fbpx

هنا القصة الثالثة

علاء رشيدي

مقالات الكاتب

الفنون السورية .. “خارج النص”

حين يتناول كتاب أو فيلم وثائقي الحركة الثقافية أو الفنية في بلد معين أو في مرحلة معينة من التاريخ، تتجاور التجارب الثقافية والفنية بعضها بعضاً في فهرس أو في حلقات. تصبح هذه التجارب الإبداعية التي حاولت أن تكسر الطوق والتي بدت كل منها في وقت ظهورها معزولة عن الأخرى، تصبح متقاربة، متضامنة، وبالأدق متفاعلة. فما الذي يجمع الشعر السياسي لنزار قباني في الستينات، بكتاب “سأخون وطني” لمحمد الماغوط) في الثمانينات، بتجربة صحيفة “الدومري” الساخرة في أعوام الألفين، أخيراً مع الفيلم الوثائقي “طوفان في بلاد البعث”، 2003 للمخرج (عمر أميرالاي).؟
“خارج النص” هو سلسلة وثائقي من إنتاج قناة الجزيرة، تعنى بالإضاءة على التجارب الإبداعية العربية التي واجهت حال صدورها صعوبات مع الرقابة الشعبية أو السياسية في العالم العربي، نقرأ في المقدمة التعريفية للبرنامج: “هم كتّاب وفنانون غردوا خارج السرب، وأبدعوا خارج النص المألوف، فشكلت إنتاجاتهم الحدث وأثارت الجدل حد منع الكثير منها من التداول والنشر. “خارج النص” متابعة تقنية لتفاصيل السجل الثقافي والسياسي التي طاولت عدداً من الأعمال الأدبية والفنية بالوطن العربي والعالم”.
هوامش على دفتر النكسة، 1976:
بعد أن عرف الشاعر السوري نزار قباني (1923– 1998)، في المرحلة الأولى من إنتاجه الشعري بالشاعر العاطفي الغنائي، كان العدوان الإسرائيلي على كل من مصر والأردن وسوريا عام 1967، هو الحدث التاريخي الذي لعب دوراً أساسياً في تحول إنتاجه الأدبي إلى الإلتزام السياسي، وهو ما يعرف اصطلاحاً بالشعر السياسي لنزار قباني.
سمح وزير الإعلام السوري آنذاك (محمد الزعبي)، بنشر قصيدة (هوامش على دفتر النكسة) في الصحفة الأولى لصحيفة البعث مما شكل حدثاً للنقاش والتداول من قبل الرقابة والنخبة الثقافية: “أنعي لكم يا أصدقائي، اللغة القديمة، والكتب القديمة، أنعي لكم، كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة، ومفردات العهر والهجاء والشتيمة، أنعي لكم، أنعي لكم، نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة”، اعتبرت القصيدة بداية المرحلة السياسية في شعر نزار قباني.
وهكذا انتقل نزار قباني إلى نقد واقع القمع العربي برمته، في قصيدة مثل “القصيدة الدمشقية”، حين يكتب : “أقاتل القبح في شعري وفي أدبي، حتى يفتح نوار وقداح، ما للعروبة تبدو مثل أرملةٍ؟ أليس في كتاب التاريخ أفراح؟ والشعرُ ماذا سيبقى من أصالته؟ إذا تولاه نصابٌ ومداحُ ؟ وكيف نكتب والأقفال في فمنا؟ وكل ثانية يأتيك سفاحُ ؟”، منها إلى نقد تقديس السلطان وعبادة الحاكم، في قصيدة مثل “السيرة الذاتية لسياف عربي” عام 1988، حين يكتب : “أيها الناس… لقد أصبحت سلطاناً عليكم، فاكسروا أصنامكم بعد ضلال واعبدوني، إنني لا أتجلى دائماً… فاجلسوا فوق رصيف الصبر حتى تبصروني، احمدوا الله على نعمته… فلقد أرسلني كي أكتب التاريخ، والتاريخ لا يكتب دوني”.
