هنا القصة الثالثة

حلا نصرالله

مقالات الكاتب

المتهم بارتكاب مجزرة قانا في طريقه إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية

عبر تصريحين اثنين، نفذ وزير التعليم الإسرائيلي، نفتالي بينت، انقلابه على رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتانياهو، معلناً عدم قبوله بأقل من وزارة الدفاع الإسرائيلية بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة وما تحويه من إعادة ترتيب البيت الإسرائيلي، ولم يكتف بهذا المقدار، فلوّح بأهليته كي يكون رئيس حكومة إسرائيل في حال بقي نتانياهو على سياسته الحالية.

نفتالي بنيت وجه سياسي شبابي صاعد، ونجم إسرائيل وزعيمها المقبل، كما وصفه موقع “بوليتيكو”، ومقبول جداً لدى فئة الشباب اليمينية التي خاب أملها ممّا آل إليه وضع نتانياهو المتورط بملفات فساد داخلياً، والذي أدت سياسته الخارجية الى بروز إيران وحلفائها قوةً إقليمية مسيطرة.

التأييد الكبير الذي حظي به بينت في الأسابيع الأخيرة، عزز ثقة تصريحاته النارية، فبعد سنوات أمضاها في الحديث عن أهمية تكوين التراث اليهودي المتين، وتمكين الطلاب منه، فتح نهاية شهر مارس/ آذار الماضي من منبر إذاعة الجيش الإسرائيلي النار على نتانياهو، مفخماً بقدراته السياسية على قيادة إسرائيل انطلاقاً من كرسي رئاسة الحكومة.

من سيخلف نتانياهو؟     

ما صرح به نفتالني بينت على دفعات، حلله موقع “ستراتفور” الأميركي على أنه قفزة رشيقة لصعود سلم  سدة رئاسة الحكومة. ففي المقال الذي حمل عنوان “من سيخلف بنيامين نتنياهو”، عرضٌ لما يتعرض له آخر صقور الجيل الثاني في إسرائيل من طعنات في الظَهر من أقرب المقربين إليه، فأول الغادرين بنتانياهو كان وزير الاتصالات السابق شلومو فيلبر، إذ أكد استعداده للادلاء بشهادته أمام القضاء ضد رئيس الوزراء. التنافس على احتلال المراكز الحكومية والنيابية يحتدم مع اقتراب الإسرائيليين من الانتخابات المقبلة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، إذ من المرجح عزل نتانياهو سياسياً في حال خسارته.

 يعد وزير الدفاع الحالي أفيغدور ليبرمان، من أبرز المرشحين، لأخذ كرسسي نتانياهو. كما ساعدت أجواء محاصرة نتانياهو سياسياً واعلامياً، تعويم اسم بينت كأفضل اليمينيين الذين سيعيدون إسرائيل إلى السكة الصحيحة داخلياً وفي صراعاتها الخارجية، ويضيف الموقع الأميركي إن من سيخلف نتانياهو مجبور نتيجة الضغط الشعبي على أن يبدل طريقة تعامل إسرائيل مع جيرانها.

وسلطت الصحافة الضوء على اسمين تابعين لـ “حزب الليكود” لخلافة نتانياهو. الأول، رئيس الاستخبارات الإسرائيلية يسرائيل كاتز، والثاني وزير النقل السابق جدعون سار، غير أنهما لا يمثلان حالة شعبية ضخمة، ولم يحصلا على دعم من لوبيات إسرائيل المنتشرة حول العالم، كالذي يحصل عليه حالياً نفتالي بينت. وقد اظهرت الاستطلاعات الشعبية أن الإسرائيليين يريدون أمرين، محاربة الفساد وتوفير الأمن، وتحدثت الاستطلاعات عن رضا الجمهور اليميني عن أداء بينت.

في الأسبوع الأول من شهر آذار الماضي، عقدت منظمة “اي باك” مؤتمرها السنوي في الولايات المتحدة الأميركية، وكان ملحوظاً حجم التصفيق الذي تلقاه بينت أثناء إلقاءه كلمته التي شدد فيها على قوة إسرائيل العسكرية المتفوقة على جميع أعدائها مجتمعين، وفي الشهر ذاته تبنت “ارياه” وهي “جمعية طلاب كلومبيا لأجل إسرائيل”، بينت كوجه شبابي صاعد في إسرائيل.

صناعة الزعامة

وفي أسلوب مماثل لتصرفات رئيس الولايات المتحدة الأميركية السابق باراك أوباما، ورئيس الحكومة الكندي جاستن ترودو، ورئيس فرنسا إيمانويل ماكرون، يتصرف نفتالي بينت. يعقد ورش عمل ولقاءات مباشرة مع قاعدته الشعبية. ويحتك بهم جسدياً، ويلتقط معهم صور “السيلفي”، ويرفع أكمام قميصه عندما ينفعل في خطابه كما تفعل أغلبية زعماء العالم الصاعدين في أوروبا ودول القارة الأميركية.

