هنا القصة الثالثة

بكر صدقي

مقالات الكاتب

الليرة التركية في سقوطها الحر

أطلق وزير الطاقة التركي برات ألبيرق، وهو صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تصريحات متفائلة في شأن استكشاف احتمالات وجود ثروة نفطية في المناطق المتاخمة للحدود مع العراق. فقال إنه يتم مسح جيولوجي لتلك الأراضي بواسطة الطائرات، وهذه تكنولوجيا متقدمة لا سوابق لها في مجال استكشاف البترول.

ذكرتني هذه التصريحات بما قاله حافظ الأسد، في أحد خطاباته في منتصف الثمانينات، حين تحدث عن اكتشاف مناجم الماس في شرق سوريا. وكان ذلك في سياق أزمة اقتصادية خانقة شهدتها سوريا بسبب عقوبات اقتصادية قاسية فرضت عليها رداً على عملية إرهابية دبرتها المخابرات السورية في لندن.

مؤشرات أزمة اقتصادية حادة في تركيا لم تعد خافية على أحد، وهي أحد أهم الدوافع التي كانت وراء تقديم موعد الانتخابات العامة والرئاسية، من نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 إلى يونيو/ حزيران 2018. فقد أرادت السلطة من هذا التقديم، إنقاذ أصوات الكتلة الانتخابية للحزب والرئيس قبل أن يأتي الطوفان فيجرف معه السلطة القائمة.

وتشير معظم استطلاعات الرأي التي تجرى كل يوم تقريباً، عشية الانتخابات المقبلة، إلى أن الهاجس الاقتصادي هو الهاجس الأول للناخب التركي، بعدما كان الأمن، سابقاً، هو الذي يحتل هذه المرتبة. لذلك فقد أكثرت السلطة من “رشواتها” للناخبين أثناء الحملة الانتخابية، كالإعفاءات من الضرائب والرسوم المستحقة، ومنح الموظفين والمتقاعدين راتب شهر كإكرامية عيد، وخفض معدلات الفائدة على القروض العقارية، وغيرها.

هذا الخفض على معدلات الفائدة أعطى نتيجته المحتمة في انخفاض قيمة الليرة التركية، على رغم تدخلات متواترة من المصرف المركزي بأوامر مباشرة من الرئيس أردوغان. فهو يريد استرضاء الناخبين، مرة بالحفاظ على القدرة الشرائية للعملة الوطنية، ومرة ثانية بخفض الفوائد. وهما عمليتان نقديتان متعارضتان لا يمكن الجمع بينهما.

مؤشرات أزمة اقتصادية حادة في تركيا لم تعد خافية على أحد، وهي أحد أهم الدوافع التي كانت وراء تقديم موعد الانتخابات العامة والرئاسية، من نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 إلى يونيو/ حزيران 2018. فقد أرادت السلطة من هذا التقديم، إنقاذ أصوات الكتلة الانتخابية للحزب والرئيس قبل أن يأتي الطوفان فيجرف معه السلطة القائمة.

بيد أن العامل الأكثر تأثيراً في انخفاض قيمة الليرة إنما هو موضوع الثقة التي تآكلت كثيراً بسبب تدخل السياسة في الاقتصاد، ما أثر سلباً على المناخ الاستثماري، وبخاصة اجتذاب استثمارات خارجية. وكذلك بسبب هروب رؤوس أموال محلية كبيرة إلى الخارج، الأمر الذي اعتبره أردوغان، في أحد خطاباته أوائل هذا الشهر، بمثابة “الخيانة الوطنية”. تدور همسات عن شكاوى مكتومة لطبقة رجال الأعمال الذين لا يجرؤون على الإفصاح عن معاناتهم من التضخم ومن القرارات الحكومية، بسبب خوفهم من السلطة. الأصوات القليلة الصادرة من هذه الطبقة نصحت بضرورة إجراء إصلاحات عاجلة قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة تماماً.

كانت صفقة بيع “مجموعة دوغان الإعلامية”، قبل شهرين، مثالاً نموذجياً على الطريقة التي تدار بها الأمور في ظل الخوف. فالصحف وقنوات التلفزيون التابعة لهذه المجموعة، لم تكن يوماً ذات توجه معارض للسلطة. بل كان اتصال هاتفي واحد يكفي لطرد أحد الكتاب أو الإعلاميين من وسائل الإعلام هذه، إذا حدث أن انتقد السلطة قليلاً في حدث ما أو إجراء ما. بمعنى أن الأصوات القليلة المستقلة في تلك المنابر كانت عرضة للطرد من العمل بقرارات مالك المجموعة الملياردير آيدن دوغان. وعلى رغم ذلك ظلت السلطة تضيق على الرجل إلى أن أرغم على بيع مجموعته الإعلامية في ما سمي “صفقة القرن” بمبلغ مليار ومئة مليون دولار، إلى مجوعة إعلامية مقربة من دوائر الحكم. واتضح أن الشاري “أردوغان دميرورن” قد حصل على نحو 70 في المئة من ثمن الصفقة كقرض ميسر (معفى من السداد لمدة سنتين، وبمعدل فائدة منخفض) من المصرف الزراعي الحكومي الذي من المفترض أن يقدم قروضاً للمزارعين. فكانت نتيجة تلك الصفقة خسارة للإعلام والزراعة معاً.

