fbpx

هنا القصة الثالثة

ياسين طه - صحافي عراقي

ياسين طه - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

؟العراق: هل عاد الصدر إلى حضن قاسم سليماني

في غمرة انشغال العراقيين بمتابعة تداعيات حريق مخزن صنادق الاقتراع في رصافة بغداد، فاجأ مقتدى الصدر وهادي العامري الجميع بتحالف أولي بين نقيضين شيعيين  هما “سائرون” و”الفتح”، أعلن عنه ليلة الثلاثاء. الإعلان الذي خلا من التفاصيل، وتجنب الاشارة الى قضية جوهرية وهي عقدة رئاسة الوزراء، خفف الكثير من الجدل والتكهنات بشأن احتمال انزلاق العراق الى أتون حرب داخلية دامية بسبب تقارب الأجنحة العسكرية الشيعية من بعضها بعضاً.

اجتماع تحالفي الصدر والفتح ( 101 مقعداً برلمانياً من مجموع 329)، لقي ترحيباً وتفاؤلاً، وتذمراً واستياء في نفس الوقت في الأوساط السياسية والشعبية. فبعد أيام قليلة من انفجار مخزن اسلحة في مدينة الصدر خلف العشرات من الضحايا، وبعد انتشار الدخان الأسود للصناديق المحروقة التي تضمنت أصوات الناخبين في سماء بغداد، تراجعت احتمالات الصدام بين فصائل شيعية نافذة تمتلك أجنحة عسكرية مدججة بمختلف أنواع الأسلحة، وتبحث عن حرب مقدسة لاطالة عمرها وشرعية وجودها، بعد انتفاء حجة داعش في ظل إعلان النصر على التنظيم.

ناشطون مدنيون ومنتمون لتيار اليسار عبروا عن التذمر والخيبة من تغيير تحالف “سائرون” المكون من الصدريين والشيوعي ومدنيين، وجهته من “السير نحو الإصلاح” تحت شعار “شلع قلع للوجوه القديمة” باتجاه اعادة تشكيل تحالف شيعي مذهبي على غرار “التحالف الوطني” الذي كان حاضنة للسلطة الشيعية، يضم الأطراف الشيعية الرئيسية، التي شبهها النائب الشيعي عباس البياتي اثناء الحملة الانتخابية بـ “أصحاب الكساء” من آل بيت النبوة، ولقي التشبيه في وقته حملة استهجان واسعة.

ورغم أن التحالف أعلن في النجف وفي الحنانة التي تضم مقر الصدر، إلا أن مصادر عراقية اعتبرته انتصاراً لإيران ولمسؤول ملف العراق في الحرس الثوري، قاسم سليماني، الذي كان متواجداً في العتبة العباسية في كربلاء، على بعد 60 كيلومتراً من النجف لحظة الإعلان بحسب شهود عيان.

كما تزامنت الخطوة مع تسريبات عن تواصل سليماني مع الصدر عبر وسطاء لترتيب أمور التحالف، حفاظاً على سمعة “السيد مقتدى” الذي يحمل لقب “الزعيم العراقي” ويناهض “الهيمنة الإيرانية” على القرار العراقي بشكل علني.

ورغم أن التحالف أعلن في النجف وفي الحنانة التي تضم مقر الصدر، إلا أن مصادر عراقية اعتبرته انتصاراً لإيران ولمسؤول ملف العراق في الحرس الثوري، قاسم سليماني، الذي كان متواجداً في العتبة العباسية في كربلاء، على بعد 60 كيلومتراً من النجف لحظة الإعلان بحسب شهود عيان.

وبما أن الشيطان يكمن في التفاصيل ومن غير المستبعد أن يواجه هذا التحالف الهش عقبات جوهرية فيما يتعلق بتوزيع المناصب وكيفية تسمية مرشح رئاسة الوزراء وتوزيع الحقائب الوزارية في ظل تزايد الطلب وقلة المعروض، إلا أنه وضع حداً للتفاؤل بولادة ائتلاف واسع عابر للطوائف والمكونات، بعد إعلان تحالف أولي مكتوب بين الصدر وقائمتي علاوي والحكيم. وألمحت أوساط في الفتح  الى انتهاء تملك حزب الدعوة “طابو” منصب رئاسة الوزراء التي يشغلها الحزب منذ 2005، لأن قائمتي المالكي والعبادي المنبثقتان من رحم هذا الحزب العريق هما صورة عن تشتت قوة الحزب، ولا تمنحاه حق الريادة والقيادة، بعد تراجع مقاعدهم، وجمهور الزعيمين وخسارة كبار قياداته للانتخابات، لصالح قوى شيعية صاعدة في مقدمتها الحشد الشعبي الذي حصلت قائمته على المرتبة الثانية (47 مقعداً) بعد قائمة الصدر (54 مقعداً).

