هنا القصة الثالثة

حازم صاغية

مقالات الكاتب

العطل اللبنانيّ الذي يلد أعطالاً كثيرة

هناك في تركيبة لبنان، كما نعرفه اليوم، عنصر من اللاعدل يتحكّم بحياته السياسيّة: ثمّة طرف، حين ينتصر في الانتخابات العامّة، يعجز عن ترجمة انتصاره إلى قرار. هذه حال ما كان يُعرف بـ 14 آذار في انتخابات 2005 و2009.

في المقابل، ثمّة طرف، هو “حزب الله” وحلفاؤه، يملك معظم القرار من دون أن ينتصر في الانتخابات. أمّا حين ينتصر، كما حصل قبل أيّام، فيعزّز امتلاكه للقرار بمزيد من الشرعيّة.

وراء هذا الاختلال الظالم تقف عوامل أساسيّة أربعة:

أوّلاً، اعتبارات تتّصل بالسياسات الخارجيّة والإقليميّة (هزيمة الثورة السوريّة، الانكفاء الغربيّ، التراجع الخليجيّ، مقابل التوسّع الإيرانيّ – الروسيّ)،

وثانياً، اعتبارات تتّصل بتفاوت الكفاءة بين القيادات السياسيّة المتنازعة (حسن نصر الله مقابل الآخرين)،

وثالثاً، وهذا لم يحظ بحقّه من الاهتمام، رجحان كفّة المناطق الطرفيّة والحدوديّة ذات الغلبة الشيعيّة، على بيروت ذات الغلبة السنّيّة، وعلى الجبل المسيحيّ – الدرزيّ. انقلاب الوزن والنفوذ هذا إنّما نشأ عن خليط من مجاورة سوريّا ومقاومة إسرائيل.

ورابعاً، وهو الأهمّ طبعاً، السلاح.

وحين يتحكّم السلاح، مستفيداً من العوامل الأخرى المذكورة أعلاه، بالحياة السياسيّة، تغدو الأخيرة بلا معنى فعليّ. أكثر من هذا، تتحوّل إلى مجرّد قناع ملوّن على وجه السلاح البشع.

وهل السياسة، في آخر المطاف، غير بديل للسلاح ولاعتماده وسيلة في حلّ النزاعات؟

مثل هذه القناعة هي التي جعلت الكثيرين، منذ ما بعد اتّفاق الطائف بقليل، يرون بذور الوضع السلاحيّ مقيماً في الوصاية السوريّة. هكذا استنكفت المعارضة المسيحيّة عن سياسة – واجهة لا تنتج قراراً يعكس الإرادة الشعبيّة واعتمدت المقاطعة. ولئن بذل رفيق الحريري جهوداً محمومة لدفع المسيحيّين إلى التخلّي عن مقاطعتهم، ونجح في ذلك، أدّى الجلاء الإسرائيليّ في 2000، إلى اعتبار سلاح “حزب الله” العقبة الأولى والأساس أمام السياسة، وانتعش الطموح إلى تحرير السياسة من هذا السلاح.

وتلاحقت النكسات، من اغتيال الحريري إلى العجز عن استثمار انتصاري 2005 و2009 إلى انتخابات 6 أيّار (مايو) الجاري. النتائج كلّها جاءت تقطع بعقم هذه السياسة وعقم التعويل عليها.

إنّه، إذاً، اليأس من السياسة، وهو ما لا تخفّف منه أوهام “الحكم القويّ” ورئاسة الحكومة “المضمونة” لسعد الحريري (فضلاً عن التغيير عبر “المجتمع المدنيّ”).

خطر هذا اليأس أنّه سيضاعف تعلّق أبناء الطوائف بطوائفهم وتعويلهم عليها بوصفها الملاذ الأوحد والملاذ المطلق بعيداً عن كلّ شراكة مع دولة مزغولة. فما دام أنّ السياسة لا تُصرف إلا لصالح طائفة بعينها، فلتنكفىء عنها الطوائف الأخرى. وما دامت “دولة” لبنان “الواحد” لا تنتج إلاّ هذه السياسة، فليُفَكَّر، أو فليُحلَم، بـ “دول” تنتج سياسات لصالح طوائف أخرى.

لقد افتتحت “المارونيّة السياسيّة” مسار تطييف مفتوحاً على العنف والقطيعة قدر انفتاحه على التعايش والدولة. أمّا “الشيعيّة السياسيّة” فتؤسّس مسار عسكرة مفتوحاً على العنف والقطيعة ونبذ التعايش والطلاق مع الدولة. ما من إيجابيّة واحدة يمكن تسجيلها.

 

إقرأ أيضاً