fbpx

هنا القصة الثالثة

علاء رشيدي

مقالات الكاتب

اللا أمكنة في حياتنا المعاصرة

أين أنت حين تكون في القطار السريعة أو في محطة قطار أو في مطار أو في طائرة، أو في فندق أو في مساحات التجارة الكبيرة أو في مخيم لاجئين ؟ أنت في فضاء السرعة والعبور والمؤقت. أنت لست في مكان وإنما في ” اللامكان “هذه هي الموضوعة التي يتناولها كتاب ( اللا أمكنة ) للمؤلف (مارك أوجيه ) وهو عالم أنثربولوجيا، مدير سابق وأستاذ في معهد الدراسات العليا للعلوم الإجتماعية بباريس. والمكان بمعناه الأنثربولوجي، لا يكون مكاناً إلا بما ينسج ويثبت فيه من رموز ومعان، عبر المسارات والأفعال والعلاقات والأحاديث، وما ينبعث فيها من احتمالات.

هذه اللا أمكنة هي نقيض السكن والإقامة : من يرتادها هو، فيها، وحيد ومشابه للآخرين، في الوقت نفسه. لا يمكنه إخفاء هويته فيها، إلا بإظهار ما يثبتها (جواز سفر، بطاقة مصرفية.. ألخ ) هو، معها، في علاقة تعاقد عابر ينتهي بخروجه منها. نشأت اللا أمكنة من التغيرات التي شهدها عالمنا المعاصر، والذي يحددها ( مارك أوجيه ) بثلاث متغيرات أساسية.

المتغير الأول متعلق بالزمان وإدراكنا إياه، والطريقة التي نستخدمه فيها أيضاً، والطريقة التي نتعامل بها معه. فالتاريخ يتسارع بحسب رأي مارك أوجيه : ( فلا يتاح لنا الوقت أن نشيخ قليلاً حتى يصبح ماضينا تاريخاً، ويصبح تاريخنا الفردي جزءاً من التاريخ )

يتوافق تسارع التاريخ في الواقع مع تضاعف الأحداث التي لم يتوقعها الإقتصاديون والمؤرخون أو علماء الإجتماع في أغلب الأحيان، مثل فظائع الحربين العالميتين والأنظمة الشمولية وسياسات الإبادة العرقية التي لا تثبت تطوراً أخلاقياً للإنسانية، وهذا أقل ما يمكن أن يقال، ونهاية السرديات الكبرى، أي نهاية أنظمة التأويل الكبرى التي زعمت تبيان التطور العام فلإنسانية ولتنجح، إضافة إلى إنحراف الأنظمة السياسية التي كانت تستلهم رسمياً بعضاً من هذه السرديات أو زوالها.

إن التغير المتسارع الثاني للعالم المعاصر والصورة الثانية للغلو الذي وسم الحداثة المفرطة، يرتبطان بالمكان. إن الإفراط في المكاني يتجلى في تغييرات المقاييس، وفي تضاعف الإحالات المصورة والخيالية، وفي التسارعات الهائلة في وسائل النقل، وهو يؤدي بشكل ملموس إلى إحداث تغييرات فيزيائية لافتة، تجمعات مدينية، عمليات نقل للسكان من منطقة إلى أخرى، ومضاعفة ما نسميه باللا أمكنة.

أما الصورة الثالثة للإفراط، والتي يمكن قياساً إليها أن نحدد حالة الحادثة المفرطة، إنها صورة الأنا.

تعريف اللا أمكنة

اللا أمكنة هي كل مكان لا هوية ثابتة له، لا تنسج فيه العلاقات ولا تستمر، لا ملامح تاريخية له، هو واحد من هذه الأمكنة التي أنتجتها الحداثة المفرطة وجعلتها من سمات هذا العصر. 

اللا أمكنة هي إذاً، طرق الملاحة الجوية، والسكك الحديدية، والطرق السريعة، والمساكن المتنقلة التي تدعى وسائل النقل أي الطائرات والقطارات والحافلات، والمطارات، ومحطات القطارات، ومحطات ريادة الفضاء، والسلاسل الفندقية الكبرى، وحدائق التسلية، والمحال التجارية الكبيرة التي تشكل خيوطا معقدة، وأخيراً الشبكات السلكية واللاسلكية التي تعبئ الفضاء الخارجي لأهداف من التواصل الغريب، إلى درجة أنه لا يسمح للمرء في أغلب الأحيان، إلا بأن يتواصل مع صورة غريبة لذاته.