سأخون وطني، 1987:
بتشجيع من الناشر اللبناني رياض الريس، نشر الشاعر والمسرحي السوري محمد الماغوط (1934- 2006)، كتابه النثري الساخر عام 1987 تحت عنوان أثار الجدل وأضاء على الجانب الساخر من أدبه، كان العنوان : “سأخون وطني، هذيان في الرعب والحرية”.
نقرأ في مقدمة الكتاب بقلم القاص السوري زكريا تامر: “في هذا الكتاب الأسود، الجميل، الممتع، المؤلم، الساخر، المرح، ينجح محمد الماغوط في الجمع على أرض واحدة بين الليل والنهار، بين الأمل واليأس، بين مرارة الهزائم وغضب العاجز، ليقدم صورة لما يعانيه الإنسان العربي من بلاء من سياسييه، ومثقفيه، وجنده، وشرطته، وأجهزة إعلامه، مكثفاً ذلك البلاء الكثير الوجوه في بلاء واحد هو فقدان الحرية”.
في نص “طوق الحمامة” من نصوص الكتاب، نقرأ كيف ينتقد محمد الماغوط الفكر والثقافة العربية التي لا تعرف إلا الخوف، وتخفي مشاعرها الحقيقية لما تحبه من فنون: “هل يمكن يا حبيبتي أن يقتلني هؤلاء العرب إذا عرفوا في يوم من الأيام أنني لا أحب إلا الشعر والموسيقى، ولا أتامل إلا القمر والغيوم الهاربة في كل اتجاه. ولكن من أين لهم أن يعرفوا عني مثل هذه الأهواء، وأنا منذ الخمسينات لا أحب الشعر أو الموسيقى أو السحب أو القمر أو الوطن أو الحرية إلا متلصصاً في آخر الليل، وبعد أن أغلق الأبواب والنوافذ وأتأكد من أن كل المسؤولين العرب من المحيط إلى الخليج قد أووا لأسرتهم وخلدوا للنوم”.
جريدة الدومري، 2001:
في 24 آذار (مارس) 2001، رأى النور العدد الأول من جريدة الدومري، وكانت أول صحيفة سوريّة خاصة تصدر منذ أربعين عاماً. لقد حصل فنان الكاريكاتير المتميز (علي فرزات) على رخصة بإصدار صحيفة، فاختارها ذات أسلوب ساخر، مطعمة بالعديد من رسومات فنان الكاريكاتير نفسه، التي غالباً ما تناولت موضوعات القمع العربي، والأنطمة السلطوية، وكذلك الفساد الإداري، وعدم المساواة في الحقوق والكسب المالي بين المواطنين. كان للدومري الأسبوعية نجاح كبير في الشارع السوري، وأقبل عليها القراء حتى أصبح من المتعذر الحصول على أي عددٍ منها بعد ساعات قليلة من صدوره.
نقرأ مقتطفات من أسلوب الدومري الساخر، عن النهج الأمني المعروف بالأنظمة العربية: “أنشئ مؤخراً مركزٌ فنيٌ لمراقبة الأحلام، حيث ستتم مراقبة المنامات كافةً، من قبل جهاز أمني مدرب على أحدث الطرق لكمش الأحلام، نرجو من المواطنين كافةً الإسراع بتسجيل أحلامهم لدى شرطة الاستيقاظ، لمنحهم تراخيص يتسنى لهم بموجبها رؤية الأحلام”. ونختار مادة أخرى منشورة في الصحيفة للتدليل على أسلوبها النقدي: “لقد تعاملت معنا على أننا الخصم، والمضحك أننا صدقنا بأننا نحن الخطر الذي يهدد الوطن، صمتنا، وقبلنا أن نتمدد مسحوقين، ملويي العنق، داعين لله ضد كل عدو يهدد الوطن، لأن الوطن غالٍ”.
وبعد أن منعت طباعة الجريدة، ومن ثم توزيعها، حضر علي فرزات بالتعاون مع حكم البابا عدداً أطلق عليه اسم “عدد انتحاري”، بمعنى المغامرة الأخيرة بتحدي الرقابة، ونشر تحت عنوان: “عدد الإيمان بالإصلاح”، وفي تموز (يوليو) من عام 2003، تم الختم بالشمع الأحمر على مقر الجريدة، بعد أن أصدرت 116 عدداً، كانوا مرحلة فارقة في تاريخ الصحافة السورية ولا شك.
