fbpx

هنا القصة الثالثة

حسام عيتاني - كاتب لبناني

حسام عيتاني - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

الفساد الصغير وأخوه الكبير و”حزب الله” بينهما

الحرب الشاملة على الفساد التي اعلن الامين العام لحزب الله حسن نصر الله أن نواب الحزب سيخوضونها ضمن اطار يشرف نصر الله شخصيا عليه، تدعو الى ما يزيد عن التعجب والدهشة. المفترض ان السيد يعرف تركيبة لبنان السياسية ودور الفساد كعنصر جامع لها ما يجعل من أي مقاربة لمكافحة الفساد بمثابة الحرب على كل الجماعة الحاكمة في لبنان وأولهم قادة في الحزب وحلفاء لهم بالإضافة الى شرائح من اللبنانيين المتطفلين على فتات ولائم الفساد.

لم يقدم نصر الله في خطاب القاه بمناسبة تحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي، تعريفاً وافياً للفساد مكتفياً بوصف خارجي له، فهو “مستشر” و”المرض الخطير الذي قد يودي بجسد الدولة والمجتمع” وقد “يجلب العداوات” الجديدة للحزب ويثير حساسيات داخلية. وما من شك في أنّ الأمين العام يعرف أن الفساد لا يُكافح على طريقة الحملات على مطاعم أو متاجر تحتوي أغذية منتهية الصلاحية. فالحديث يدور هنا عن عنصر مكوّن من عناصر الاجتماع السياسي اللبناني لا تستطيع أي جهة او تيار ادعاء البراءة منه. أضف الى ذلك التنوع الشديد في ألوان وصنوف الفساد وأشكاله وتغذيته شبكات الأمان الاجتماعية التي أقامتها الطوائف بديلا عما كان يفترض أن يكون من صميم اهتمامات الدولة.

عشرات الوقائع يرويها الجنوبيون عن دور البلديات التي يتولاها الحزب في مصادرة مشاعات القرى ثم منع الاقتراب منها بحجة انها مناطق عسكرية للمقاومة. وثمة ايضا البضائع المعفاة من الرسوم الجمركية التي يقول مستوردوها إنها مخصصة للجهد المقاوم. هل يدخل هذا في باب الفساد؟ لا طبعا، بحسب منطق الحزب، لأن المقاومة حاجة ضرورية للدفاع عن البلد. ويعرف كل اللبنانيين، أن حلفاء الحزب، ضمن الطائفة الشيعية وخارجها، متورطون في فساد بنيوي، بمعنى رعاية السطو على المال العام من أجل تغذية الزعامات الحليفة وتلبية حاجات جمهورها. سيستثني الحزب هذه الحالات التي تعني الحلفاء وربما يركز على أوضاع مشابهة ينخرط فيها خصوم الحزب السياسيون، ما يضفي على حملة مكافحة الفساد التي يرعاها نصر الله سمة حزبية وطائفية استطرادا. هذا ما يُفهم من تلويح النائب عن الحزب، حسن فضل الله بالكشف عن وثائق يملكها تكفل الاطاحة برؤوس كبيرة واعادة مليارات الدولارات التي خزينة الدولة. غني عن البيان أن كلاما كهذا لا يقوله مسؤولو الحزب في العادة عن حلفاء لهم، بل عن خصوم ومنافسين معروفين.  

 

عشرات الوقائع يرويها الجنوبيون عن دور البلديات التي يتولاها الحزب في مصادرة مشاعات القرى ثم منع الاقتراب منها بحجة انها مناطق عسكرية للمقاومة. وثمة ايضا البضائع المعفاة من الرسوم الجمركية التي يقول مستوردوها إنها مخصصة للجهد المقاوم. هل يدخل هذا في باب الفساد؟ لا طبعا، بحسب منطق الحزب، لأن المقاومة حاجة ضرورية للدفاع عن البلد.

 

يمكن المضي في سرد قائمة طويلة من الاستثناءات التي قد يغض نواب حزب الله النظر عنها لأسباب سياسية براغماتية، بما يفرغ حملة مكافحة الفساد من مضمونها الحقيقي ويحصرها بعدد من ضعفاء الصلة بالمركز السياسي او بالمرجعية الطائفية التي تدير وتشرف على ديمومة الفساد باعتباره نوعا من الجباية الخاصة بالطائفة وقيادتها.

بهذا المعنى، ستكون الحملة على الفساد هذه حملة على صغار القوم الذين يعملون لحسابهم فقط ولا يراعون الحصص المعلومة لرؤساء الطوائف السياسيين. او ممن يمكن التخلص منهم من دون اثارة حنق سياسيي الصف الاول، اللهم الا اذا استدعت ضرورات الحزب الآنية فتح معركة هنا او هناك لاغراض تكتيكية.

كل ما تقدم يندرج في سياق “الفساد الصغير” إذا جاز القول. الفساد المحصور بالمال، الخاص منه والعام، والاملاك المنقولة وغير المنقولة، وليس ثمة ما يشجع في الحرب الشاملة التي توعد نصر الله الفاسدين بها، حيث ستكبر قائمة الاستثناءات لضرورات عدة لا تجد ما يفسرها وتشبه ترشيح الحزب لبعض من عتاة الفاسدين ورموزهم على لوائحه في الانتخابات الاخيرة إرضاء لحليف خارجي لا يجوز اغضابه.

بيد أن هناك من يرى فسادا آخر، “كبيرا” إذا صح التعبير، لم يتناوله نصر الله في كلمته التلفزيونية. يتعلق هذا الضرب من الفساد بنظرة الحزب الى معنى الاجتماع اللبناني والدولة والمجتمع والسيادة والحقوق العامة. من هذه عدم تناول مسائل مثل المشاركة في الحروب السورية والعراقية واليمنية وتلقي المال من خارج النظام النقدي اللبناني الرسمي ما يعني الامتناع عن دفع الضرائب والرسوم العائدة للدولة. وإدخال كميات هائلة من السلاح كانت كافية لجعل حزب الله جيشا أقوى من الجيش اللبناني وانشاء مؤسسات متعددة الأهداف تستفيد كلها من جملة من الإعفاءات الضريبية وتحميها البلديات. أضف الى ذلك خروج ودخول الاف المسلحين الى ساحات القتال في سوريا عبر معابر مرتجلة وبعيدة عن عيون السلطات على نحو حطم مبدأ السيادة على الأرض وألغى عمليا الحدود بين البلدين ما استتبع تدفق ارهابيي “داعش” و”النصرة” وغيرهما الى الداخل اللبناني.

عليه، يصعب تصور نجاح أي حملة لمكافحة الفساد تتجاوز نواطير الاحراج وبعض صغار المزورين والمرتشين، من دون أن تطرح على بساط البحث ليس دور حزب الله في لبنان وعلاقته بالدولة بل النظام السياسي اللبناني برمته. وهذه مسائل لا رغبة لأحد في تناولها لا اليوم ولا غداً.

 

 

إقرأ أيضاً