وأريافها القريبة. وذلك وفق مشاريع قرارات بدأت بالظهور منذ عام 2012. الإضافات الإدارية للمنظومة، المراسيم الخاصة بالتنظيم الإداري في المحافظات تخضع لتفاصيل دقيقة تهدف فيها السلطة السورية إلى تشكيل حلبة انتقام جديدة، من المسافرين والنازحين والمهاجرين.

المرسوم رقم 10 ليس بداية عهد انتقام النظام من الديموغرافيا السورية، حيث خضع السوريون المعارضون للنظام منذ عام 2011 لعقوبات قانونية تمس الحق الشخصي، بسبب مواقفهم السياسية، وحُرم عدد كبير من المعارضين من حقوقهم، وتعرّض موقوفون لعقوبات وصلت إلى استملاك بيوتهم وأراضيهم، وحتى معاقبة أقاربهم. إلا أن عام 2013 كان عاماً حاسماً، إذ أخضعت المنظمات الأمنية السورية المختلفة حركة السكان داخل مناطق سيطرتهِ إلى رقابة أمنية شديدة، ومنعت حركة التنقل العامة من دون الحصول على موافقة أمنية، وحتى حركة السكان بين المحافظات خضعت لموافقات أمنية رتيبة ومرعبة، ومنع استملاك الحلبيين خارج نطاق محافظة حلب، إلا إذا تمت الموافقة الأمنية على التملك أو الإيجار بعد فترة معينة يحددها الفرع الأمني الذي يتولى رقابة المنطقة المُراد الشراء فيها. وأخضع النظام المعارضين السياسيين في الداخل أو الخارج، لضغط وترهيب لبيع عقاراتهم أو أراضيهم، وتمثل ذلك باجبارهم مراجعة فرع فلسطين في دمشق حصراً، وتأخذ الموافقة وقتاً طويلاً وتحقيقات كثيرة وطويلة. وصولاً إلى عامي 2016 و2017 وحتى الآن، بعد استلام فرع الأمن العسكري الموافقات الأمنية العقارية في سوريا كلها تقريباً، أضف إلى ذلك التحقيقات الأولى لبيع العقارات للمعارضين وأخوتهم وأقاربهم من الدرجة الأولى. وأضف إلى ذلك الحركة المالية للأفراد الخارجية والداخلية، فتلتزم كل شركة مصرفية تأمين أوراق الحوالات المالية كاملة لفرع الأمن العسكري، وتحول فرع الأمن العسكري بعد التوسعة الإيرانية الإلكترونية الأمنية له منذ عام 2015 ليصبح أحد أكبر الأرشيفات المدنية لحقوق السورين وأموالهم وأهمها. وسريعاً تحول الأرشيف بيد منظمة الأمن العسكري وميليشيات من الساحل، إلى دلالة وعنوان لسرقة مال السكان، عبر خطفهم وابتزازهم، فما أن يُباع متجر كبير أو عقار مهم، حتى يُخطف البائع. وحتى السيارات الفخمة، وكل ورقة مالية تصل إلى أرشيف الدولة، يأخذ الأمن العسكري نسخة عنها، ويكون صاحبها عرضة الخطف أو الابتزاز.

 

المرسوم رقم 10 ليس بداية عهد انتقام النظام من الديموغرافيا السورية، حيث خضع مواطنو البلاد السورية منذ عام 2011 لعقوبات قانونية تمس الحق الشخصي، بسبب مواقفهم السياسية، وحُرم عدد كبير من المعارضين من حقوقهم، وتعرّض موقوفون لعقوبات وصلت إلى استملاك بيوتهم وأراضيهم، وحتى معاقبة أقاربهم.

والتقى “درج” شقيقة معارض سوري مستقل، أكدت توقف إجراءات حصر الإرث من قبل عائلتها بسبب غياب الأخ المعارض عن البلاد، وراجع الأخوة كلهم فروع الأمن مرراً وتكراراً من دون فائدة، متحدّثةً عن صعوبة مراجعة فرع فلسطين، مقابل إلزام النظام المعارضين وأقاربهم به. وهنا يظهر المرسوم رقم 10 أكثر عمومية فقط في جعل الرقابة الإدارية وإعادة هيكلة الانتشار السكاني الديموغرافي أمراً حكومياً صرفاً، أي أن الدولة تبنت ما فعلته الميليشيات الأمنية بشكل رسمي لا أكثر، ولا يُشكل المرسوم سوى تشريع قانوني لممارسات ميلشيات السلطة خلال الأعوام السبعة الأخيرة.

في المقابل، يُذكر نص المرسوم استحواذ مجالس المحافظات والبلديات على ما تُقررانه من أراضٍ وجعلها مناطق تنظيمية، ما يجعلها حاكمة عامة على الأراضي وملاكها، وجعل المناطق المحددة ضمن خطة استثمارات مع القطاع الخاص، واعتبار شرط وجود الأهالي والإقرار بالملكية شرطين أساسيين لإثبات ملكية أصل الأرض، وهذا محال على مئات الآلاف من السوريين الذين فقدوا كل شيء في الحرب، أو نزحوا وهاجروا جراءها، وهذا يعني أن النظام لم يفعل شيئاً جديداً سوى وضع مؤسساته الإدارية في الواجهة بدل منظمته الأمنية، حيث تحولت ماكنة الدولة إلى عدو حقيقي بدل المؤسسة الأمنية، بخاصة أن القرار السياسي قد عزل تماماً عن القرار الإداري فالموقوفون والممنوعون من دخول سوريا، لا يستطيعون إثبات ملكيتهم لعقار أو الحق في الطابو للأرض من الخارج، بل يحتاجون إقراراً ورقياً مع التمثيل الشخصي، هذا ما يجعل محالاً لمئات الآلاف من السوريين العودة إلى بيوتهم.

الدولة السورية استلمت من العصابات تسلطها، وتتضخم عقلية المليشيات داخل مؤسسة الدولة السورية، أما المرسوم رقم 10 فهو أحد أسوأ القوانين السورية التي جعلت لعمل الشبيحة قيمة عبر مكافأة تصرفاتهم بمرسوم للدولة التي يرممها الأسد.

إقرأ أيضاً