fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسين طه - صحافي كردي عراقي

ياسين طه - صحافي كردي عراقي

مقالات الكاتب
مشاهدة المقالات

العزل عن العالم على الطريقة الإيرانية لمواجهة المحتجين العراقيين..

المتظاهرون العراقيون الذين ملأوا الساحات والطرقات خلال الأيام الماضية في البصرة والنجف ومدن عراقية تنديداً بالفساد واحتجاجاً على تردي العيش وجدو أنفسهم خارج التغطية ومنقطعين على العالم الخارجي. لقد تم قطع خطوط الانترنت، وحظر شبكات التواصل الإجتماعي، في خطوة غير مسبوقة على هذا النحو والنطاق في العراق الذي كان يفترض أن يكون واحة للحرية والديمقراطية بعد سقوط نظام صدام حسين.

قطع الانترنت شمل جميع مدن العراق بما فيها محافظات اقليم كردستان، وتسبب بتوقف صدور صحف عراقية لأيام، وحرمان طلبة خارج البلاد من استلام أسئلة الامتحانات من وزارة التربية، وانقطاع ملايين العراقيين المستخدمين للخدمة من التواصل مع بعضهم و الاطلاع على سير التظاهرات. هذا الاجراء أعقب نزول رئيس الوزراء، حيدر العبادي، في البصرة يوم الجمعة، قادماً من اجتماع التحالف الدولي لمناهضة داعش في بروكسل. ظهر العبادي بكامل قيافته، فيما كانت حرارة هذه المحافظة تتجاوز نصف درجات الغليان (50)، قبل أن يحاصر محتجون مقر اقامته في فندق شيراتون، وسط البصرة لترديد هتافات تندد ببؤس هذه المدينة. فالبصرة تعدّ الشريان الرئيسي لاقتصاد العراق عبر احتضانها الثروة النفطية والمنفذ العراقي الوحيد على الخليج، ومعابر حدودية حيوية مع كل من الكويت وإيران، لكنها رغم هذا تعيش بؤساً لم تشهده مدنية عراقية.

قطع الانترنت استمر يومين ليعود في وقت متأخر من ليلة الأحد، وقد بررته الحكومة بـوجود خلل“ تقني.

إلا أن خطوة قطع الانترنت أعادت للذاكرة ممارسات السلطات الإيرانية لمواجهة الاحتجاجات. فقد شمل قطع الانترنت في البداية شبكات التواصل الاجتماعي وخاصةالفايسبوك، ما دفع الناس الى استيراد اسلوب المواطنين الإيرانيين في مواجهة الأمر عبر استخدام مضادات الفلترة وتطبيقات تساعد في فك شيفرة الحظر عبر الإيهام بأن المستخدم يعيش في بلد غير العراق. تسببت هذه الاستراتيجية في انتشار ونشاط أعداد كبيرة من الوافدين والمغتربين المفترضين من شتى بلدان العالم على السوشيال الميديا العراقي، وصاحبه شكاوى من الوحشة وقلة المتواجدين في الشبكات بسبب عدم معرفة الجميع بوصفات خرق الحظر الإلكتروني.

ورغم إيجاد حل جزئي لمشكلة الانترنت عبر تطبيقات ذكية، إلا أن العنف المسلح في مواجهة المتظاهرين، واستخدام القوة والذخيرة الحية، حصد أرواح 4 أشخاص في النجف، واثنان في السماوة، وخلّف عشرات الجرحى في مدن جنوب العراق في مقدمتها الناصرية، بعد أن تسبب اقتحام المتظاهرين لمطار النجف، بخروج هذه المنشأة الحيوية من الخدمة جراء الأضرار التي لحقت بممتلكاتها، واحجام دول ومطارات تباعاً من تسيير الرحلات إلى هذا المطار الذي يُعد بوابة لزوار العتبات المقدسة في العراق، كالأردن والكويت وسلطات مدينة دبي.

وبعد العودة الجزئية والبطيئة للانترنت، انتقد ناشطون وقانونيون بشدة قطع خدمة النت وعزل العراق عن العالم، واعتبر حقوقيون الخطوة انتهاكاً صارخاً للدستور والقوانين النافذة، فيما تسائل آخرون عن الجهة التي تتحمل مسؤولية الأضرار المادية التي لحقت بالمشتركين خلال يومين من توقف الخدمة رغم دفع أجورها مسبقاً ضمن الحزم الشهرية والاسبوعية.

