fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

“المحكمة”

فجأة، بدا الأمر أشبه بزلزال. الذين ناموا آمنين، فاجأتْهم الأرض وهي تهتزّ تحتهم. الذين ناموا على مضض فاجأتهم الأرض أيضاً. الأوّلون راهنوا على أنّ النسيان والإهمال قوّة عظمى، وعوّلوا، بقدر من الضيعويّة، على أنّ من ينتصر في درعا ينتصر في لاهاي. الأخيرون انقسموا بين أولئك الذين أحالوا أمر العدالة إلى العليّ القدير، وأولئك الذين شرعوا يرتّبون أمورهم وقد تخلّصوا من العبء الثقيل لـ “الحقيقة”.

حسن نصر الله، كعادته، سبق الآخرين إلى الانتباه. اقتراب المرافعات الختاميّة التي تفتح الباب لإعلان الحكم النهائيّ، دفعه إلى التحذير: كلمات قليلة وحزم كثير. كان هذا كافياً لأن يضع ذكرى أيّار 2008 على الطاولة. جريدة “الأخبار” أكملت ما بدأه الأمين العامّ باسترجاع كلام ممجوج عن إسرائيليّين وموالين لإسرائيل تستشيرهم المحكمة. سعد الحريري بدا هادئاً لأنّه، حتّى إشعار آخر، لا يملك إلاّ أن يكون كذلك.

مع هذا انتقلنا من عنوان تشكيل الحكومة إلى عنوان المحكمة. من دون المحكمة كان تشكيل الحكومة يبدو صعباً جدّاً. معها قد يبدو مستحيلاً. الوضع الإقليميّ من سوريّا إلى اليمن يرشّ ملحاً كثيراً على الجرح: ذاك أنّ زلزال محكمة لاهاي قد يفتتح زلازل أخرى. هناك “محكمة” تحاكم الوضع الإيرانيّ الراهن في اقتصاده المتردّي وصراع أجنحته الحاكمة والضغوط التي تطالبه بالإنسحاب من سوريّا، وبعضها ضربات عسكريّة إسرائيليّة لم يعد من المجدي التكتّم عليها. هناك “محكمة” تحاكم النفوذ الإيرانيّ في العراق، انطلاقاً من البصرة، وصولاً إلى فوضى عارمة تطال كلّ شيء.

“زلزال محكمة لاهاي قد يفتتح زلازل أخرى… هناك “محكمة” تحاكم الوضع الإيرانيّ الراهن”

بالطبع، لا يزال من المبكر صدور أحكام نهائيّة عن هذه “المحاكم”، لكنّ وجودها سوف ينعكس بالضرورة على “سياسة” التناحر بين اللبنانيّين.

أهمّ ما في الأمر، وربّما أخطره، أنّ لاهاي تمنعنا من عقد تسوية مزغولة أخرى. حتّى الذين يريدون عقدها سيجدون أنّ الأمر الذي كان صعباً صار أصعب، وما كان محرجاً صار مهيناً.

حيال هذا الاصطفاف الكبير، سيتلاشى وهم آخر من أوهام “العهد القويّ”. لكنْ أيضاً سوف يتبدّى، حتّى للذين لا يعترفون بذلك، أنّ الشعوب اللبنانيّة لا تستطيع أن تنتج نصاباً سياسيّاً واحداً وموحّداً. إلاّ أنّ معرفة الحقيقة هذه لا تكفي لطرد القلق وتبديد الخوف اللذين تختزنهما. فبعد لاهاي، قد يُضطرّ الضبع لأن يقضم آخرين، فيما قد تُضطرّ النعامة إلى إخراج رأسها من الرمل.

إنّ إعلان الحكم النهائيّ قد يكون نهائيّاً لأمور كثيرة في حياة اللبنانيّين واجتماعهم.

إقرأ أيضاً:
الحرب التي انتهت ولم تنته
حروب الأسماء أعلى مراحل السخافة القومية

إقرأ أيضاً