fbpx

هنا القصة الثالثة

بكر صدقي - كاتب سوري متخصص بالشأن التركي

مقالات الكاتب

الضربة الثلاثية من منظور تركيا: حسابات استراتيجية وأخرى انتخابية

تأخرت تركيا خمس ساعات كاملة قبل أن تعلن موقفها من الضربة العسكرية المحدودة التي نفذتها الولايات المتحدة وفرنسا وانكلترا، ضد مواقع للنظام السوري، عقاباً له على استخدامه لسلاح كيماوي في الهجوم على مدينة دوما، في السابع من شهر نيسان الجاري.

هذا مفهوم، بالنظر إلى حراجة التموضع التركي بين الطرفين الدوليين المتصارعين فوق سوريا. فهي، من جهة أولى، عضو في حلف شمال الأطلسي الذي تنتمي إليه الدول الثلاث التي قامت بضرب بعض مواقع النظام الكيماوي؛ لكنها، من جهة أخرى، شريك في ثلاثي آستانة، مع كل من روسيا وإيران، دولة “ضامنة” في خريطة مناطق خفض التصعيد؛ من غير أن ننسى أجندتها الخاصة في كل من منطقتي “درع الفرات” و”غصن الزيتون” حيث يتمركز جيشها بصورة مباشرة.

فقد قال بيان وزارة الخارجية التركية، صبيحة العملية العسكرية الثلاثية، أنها “عبرت عن الضمير الإنساني العالمي”!، في حين صرح الرئيس رجب طيب أردوغان قائلاً إنه “يستصوبها”. أما رئيس الوزراء بن علي يلدرم فقد ذهب في حماسته أبعد من ذلك حين تحدث عن ضرورة التخلص من نظام الأسد. هو نفسه الذي تحدث، قبل أشهر قليلة، عن بقاء الأسد ونظامه كأمر واقع، في حين كان وزير خارجيته مولود شاويش أوغلو يكشف عن “اتصالات” استخبارية لا مفر منها مع أجهزة النظام الأمنية، لبحث بعض الشؤون الميدانية.

فهل يا ترى وضعت تركيا أمام لحظة الحقيقة، فأرغمت على الاختيار بين موسكو وواشنطن، لينتهي بها الأمر إلى الانحياز إلى شركائها الأطلسيين؟

إذا عدنا إلى أرشيف الإعلام سنة واحدة إلى الوراء، سوف نجد ردود فعل تركية مشابهة تجاه ضرب الولايات المتحدة مطار الشعيرات، في السابع من نيسان 2017، بصواريخ توماهاوك. تأييد الضربة مع العودة إلى المطالبة برحيل النظام.

ليس الأمر، إذن، كما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بصدد أن الضربة الثلاثية قد أبعدت تركيا عن روسيا. ولو كان الأمر يتعلق بنوايا فرنسية للتقارب مع تركيا وإبعادها عن محور موسكو، لما كان الرئيس الفرنسي استقبل، في قصر الإليزيه، وفداً يمثل “قوات سوريا الديموقراطية” أواخر شهر آذار. وهو ما جر على فرنسا غضب أردوغان وحكومته.

يتعلق الأمر، بالأحرى، بتباين تركي – روسي ضمن إطار تحالفهما (ومعهما إيران) في مسار آستانة. يعرف الأتراك أنه لولا الغطاء الروسي لما حلموا باجتياح منطقة عفرين الكردية وطردوا منها وحدات حماية الشعب. كان لافتاً أن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف طالب تركيا بتسليم منطقة عفرين إلى “الحكومة السورية” قبل يوم من الضربة الثلاثية لمواقع النظام.

كان الموقف التركي الحقيقي من الضربة هو ما عبر عنه أردوغان، تعليقاً على دبلوماسية الهاتف مع كل من ترامب وبوتين، حين حاول لعب دور الوسيط بين الطرفين. قال أردوغان، حينها، “نحن نعمل على التهدئة” بهدف ثني ترامب عن تنفيذ تهديداته.

ولكن حين فشلت هذه الوساطة (إذا كانت قد فشلت حقاً) ونفذت الدول الثلاث تهديداتها بضرب بعض مواقع النظام، عبر أركان الحكم في تركيا عن تأييدهم، وما كان لهم غير أن يفعلوا ذلك، وإلا أغضبوا طيفاً واسعاً من القوى الدولية والإقليمية. وغامروا بإثارة استياء موسكو وطهران، مقابل إعطاء القاعدة الانتخابية (الإسلامية) لحزب العدالة والتنمية ما ترغب بسماعه.