ومن أبرز مظاهر الخلل الاقتصادي، العجز في الميزان التجاري الذي يتفاقم باطراد، ويتم تمويله بقروض مرتفعة الفائدة. وذلك بسبب مشاريع باهظة الكلفة ذات غايات استعراضية كالجسر الثالث على البوسفور والمطار الثالث ومشروع قناة إسطنبول الذي بدأ تنفيذه في الفترة الأخيرة، إضافة إلى قصر الرئاسة الجديد. صحيح أن تلك المشاريع توفر فرص عمل جديدة، وتخلق ارتفاعاً في الطلب، لكنها من جهة ثانية تساهم في تفاقم الخلل في الموازنة العامة والميزان التجاري. أضف إلى ذلك الكلفة الباهظة للعمليات العسكرية في سوريا (درع الفرات وغصن الزيتون) ومشاريع التسلح الجديدة (كصفقة صواريخ S 400) المرتبطة بالتموضع السياسي الطارئ، قريباً من موسكو بعيداً من الحلف الأطلسي.

ويذكّر كثر من المراقبين بالأزمة الاقتصادية الحادة، عام 2001، التي أطاحت بالحكومة الائتلافية، آنذاك، وأدت إلى صعود حزب العدالة والتنمية المؤسس حديثاً إلى السلطة. وقد عولجت تلك الأزمة بقرض من البنك الدولي، وما يرافق مثل تلك القروض من شروط قاسية أهمها رقابة المؤسسة الدولية على إدارة الاقتصاد والتصرف بالقرض.

كانت حكومة العدالة والتنمية قد سددت جميع التزاماتها إلى البنك الدولي عام 2008. أما اليوم، فهي أقرب ما تكون إلى الاضطرار إلى خطة إنقاذ جديدة، ستدفع كلفتها المؤلمة الطبقات الأفقر كما هي العادة.

يرى الخبير الاقتصادي أوغور غورسس أن مشكلة هبوط قيمة الليرة أمام العملات الأجنبية، لم يعد ممكناً حلها بقرارات من المصرف المركزي. يقتبس غورسس عن رجل الأعمال الأميركي وارن بوفيه قوله: “حين ينحسر الماء، يتضح من يسبح عارياً”، ليقول إنه حين يتوقف تدفق الاستثمارات الأجنبية على تركيا، ينكشف ظهرنا. ويطالب غورسس بوقف العمل بحال الطوارئ المستمرة منذ فشل المحاولة الانقلابية (تموز 2016) وتطبيع الحياة السياسية واستعادة سيادة القانون، من أجل استعادة الثقة بالاقتصاد وبالليرة التركية.

أما الكاتب حسن جمال فقال إن مشكلة اضطراب قيمة الليرة التركية هي مشكلة سياسية أساساً، خلاصتها تفرد شخص واحد بالسلطة، كل السلطة. شخص يعتبر المصرف المركزي مؤسسة تابعة له، يستطيع التصرف بقراراتها كما يشاء، فيستدعي مديرها إلى مقر الحزب الحاكم ليملي عليه ما يجب أن يفعل لوقف تحليق الدولار واليورو مقابل الليرة.

وما دام هذا الشخص على رأس السلطة، يضيف حفيد جمال باشا الموصوف في سوريا ولبنان بالسفاح، فالأزمة ستزداد تفاقماً، ولن يستعيد الاقتصاد عافيته.

أما الإعلام الموالي، وأركان السلطة، فهم يردون أزمة الليرة– المفتعلة برأيهم– إلى مؤامرة خارجية، تهدف إلى الإطاحة بالحكم من طريق الاقتصاد هذه المرة، بعدما فشلوا في تحقيق هدفهم هذا من خلال انقلاب عسكري فاشل مرة (يوليو/ تموز 2016)، واتهام الحكومة بالفساد مرة (ديسمبر/ كانون الأول 2013)، وتحريك الشارع مرة (يونيو/ حزيران 2013)… إلخ.

تُرى كيف من المحتمل أن يؤثر حال الليرة التركية ونذر الأزمة الاقتصادية التي تشي بها، في الانتخابات العامة والرئاسية الوشيكة في 24 حزيران؟ وما هي الخطط المضادة التي يمكن أن يلجأ إليها أردوغان لتلافي هذه الآثار السلبية على قرار الناخب؟ هذا ما سنراه في الفترة القصيرة المتبقية على موعد أخطر انتخابات يواجهها “الرجل الطويل” في حياته السياسية.  

 

إقرأ أيضاً