اللا أمكنة هي الإنشاءات الضرورية لحركة التنقل المتسارعة للأفراد وللملكيات ( الطرق السريعة، التقاطعات، المطارات ) وكذلك وسائل النقل بحد ذاتها، والمجمعات التجارية الكبرى، أو حتى مخيمات العبور المترامية الأطراف حيث يتكدس لاجئو العالم.

فلا يتاح لنا الوقت أن نشيخ قليلاً حتى يصبح ماضينا تاريخاً، ويصبح تاريخنا الفردي جزءاً من التاريخ

 

إن البيت الأبيض والكرملين هما في الوقت ذاته بالنسبة إلى الذين يتلفظون بإسميهما، اماكن هائلة، ورجال، وبنى سلطة. إذا لجأنا إلى المجازات المتتابعة، اعتدنا أن نشير إلى بلد ما عن طريق عاصمته، وأن ندل عليها عن طريق المبنى الذي يشغله حكامها. اللغة السياسية هي بالطبع مكانية ( على الأقل عندما نتحدث عن اليمين واليسار ) لأن عليها ربما أن تفكر معاً بالوحدة والتنوع.

أما اليوم فإنه من اللافت عندما نتحدث عن أوربا الإثني عشر بلداً، أو عن النظام العالمي الجديد، أن السؤال الذي يطرح فوراً هو معرفة مكان المركز الحقيقي للأول أو للثاني : هل هو بروكسل ؟ ستراسبورغ ؟ أم برلين ؟ هل هي نيويورك حيث يوجد مقر الأمم المتحدة، أم واشنطن البنتاغون ؟

لم نعد نجتاز المدن، بل تتم الإشارة إلى نقاطها اللافتة عبر لا فتات يكتب فيها تعليق حقيقي. ويعفى المسافر إلى حد ما من التوقف، بل من النظر، ويطلب منه مثلاً على الطريق الجنوبي السريع أن يولي بعض الإنتباه إلى قرية محصنة تعود إلى القرن الثالث عشر، أو إلى كروم مشهورة، أو إلى مناظر طبيعية في منطقة ما.

منذ ثلاثين عاماً كانت الطرق الوطنية والإقليمية والسكك الحديدية تحترق حميمية الحياة اليومية. كان طريق السيارات يتعارض مع طريق القطارات، أما اليوم فقد فرض على الطرق الإقليمية أن تلتف حول مناطق التجمعات السكانية، في حين كانت تتحول في السابق إلى شوارع داخل المدن والقرى، فتحفها على جانبي الطريق واجهات المنازل.

مسافر اللا أمكنة

مسافر اللا أمكنة هو الذي تجتاحه الصور التي تعرضها بإفراط المؤسسات التجارية ووسائل النقل أو البيع، يختبر بشكل متزامن تجربة الحاضر المستمر ولقاء الذات.

تقوم محطات الإذاعة الخاصة بالدعاية للمحلات التجارية الكبرى، كما تقوم المحلات الكبرى بدورها بالترويج لمحطات الراديو الخاصة. ومحطات التزود بالوقود في العطلات تهدي رحلات إلى أوروبا واميركا وتطلعنا الإذاعة على النتيجة. تنشر مجلات شركات الطيران الإعلانات عن الفنادق، التي تروج بدورها لشركات الطيران.

الإرهاب واللا أمكنة

إذا كانت المطارات والمتاجر الكبرى ومحطات القطارات هي الهدف المفضل للهجمات ( هذا إذا لم نقل شيئاً عن السيارات المفخخة ) ، فهذا يعود بلا شك إلى مسألة الفاعلية، إذا صح هذا التعبير . ولكن ذلك يعود أيضاً إلى أن أولئك الذين يطالبون بتكييف اجتماعي جديد وبمواقع جديدة، لا يمكنهم أن يروا في تلك الأماكن إلا نفياً لمثالهم الأعلى، فاللامكان هو عكس اليوتيوبيا، إنه موجود ولكنه لا يضم أي مجتمع عضوي.

المؤلف ( مارك أوجيه ) هو أحد أشهر الأنثربولوجيين المهتمين بالحياة اليومية المعاصرة، وهو يفتح في هذا الكتاب، آفاقاً جديدة لأنثروبولوجيا الحداثة المفرطة التي يتوقع أن يتوجه الباحثين إلى دراسة نمط جديد من الفردانية ومن عزلة الإنسان المعاصر.

اقرأ أيضاً: الفنون السورية … خارج النص

إقرأ أيضاً