هنا القصة الثالثة

ياسين طه

مقالات الكاتب

العراق: أميركا التقت الحشد وخطوة بارزانية نحو طهران

مشاورات تشكيل الحكومة العراقية اصطدمت بأزمة تعطيش العراق من قبل الجارتين تركيا وإيران عبر قطع مياه نهر دجلة وروافده، وبحملة كبيرة من التشكيك والطعون بنتائج الانتخابات ودعاوى التلاعب بها، إلا أنها لم تتوقف كلياً، وتخللتها محاولات أميركية- إيرانية لكسب أصدقاء الجانبين إلى معسكرهما ضمن مساعي تشكيل “الكتلة الأكبر” التي ستقدم مرشح الرئاسات، وأهمها الحكومة.

ظهر زعيم تحالف الفتح الذي يمثل قوى رئيسية في الحشد الشعبي المدعوم إيرانياً، هادي العامري، مع السفير الأميركي في بغداد دوغلاس سيليمان، وعدد من سفراء الدول الأجنبية في صورة أثارت ردود أفعال واسعة على مواقع التواصل. اللقاء الذي انعقد مطلع الأسبوع ترك وراءه استفهامات كثيرة في شأن قدرة حلفاء طهران في العراق على التماسك أمام الضغوط الدولية المستمرة لجرّهم الى أكثرية برلمانية تستثني الموالين لإيران بشكل مباشر. هذه الأكثرية لن تكون مفضلة لدى الحرس الثوري الذي يتولى الإشراف على الشأن العراقي، على رغم احتمال قبول الجانب الإيراني بها، في حال استنفاد خياراته، وعلى طريقة البراغماتية الإيرانية للتعامل مع الملف العراقي منذ 2003.

العامري كان رفض في  آذار/مارس 2016 زيارة القنصل الأميركي في البصرة ستيف ووكر، لجرحى الحشد الشعبي في المستشفى، عبر بيان مقتضب، بحجة إساءة بلاده إلى صورة مقاتلي هذا التشكيل. لكن هذه المرة فقد التقى العامري السفير الأميركي وقال في بيان، “العراق القوي منفتح على الجميع، عدا الكيان الصهيوني، ويرحب بكل من يقف معه”. وعلى رغم ربط بيان العامري الاجتماع بطلب العراق دعم العالم في مواجهة أزمة المياه، إلا أن التسريبات ومصادر متطابقة في الوسط الشيعي ذكرت أن اللقاء جاء ضمن مساعي الولايات المتحدة لعزل منظمة بدر التي يتزعمها العامري، عن تحالف الفتح، وإبعادها من حليفه الانتخابي “حركة عصائب أهل الحق” التي صُنفت أخيراً منظمة إرهابية من قبل الكونغرس الأميركي، على خلفية اتهامها بالارتباط المباشر بالأجندة الإيرانية.

وبموازاة الخرق الأميركي الذي حصل بفتح القنوات مع العامري الذي يتمتع بشعبية كبيرة شيعياً، نظراً إلى دوره في الحرب ضد “داعش”، وكذلك بنسبة من البراغماتية، قياساً بباقي قادة الأحزاب والتشكيلات الصديقة لإيران، تفاجأ المراقبون أيضاً بوجود حراك بين الحزب الديمقراطي الكردستاني المحسوب من أصدقاء واشنطن وممثلي إيران في العراق بعد قطيعة بين الجانبين وصلت إلى مستوى أزمة.

المحاولات الأميركية تهدف في النهاية إلى تشكيل حكومة وفق مصادر سياسية، بدرجة أساسية من قوائم “سائرون”، جزء من الفتح (جناح العامري)، تحالف النصر للعبادي، جهات كردية (ربما الديمقراطي والاتحاد)، وقوائم سنية ( علاوي و خنجر) ما يعني بقاء “دولة القانون” و”العصائب” و”التغيير الكردية” خارجها.

المتحدث باسم العصائب نعيم العبودي، برر لقاء العامري مع السفير الأميركي بخلفية عمله وزيراً في الحكومة، لكنه لم يخفِ رفض حركته القاطع، وهي تمتلك 15 من مقاعد “الفتح” البالغة 42، مبدأ التواصل مع أميركا والانفتاح عليها، وسط ترجيح أوساط سياسية، قبول العامري، قدراً معقولاً من الانفتاح على واشنطن وحتى السعودية، بشكل لا يغضب إيران.