ففي تركيا كل التصريحات الإعلامية موجهة للحسابات السياسية الداخلية، أو تأخذها في عين الاعتبار دوماً، حتى لو تعلق الأمر بشؤون خارجية بحتة. وهكذا سنرى مجموع أحزاب المعارضة تنتقد تأييد الحكومة للضربة الثلاثية، وإن كان ذلك بصيغ مختلفة اختلاف دوافع كل منها. حتى حزب الحركة القومية المتحالف مع العدالة والتنمية انتقد الضربة قائلاً إن الصواريخ القاتلة لا يمكنها أن تكون “تعبيراً عن الضمير الإنساني العالمي” داعياً إلى معاقبة النظام الذي استخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه عن طريق قرارات دولية قائمة على توافق المجتمع الدولي، وليس بعمل عسكري منفرد.

صحيح أن التأييد التركي للضربة يعبر عن مكنونات أردوغان وقاعدته الاجتماعية، تعبيراً صادقاً، أعني الرغبة في معاقبة النظام وصولاً إلى إسقاطه، لكن القيادة التركية تعرف أن “المجتمع الدولي” بجناحيه الروسي والأميركي معاً، ليس بوارد الإطاحة بالنظام أو تغييره من خلال المفاوضات. وقد استعادت تركيا، بعد تداعيات إسقاطها للطائرة الروسية قرب حدودها الجنوبية، خريف 2015، وصولاً إلى اعتذارها العلني من روسيا، “برنامج الدولة التركية الجيني الأصلي” المتمثل بما تعتبره “الخطر الكردي” سواء داخل حدودها أو خارجها في كل من العراق وسوريا. فبات همها السوري محصوراً بمكافحة الحالة الكردية في شمال سوريا. وهذا ما وضعها في موقع التناقض مع الأجندة الأميركية المقتصرة، في سوريا، على مكافحة داعش، وما استتبع ذلك من تحالف واشنطن مع وحدات الحماية الكردية.

يستبشر الأتراك خيراً من إعلان ترامب عن نيته في سحب قواته من الأراضي السورية، وإن كانوا لا يملكون خطة واضحة لمواجهة الفراغ الذي سيتركه الأميركيون بعد انسحابهم. فهذا قد يطيح، ليس فقط برغبتهم في اجتياح كل مناطق سيطرة الحزب الكردي المسلح، بل كذلك بنفوذهم الحالي في منطقتي درع الفرات وعفرين. فمصير وجودهم العسكري في هذه المناطق سيصبح رهناً بالإرادة الروسية التي من المرجح أن تطالب تركيا بتسليم ذينك الجيبين إلى النظام، على ما فعل لافروف عشية الضربة الثلاثية بخصوص عفرين.

في عودة إلى الحسابات الداخلية التي تشكل رائزاً أساس للسياسات التركية، تحققت التوقعات الشائعة أخيراً بشأن احتمال تقديم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية إلى العام الحالي، بدلاً من موعدها المقرر في خريف العام 2019. فقد طالب رئيس حزب الحركة القومية – حليف أردوغان – بإجراء انتخابات مبكرة، وحدد لها موعداً مقترحاً في شهر آب القادم. وجاء رد الحكومة بأن هذا الطلب ستتم دراسته، في حين قال الرئيس أردوغان إنه سيلتقي بدولت بهجلي للتباحث حول اقتراحه.

فقد نجح أردوغان، بمناسبة معركة عفرين، في استنهاض النعرة القومية التركية، وهو يراهن عليها في جني مزيد من الأصوات له ولحزبه. ففي تاريخ تركيا الحديث هناك سابقة تتعلق بغزو الجيش التركي لجزيرة قبرص، في العام 1974. رئيس حكومة العهد بولند أجويد بلغ أقصى ذرى شعبيته بعد الغزو، وجنى حزبه، حزب الشعب الجمهوري، في أول انتخابات عامة بعد الغزو، 41% من أصوات الناخبين، وهي أكبر نسبة ينالها الحزب في تاريخه.

أردوغان القلق من الوضع الاقتصادي ومن الاهتراء المطرد لشعبية الحزب الحاكم، يريد استغلال فرصة “الانتصارات العسكرية خارج الحدود” لترجمتها سريعاً في صناديق الاقتراع.

الغريب هو أن أحزاب المعارضة عبرت بدورها عن استعدادها لخوض انتخابات مبكرة، بنبرة الواثق من التغلب على شعبية الرئيس وحزبه الحاكم!

إنها تركيا، حيث كل شيء محتمل فيما قد تأتي به صناديق الاقتراع. ألم تكن دعوة بهجلي نفسه إلى انتخابات مبكرة، في العام 2002 حين كان حزبه شريكاً في الائتلاف الحكومي القائم، سبباً في سقوط الحكومة وصعود حزب العدالة والتنمية المؤسس حديثاً إلى السلطة؟

إقرأ أيضاً