fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسين طه - صحافي كردي عراقي

ياسين طه - صحافي كردي عراقي

مقالات الكاتب

الغش في العراق يطاول “التربية الإسلامية”  

تشدد مقدمة “التربية الإسلامية” للمرحلة السادسة الإعدادية، في العراق، على أن هذه المادة، هي السبيل الأمثل، لعكس أركان الدين الإسلامي، وقيمه السامية، من خلال العملية التربوية، إلا أن تسرب أسئلة امتحانها النهائي، ولجوء وزارة التربية إلى إلغائه، وتحديد موعد آخر لإعادة الامتحان، أثارت جدلاً ثقافياً وتربوياً واسعاً حول جدوى تدريس المادة في الإعدادية. والحرج نجم عن أن “فضيحة” الغش في “التربية الإسلامية”، حصلت في ظل سلطة أحزاب إسلامية تتفاخر بحماية الدين، وفي عهد وزير تربية ينتمي إلى أقدم حزب إسلامي عراقي “محمد إقبال الصيدلي”.

تسرب الأسئلة جاء في وقت يؤدي نحو 350 ألف طالب وطالبة في العراق امتحانات الإعدادية المعروفة بـ “البكالوريا” في ظل نقص الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة، ما خلق إرباكاً في الوسط التعليمي، وسط هواجس في شأن تكرار الحالة مع المواد الأخرى في فوضى ما بعد الانتخابات بالعراق الذي يقبل على فراغ قانوني، بسبب اقتراب انتهاء عمر البرلمان والحكومة، من دون وجود خلف، بسبب احتدام الخلاف حول النتائج المعلنة.

قرار الوزارة بإعادة الامتحان، قوبل بالرفض من قبل مدونين وناشطين، لأنه يحمّل الطالب أعباء إضافية من الناحية النفسية، ويكلف الدولة مبالغ إضافية، فيما تشدد أطراف على ضرورة تقديم وزير التربية، استقالته باعتباره رئيس اللجنة العليا للامتحانات، ومسؤولاً مباشراً عن الخرق الذي حصل، ووضع مجمل العملية الامتحانية للمرحلة الإعدادية شديدة الحساسية، في دائرة الشكوك.

ذكر بعض الأهالي أن أبناءهم وبناتهم يعانون منذ أكثر من عام، ويحصلون على دروس خصوصية، وملاحق إضافية، ودورات تقوية في سبيل تحقيق النجاح، لكنهم تفاجأوا، بتسرب أسئلة “الإسلامية” التي تساهم في رفع المعدل لبعض الطلبة، على حساب آخرين.

 

 

وبحسب المصادر وما خرج عن لجان التحقيق، فإن الشكوك تدور حول محافظة الأنبار بشأن تسريب الأسئلة، فيما تحدث آخرون عن وجود قاعات امتحانات خاصة لبعض الممتحنين في هذه المحافظة التي خضعت لسلطة تنظيم “داعش”، وتشهد عودة الحياة الطبيعية إليها الآن. وكان فريق استقصائي تابع لهيئة النزاهة العراقية قد شخّص في 28 أيار/مايو الماضي، عدم وضع كاميرات المراقبة وتفعيلها داخل غرف خزن أسئلة الامتحان الوزاري، على رغم وجود توصيات بذلك، تفادياً لأي خروقات قد تحصل خلال الامتحانات.

الإجراءات التي اتخذت وتشديد الوزارة على عدم التهاون مع المقصرين لم تمنع المعنيين من فتح نقاش حول سبب اقتصار التسريب على مادة “الإسلامية”، وذهب آخرون الى المطالبة بشطب المادة من المعدل العام لطلبة الإعدادية، والعودة إلى مرحلة ما قبل التسعينات، حين كانت المادة ضمن مقررات الدراسة، من دون أن تكون ضمن امتحانات البكالوريا، قبل أن يضيفها نظام صدام حسين إلى الامتحان ضمن “الحملة الإيمانية”، حينما كانت المواجهة مع الغرب على أشدها بعد غزو الكويت.  

وتزامناً مع انشغال الأوساط التربوية والبرلمانية بمناقشة فرضيات كيفية تسرب الأسئلة والحديث عن احتمال وجود تسريبات لمواد أخرى، انشغل آخرون بالحديث عن جدوى وجود مادة تلقينية للتربية الإسلامية في مرحلة الإعدادية في بلد متنوع مثل العراق، الذي يعتبر مهداً وحاضناً للأديان والمذاهب والملل غير الإسلامية من اليهودية والمسيحية والزردشتية والايزيدية والصابئة والكاكائية. ويتركز النقاش أيضاً على أن طريقة تدريس المادة المبنية على الوعظ والإرشاد لا تتلاءم، مع مناهج التدريس الحديثة التي تركز على النقاش وتبادل الآراء واعتبار الطالب محوراً رئيسياً في العملية التعليمية، بحسب ناقدين في مجال التربية.

اقرأ أيضاً: العراق: أميركا التقت الحشد وخطوة بارزانية نحو طهران

هذا النقاش الذي أثاره تسرب أسئلة “الإسلامية” شكل محوراً للتجاذبات قبل أكثر من 10 سنوات في إقليم كردستان العراق، حينما قررت وزارة التربية الكردية تغيير مناهج التربية الإسلامية إلى دراسة تاريخ الأديان وفلسفتها، بدل المنهج القديم القائم على الوعظ والتربية، تطبيقاً لتوصيات مؤتمر عقدته حكومة الإقليم لتحديث النظام التربوي ومناهجه. وانتهى النقاش يومها بتغيير المنهج التقليدي لمادة “الإسلامية” في الإعدادية وتحويلها إلى درس تعريفي لتاريخ نشوء الأديان المنتشرة في المنطقة. لكن هذه المبادرة لم تشمل المحافظات التابعة لوزارة التربية الاتحادية التي فضلت تغيير المادة إلى تدريس مواضيع متفق عليها بين الاتجاهات الإسلامية الشيعية والسنية، كالقصص القرآنية والمواضع الأخلاقية العامة التي تحث على الصدق والوفاء وحسن الخلق والالتزام بالآداب العامة، تجنباً للحساسيات والصدامات المذهبية الكامنة في التفاصيل.

وبحسب متابعين للقضية فإن الشدّ والجذب بشأن تسرب أسئلة “الإسلامية”، لا يقتصر على الجانب التربوي والتحقيقي، بل بات ساحة للتسقيط السياسي، إذ عمد وزير التربية المنتمي إلى تيار سياسي مخالف مع تيار المتّهمين بالتسريب، إلى اتخاذ قرار إعادة امتحان المادة، على رغم تكرار الحديث كل عام عن تسرب الأسئلة من دون اتخاذ هكذا خطوة. وعلى رغم الإجراءات المتخذة وتداعياتها السياسية إلا أن ردود الفعل تجاوزت الجانب الشكلي والإجرائي إلى خطوات وزارية، وتم التركيز بشكل أكبر على “فضيحة” الغش وتسريب امتحانات مادة “الإسلامية”، في بلد يشكل الإسلام دينه الرسمي وفق الدستور، ويتفاخر أهله بأنه مهد الأنبياء والأئمة.

اقرأ أيضاً: هل استهدفت إسرائيل مقاتلين عراقيين موالين لطهران داخل سوريا؟

 

إقرأ أيضاً