الحكومة حاولت تخفيف حدة الاحتقان تجاه إجراءاتهاالقمعيةعبر التعهد بتلبية مطالب المتظاهرين، وأعلنت الجهات المعنية تحت اشراف رئاسة الحكومة، خطوات على خلفية التظاهرات مثل الوعد بتأمين مياه الشرب عبر الصهاريج للبصريين، واتاحة 10 آلاف فرصة عمل في الشركات النفطية للشباب، وتخصيص ميزانيات مليارية لتعويض عما فات عن البصرة من التنمية، وتحسين كهرباء المدن المنتفضة (على حساب المستقرة نسبياً)، إلا أن هذه الوعود لم تلق اذاناً صاغية من قبل المحتجين. سبق أن تكررت هذه الوعود لذلك تسود قناعة أن هناك حاجة لمزيد من الضغط عبر تظاهرات الشارع لعلها تدفع بالحكومة لمراجعة حساباتها، فيما استهجن آخرون هذهالإجراءات الترقيعيةالتي لم تقترب من محاسبة الفاسدين رغم الحديث المتكرر عن مواجهتهم من قبل أعلى سلطة وعلى مدار العام.

ومن الناحية السياسية تسببت الاحتجاجات بحرج بالغ لرئيس الوزراء الذي يسعى إلى ولاية ثانية، لانها اندلعت في وجهه وفي آخر أيام ولايته، كما أنها شكلت فرصة ثمينة في نفس الوقت، لبسط سيطرة الحكومة على ادارة مطار النجف، بعد استيلاء خمسة أحزاب نافذة عليها عبر المحاصصة، من بين تلك الأحزاب حزب رئيس الوزراءالدعوة الإسلامية. سبق أن امتنعت تلك الأحزاب عن تسليم ادارة المطار ما فرض تعتيماً على صرف نحو ٧٠٠ مليون دولار من إيرادات المطار بسبب الإرباك الإداري وغموض المرجعية الإدارية للمطار خلال ثلاثة أعوام.

يُشبّهُ كُتاب وسياسيون أزمة البصرة بأزمة العراق التي تتفاقم بعد انتهاء خطر داعش يوماً بعد يوم، عبر احتدام التنافس بين القوى السياسية والانتخابية لكسب مزيد من النفوذ، وتنامي سلطة العشائر على حساب سلطة الدولة، وفلتان السلاح السائب في ظل العسكرة التي رافقت مرحلةالحرب ضد الإرهاب، اضافة الى صراع الحكومات المحلية مع المركز على مزيد من الصلاحيات، وسط معاداة  وتخريب لقوى لايروقها الوضع العراقي الجديد، فضلاً عن ظهور قوى اجتماعية  شبابية جديدة عاطلة عن العمل، ظهرت من خلال الاحتجاجات أنها مستعدة للتضحية بحياتها من أجل نيل مطالبها، ناهيك عن انتشار منابر للتحريض والاثارة في الآونة الأخيرة.

ورغم العوامل الداخلية التي خلقت أرضية خصبة لحركات الاحتجاج اهمها الشعور بالغبن والحرمان وانتشار البطالة، يميل آخرون إلى ربط المسببات بالجارة ايران، بدليل اقدامها على قطع الخط الناقل للكهرباء للعراق في لهيب شهر تموز/يوليو، ويعدون الخطوة  محاولة لاثارة الوضع العراقي، لصرف أنظار الأميركيين عنها ولو لبعض الوقت.

وبغض النظر عن المسببات لا يتوانى أحد عن بذل المحاولات لاستثمار الاحتجاجات وتسخيرها لمصالح فئوية، بدءاً من الحكومة نفسها التي جزمت بوجود مندسين بين المتظاهرين لا يروقهم استقرار العراق، وانتهاءً بقوى اعتبرت الاحتجاجات دليلاً على فشل حكومة العبادي، وأخرى اتخذت من اساليب مواجهتها دليلاً على عدم صلاحية هذه الحكومة للبقاء. وبين هذه الأطراف المتصارعة برزت أحاديث عن دخول العراق مرحلةالتطور المضطرببعد الاحتجاجات الدموية بسبب حراك قوى جديدة لإجراء تغيير في معادلات توزيع السلطة والثروة والامتيازات، مصحوبة بثارات سياسية، ودوافع كامنة غير مرئية في الوقت الحالي، قد تظهر ملامحها في قادم الأيام.

 

إقرأ أيضاً