وفضلاً عن التوازنات الشيعية والإسهاب في الحديث عن دور إيران في هذا التقارب من قبل أوساط سياسية عراقية وعربية، إلا أن الخوف من ضياع المقاعد والمخاطر المحدقة بنتائج الانتخابات بعد قرار البرلمان بالإطاحة بالمفوضية وتعيين قضاة للاشراف عليها، وكذلك قرار اعادة العد والفرز اليدوي كان له دور أيضاً في اتحاد الخصمين الشيعيين اللذين يرفضان اعادة فرز جميع الأصوات يدوياً ويدعوان إلى معالجة الطعون والشكوك بحلول جزئية.

وبجانب الدور الإيراني في تحقيق الخطوة على صعيد الوسط الشيعي، فإن صورة الطبخة الحكومية المقبلة غير مكتملة حتى الآن، ولا يمكن الحديث عن انتكاسة أميركية في تأليف الأغلبية البرلمانية التي تنبثق عنها الحكومة، ولحين اتضاح ذلك تستمر الماكينات الاعلامية العراقية بالترويج لاختراق إيراني نوعي عبر جمع الفرقاء الشيعة ضمن إطار واسع لمنع خسارة الأحزاب الشيعية رئاسة الوزراء بعد التشظي الانتخابي الذي شهدته الساحة السياسية الشيعية في الانتخابات.    

مراقبون وسياسيون يتوقعون أن يدفع التحالف الشيعي الجديد “المفاجيء” الأطراف السنية لمحاولة جمع أوراقها وتشكيل اتحاد أو أئتلاف يقابل الكتلة الشيعية الأكبر، وسط استمرار اطلاق التصريحات الكردية بضرورة الاتحاد ولم الشمل قبل التوجه الى بغداد رغم الصعوبات التي تعترض تحقيق ذلك، ما يعني أن المشهد السياسي القادم يعيش في مخاض انتاج التحالفات الطائفية والقومية التي يتفق الجميع على ضرورة نبذها والتخلص منها في الشعارات السياسية والحملات الدعائية، قبل  الشروع بمحاولة إنعاشها واعادة تدويرها تحت ضغط واقع الانقسام.

الشيوعيون المتحالفون مع الصدر برروا التحالف الجديد بـ “منع تعريض البلد الى مخاطر جدية، تحرق الأخضر واليابس”، لكنهم أقروا بـ “وجود الخلافات السياسية”، لكن الحزبان الكرديان “البارتي واليكيتي” سارعا الى مباركة الخطوة، وسط ترجيحات بقرب انضمامها الى التحالف بناء على تفاهمات اقليمية سابقة وسعياً منهما لقطع الطريق على خصومهم من المعارضة الكُردية.

ورغم حسم الإعلان عن التحالف وعبر مؤتمر صحفي إلا أن الأوساط السياسية والإعلامية لم تتوقف عن التشكيك بشأن كيفية معالجة التناقضات التي يتضمنها جمع الشيعة في تحالف مذهبي بدءاً من صعوبة تقارب الصدر مع المالكي بعد استمرار القطيعة بينهما لمدة عشر سنوات، مروراً بكيفية اجتماع قيس الخزعلي المنشق عن الصدر وحزبه “العصائب” الموصوف صدرياً بـ “الوقحة” مع خصمه في نفس المركب، وصولاً الى كيفية طمأنة الحراك الجماهيري وتيار التظاهرات الذي وصف بـ “راعي الاصلاح”، فضلاً عن عقدة الزعامة ورئاسة الحكومة، في ظل اخفاقات في تشكيل تحالفات شيعية قبل الانتخابات. لكن العرف السياسي العراقي أثبت خلال السنوات السابقة أن التحالفات تبنى على أسس المصالح والشخصنة والتدخل الاقليمي وتتميز بأكبر قدر من البراغماتية ولا تحكمها القواعد الفكرية والشعارات السياسية والانتخابية مثلما هو الحال في الديمقراطيات الراسخة.    

 

إقرأ أيضاً