حصل ذلك في ظل تسريبات عن زيارة قام بها العامري الى واشنطن قبل الانتخابات الاخيرة، كما تحدثت تسريبات عن استجابة وزير الداخلية قاسم الأعرجي، المنتمي إلى قيادات “بدر”، لدعوة الرياض وقيامها بزيارة غير معلنة في تموز/يوليو 2017، وتجوله مع السفير السعودي في بغداد، عبدالعزيز الشمري، ممسكين بيدي بعضهما، داخل عدد من أسواق العاصمة العراقية وشوارعها.

المعطيات الحالية تشير إلى احتمال انشقاق “الفتح”، إثر خلافات الزعامة بين مكوناتها، وسط نفي قادة هذا التحالف وجود هكذا احتمال، فيما يحاول حليفهم زعيم “ائتلاف دولة القانون” نوري المالكي، لململة الأطراف القريبة من هذا المحور أو المستعدة للتعاون معه، ضمن أكثرية نيابية “لا تستثني أحداً”، وفق ما قاله حرفياً للسفير الأميركي أيضاً أثناء لقائهما المشترك.إلا أن المتحدث باسم الصدر الذي فاز قائمته “سائرون” بالمرتبة الأولى (45 مقعداً)، شدد على استحالة التقاء قطار “سائرون” مع قطار “دولة القانون” في نقطة مشتركة لتشكيل تحالف واحد، مبيناً أن ذلك سيؤدي الى “تصادم وكارثة”.

وبموازاة الخرق الأميركي الذي حصل بفتح القنوات مع العامري الذي يتمتع بشعبية كبيرة شيعياً، نظراً إلى دوره في الحرب ضد “داعش”، وكذلك بنسبة من البراغماتية، قياساً بباقي قادة الأحزاب والتشكيلات الصديقة لإيران، تفاجأ المراقبون أيضاً بوجود حراك بين الحزب الديمقراطي الكردستاني المحسوب من أصدقاء واشنطن وممثلي إيران في العراق بعد قطيعة بين الجانبين وصلت إلى مستوى أزمة. وكانت الأزمة سببها توجيه رسائل واتهامات إيرانية حادة لإربيل، أثناء استفتاء 2017 وبعده، بموالاة إسرائيل والتآمر ضد وحدة العراق، وكذلك العمل ضد أمن إيران الداخلي، أدت في النهاية الى إغلاق المعابر الحدودية بين إيران واقليم كردستان في تشرين الأول/أكتوبر 2017، إلى أن اضطرت إيران إلى فتحها مطلع العام الحالي، على وقع التظاهرات التي عمّت المدن الإيرانية ضد البطالة وتردي الأحوال الاقتصادية التي شكل غلق المعابر جزءاً من أسبابها بالنسبة إلى المدن الحدودية.

فبعد زيارة وفد “الديموقراطي الكردستاني” السفارة الإيرانية في بغداد، نهاية الشهر الماضي، زار القنصل العام الإيراني شخصيات قيادية في الحزب..واستدارة “الديموقراطي” الأخيرة بدأت برسالة شخصية من بارزاني إلى قائد فيلق القدس قاسم سليماني مكتوبة باللغة الفارسية، ومحمّلة بـ”عبارات أخوية”، معزياً بوفاة والده، وتطورت إلى استقبال مكتب بارزاني، وفداً إيرانياً مشتركاً، ضم ممثلين عن الحرس الثوري ووزارة الأمن، وصولاً إلى انعقاد لقاءات دورية بين الجانبين. قد يشكل هذا المستوى من التواصل عامل ضغط ربما على أصدقاء واشنطن بعد خيبة كبيرة من الموقف الأميركي ضد الاستفتاء والخذلان الكبير الذي نتج عنه، وقد يكون ذلك بداية معادلة سياسية جديدة بين “الديموقراطي” وإيران على نحو لا يؤدي إلى معاداة واشنطن، ولا يُغضبها كثيراً، لأن الحقائق أظهرت أن النفوذ الإيراني لا يقل قوة عن الأميركي على الأرض العراقية. كما أن المرشح الأميركي المفضّل بالنسبة إلى قيادة الحكومة المتمثل بالعبادي، يشكل مصدر قلق وإزعاج للديموقراطي على رغم عدم مجاهرته به واستعداده للقبول به اضطرارياً، لأن في عهده شهد الحزب انتكاسة كبيرة، أدت إلى اضطرار مسعود بارزاني ترك موقع رئاسة الإقليم وتقبّل الإهانة من أطراف كانوا يصطفون لزيارته في مصيف صلاح الدين للحصول على تأييده في استلام منصب ضمن الحكومات العراقية التي تشكلت وفق نظام المحاصصة السياسية، وشكل الأكراد بيضة قبان في تأليفها قبل أن يتراجع ثقلهم السياسي.

 

إقرأ أيضاً