طوفان في بلاد البعث، 2003:
يتيمز المخرج السوري عمر أميرالاي (1944– 2011)، بتجربته الإبداعية في مجال السينما التسجيلية، من أفلامه المعروفة: “صديقي ميشيل سورا” 1996، “هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يتحدث عنها المرء” 1997، وهو فيلم مع المسرحي السوري الراحل سعد الله نوس، وكذلك الفيلم التسجيلي الذي صوره عن رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، بعنوان “الرجل ذو النعل الذهبي” 1999، وفيلمه الأخير “طوفان في بلاد البعث”، 2003.
يتناول الفيلم الآثار المترتبة على بناء سد الفرات، من خلال الكاميرا اللماحة والموشاة أيضاً بإيحاءات ساخرة، وهي تجول في قرية الماشي الصغيرة، التابعة إدارياً لمحافظة الرقة بعد بناء السد. يعرض الفيلم لمقابلات مع طلاب ومعلمين من المدرسة الحكومية المتواجدة في القرية، وهكذا يضيء على الجوانب السلبية من النظام التعليمي الذي يمحي فردية الطالب، ويصنع مواطناً يردد على الدوام شعارات الوطن والحرية من دون أن يتحصل على هذه الميزات ومن دون أن يمارسها.
الصمت والصخب، 2004:
رواية للكاتب نهاد سيريس، صدرت عن دار الآداب عام 2004، قال الكاتب عنها: “لقد لمحت مرة في مشفى حكومي، وقريباً من غرفة حضانة الأطفال، مكبر صوت كبير، يصدح بالأغاني الممجدة للحاكم، هكذا أتتني فكرة كتابة رواية، رواية عن الصخب والصمت. الصمت لنا والصخب للزعيم”.
ترصد الرواية أربعاً وعشرين ساعة من حياة الشخصية الأساسية فيها (فتحي شين)، الصحافي والإعلامي الذي عزل من منصبه لرفضه تمجيد الزعيم، وتعرض لقمع السلطات لأنه رفض الاشتراك في الدعاية له، ففرض عليه الصمت. وهكذا يلزَم بالصمت كل من هو ناقد أو مختلف، بينما يخيّم الصخب على الجماهير الغفيرة التي تهتف وتمجد بالديكتاتور.
نقرأ من مقاطع الرواية: “منذ أن استلم الزعيم السلطة، تحولت الموسيقى إلى فن وطني، لم تعد فناً للفن، حتى أن المثقفين الذين اعتاد الناس ظهورهم عبر التلفزيون وفي الإذاعة، راحوا يهاجمون نظرية الفن للفن. فالموسيقى ليست للتذوق، وليست لصقل الروح والنفس، ولا للتأمل ولا لرهافة الأحاسيس، بل هي للحماسة فحسب. يقول الزعيم على الموسيقى أن تلعب دورها في تحفيز الجماهير، ومن أجل ذلك فقد تراجعت إلى الصفوف الخلفية موسيقى الطرب والموشحات، وحلت محلها موسيقى المارشات العسكرية”.
هذي هي نماذج من الفن السوري الذي تناولته سلسة وثائقي الجزيرة (خارج النص)، نذكر أن الوثائقي ليس مقتصراً على معالجة الفنون السورية، بل هناك العديد من الأعمال التي تمتد على كامل الجغرافيا العربية، نذكر منها الحلقات التالية: (رواية موسم الهجرة إلى الشمال، الطيب صالح ، السودان)، (كتاب نقد الخطاب الديني، نصر حامد أبو زيد، مصر)، (كتاب الحريم السياسي، فاطمة المرنيسي، المغرب)، (رواية برج الرومي أبواب الموت، تونس)، (فيلم شو صار، ديغول متري، لبنان).

إقرأ أيضاً