منذ عام 2017، برزت حركته على “السوشيل ميديا”، لأنه يخصص ساعات أسبوعياً، متفاعلاً مع جمهوره عبر صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي، ويبلي بمنشوراته الافتراضية وخطاباته اهتماماً مميزاً بجيل المراهقين. خلال العام الماضي كان واضحاً من خلال صوره الصحافية، توجهه لاختيار نوع معين من الملابس، ملتزماً بلباس رسمي موحد، عبارة عن بدلة كحلية، وقميص وربطة عنق باللون الأزرق، في دلالة إلى علم إسرائيل.

ومنذ أن دخل معترك السياسة، اهتمت صحيفة “هآرتس” بتقديم مقالات تحاكي شخصيته، فالمقالة الأولى للصحيفة عنه عام 2012، حملت عنوان “هل يفكك بينت تحالف نتانياهو”. وعام 2013 كتبت الصحيفة مقالة بعنوان “تفكيك شخصية بينت: يكبر ليصبح زعيماً”، تناولت آراء مقربين له أجمعوا على أنه كان ذا شعبية كبيرة في المدرسة، ويجيد فن الخطابة، كان يذيع دائماً بين أصدقائه أنه سيصبح قائداً عسكرياً، وفي الوقت الراهن تشهد الصحف الإسرائيلية صعود كتّاب يمتدحونه باستمرار ويؤيدون مواقفه التي تتعلق بالصراع.

بينت المتهور

حقق بينت حلمه العسكري، عندما تولى عام 1996 قيادة وحدة 67 من فرقة النخبة الإسرائيلية، وأثارت صحيفتا “يديعوت أحرونوت” و”جيروزاليم بوست” أسئلة عدة حول دور بينت في مجزرة قانا عام 1996، فبحسب روايتهما، اتخذ بينت قرارات أحادية إبان عمليات عناقيد الغضب على لبنان، وأمر بقصف مواقع يعتقد بأنها مخابئ أسلحة لـ”حزب الله”، ما أدى إلى مقتل 100 مدني بينهم 4 من قوات اليونيفيل، وأجمعت الصحيفتان على أن تصرفه شوه صورة إسرائيل عالمياً.

وفي مقالة نشرت بتاريخ 5 أبريل/ نيسان 2018، في صحيفة “هآرتس” إشارة إلى حظوظه برئاسة الحكومة. وبحسب الصحيفة فإن الجنون العسكري الذي يعيشه العالم ينقصه بينت، فهو يمتلك استراتيجية غريبة، ويتمتع بشخصية ساخرة غير مفهومة، وبروزه مؤشر على انحراف في سياسة إسرائيل، ولديه سجل حافل من المواقف المتهورة المبنية على الخطاب الشعبوي، ويفاخر بـ”كاريزمته” ومكانته في عالم التكنولوجيا، ودوره في مكننة المدارس وتطويرها تكنولوجياً، ولديه مجموعة تبجله على المواقع الافتراضية.

شعبية بينت

اكتسب بينت شعبيته من أخطاء نتايناهو، في الوقت الذي يعوّل رئيس حكومة إسرائيل الحالي على روسيا والولايات المتحدة للمساعدة في الوقوف بوجه إيران، فإن نفتالي بينت وجد في ذلك ثغرة مهمة للتهجم على نتانياهو، ففي مقابلة حديثة لبينت على قناة “فوكس نيوز الأميركية”، قال، “على نتانياهو أن يفهم، أن أمان إسرائيل ليس لعبة مرتبطة بعلاقاته الشخصية. نحن لسنا في حاجة إلا إلى دعم أميركي في أي معركة، ويمكننا الدفاع عن أنفسنا”، ويطمح بينت إلى أن توقف إسرائيل عن استشارة حلفائها بأي حرب ضد إيران و”حزب الله”.

على عكس نتانياهو، لا يثق بينت بروسيا، وفي مؤتمر له بعنوان “مستقبل الحدود الإسرائيلية”، قدم خطة واضحة للتغيير الديموغرافي الذي يطمح إلى تنفيذه لحماية المستوطنات الإسرائيلية من الهجمات الفلسطينية، ويبدي امتعاضاً من أي منتقد للمشروع الاستيطاني القائم، مردداً دائماً إنه لن يسمح بأي محاولة لإقامة دولة مستقلة للفلسطينيين، وهو ما منحه المزيد من الثقة في أوساط المستوطنين الذين يعتبرونه درعهم السياسية.

شعبيته صنعها عبر توطيد علاقة تراث إسرائيل بضرورة الدفاع عنها عسكرياً، فالفترة التي يمضيها متولياً وزارة التربية، نجح فيها بينت برص صفوف اليمين المتطرف من خلال التشديد على تاريخ اليهود وضرورة الدفاع عنه من دون الحاجة إلى معونة من الدول الكبرى.

لا يتردد بينت بالحديث عن ضرورة خوض حرب ضد إيران بشكل مباشر، ويتوعد اللبنانيين بحرب طاحنة ضد “حزب الله” في حال أصبح في مركز القرار، ويأخذ على زعماء إسرائيل القدامى أنهم اعتمدوا على الخارج في قراراتهم، وعلى الدعم السنوي والتبرعات، ويقدم نفسه دائماً على أنه صاحب خطاب نهضوي مختلف، يمنحهم المزيد من الاستقلالية عن حلفائها، وتأمين  الدعم المادي وتمتين الاقتصاد من خلال الجيل الشاب.

 

 

إقرأ أيضاً