هنا القصة الثالثة

مقالات الكاتب

الصحافة المصرية في بيت الطاعة

داخل صالة تحرير “المصري اليوم”، وقف مالكها صلاح دياب ممسكاً بيد رئيس تحريرها الجديد حمدي رزق، ثم بدأ يخطب في حشد من الصحافيين الشبان بكلمات حاسم، “إحنا مع الدولة، والرئيس، مش عايزين مشاكل خالص الفترة الجاية”.

كان هذا مشهد التعارف الأول بين رزق والصحافيين بعد أيام من الإطاحة بسلفه محمد السيد صالح من المنصب، على خلفية مانشيت “الدولة تحشد الناخبين في آخر أيام الانتخابات” الذي أزعج الحكومة وهيئاتها الصحافية، وأهال التراب على سجل محاولات الاعتراض.

رزق، المعروف بانتمائه الدولتي، كان المنقذ لملاك الصحيفة من الحملة الشعواء التي مورست ضدها، فهو أحد كتابها القدامى والعطّار الشعبي الذي يملك التوليفة السحرية التي تروق لأجهزة الدولة.

لم يحتج رزق كثيراً لإظهار مهاراته، فالعدد الأول تحت قيادته خلا تماماً من المانشيت، وحل محله بورتريه لسيدتين مصحوباً بأشعار من العامية، كما أفرد مساحات كبيرة لكتاب الرأي في الصفحة الأولى. بدا لافتاً أن الوافد الجديد يريد طمس شخصية ملامح الصحيفة ووأد أي محاولات اعتراض في الأخبار أو العناوين، وتحويلها إلى صحيفة أخرى، أو بالأحرى ضمها إلى الصحف التابعة للنظام.

“نحن في مرحلة تغيير الجلد، كلنا في الجريدة نعلم ذلك، ليس فقط على مستوى المانشيتات ورسم الصفحات، لكن على مستوى توجهات العمل والكتيبة الأساسية التي تقود العمل من الصحافيين وكتاب الرأي”، يقول م.ح، أحد الصحافيين في الصحيفة لـ”درج”. يشرح الصحافي الذي يعمل في “المصري اليوم” منذ 5 سنوات، “لن نشتبك مجدداً مع الأزمات السياسية وكذلك بالنسبة إلى مواقفنا من قضايا حقوق الإنسان والديموقراطية، فالهامش الذي اكتسبناه في السنوات التي تلت ثورة 25 يناير/ كانون الثاني تلاشى في ضربة واحدة”.

تعكس أزمة “المصري اليوم” ما حصل للصحافة المصرية في السنوات الأربع الماضية، وما ستؤول إليه في الأربع المقبلة، فلم تكن الولاية الثانية للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بدأت بعد، حتى طارد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام “المصري اليوم” و”مصر العربية” بالحبس والغرامات، بحثاً عن عودة مزعومة للمهنية الغائبة، بحسب رئيسه مكرم محمد أحمد.

وقد برزت مؤخراً مجدداً قضية حبس صحافيين والتضييق عليهم، خصوصاً بعد نيل المصور الصحفي المصري المسجون منذ 5 أعوام محمود أبو زيد “شوكان” ائزة منظمة اليونسكو لحرية الصحافة لعام 2018.

وكانت السلطات المصرية اعتقلت “شوكان” أثناء قيامه بتغطية فض اعتصام ميدان رابعة العدوية في القاهرة، وأودع في السجن منذ 14 آب/ أغسطس 2013، ولهذا يعتبر أقدم صحفي مصري داخل سجون النظام المصري، وقد طالبت النيابة العامة مطلع عام 2017بتنفيذ عقوبة الإعدام ضده.

تغيرت الخريطة الإعلامية كثيراً في ولاية السيسي الأولى، فسيطرت الشركات التابعة للجهات “السيادية” على ملكية الفضائيات الخاصة، ولجأت الحكومة إلى حجب قرابة 500 موقع إلكتروني ولاحقت صحافيين محليين ودوليين، في إطار خطتها للسيطرة على هذه المساحة التي انطلقت منها دعوات ثورة 25 يناير/ كانون الثاني وما تلاها من أحداث.

وفى تقريرها السنوي لعام 2017، قالت منظمة “مراسلون بلا حدود” الدولية إن مصر احتلت المرتبة 161 على مؤشر حرية الصحافة من إجمالي 180 دولة، في تراجع عن المرتبة 159 لعام 2016.

ويبدو أن الصحافة ستأخذ منعطفاً جديداً في الولاية الثانية، فالسياسة التي هُمشت تماماً في ولايته الأولى لن تجد لها أثراً على صحفات الجرائد في السنوات الأربع المقبلة، إذ تلقت الصحف تعليمات بتكثيف المحتوى الترفيهي والابتعاد من تغطية الأزمات السياسية التي قد تتسبب في إثارة الجدل بين الحين والآخر، وفقاً لمصادر ضالعة في صالات تحرير الصحف اليومية.

وبحسب مصادر متابعة، فالغرف التحريرية في جريدتي “المصري اليوم” و”الشروق” بدأت تكليف صحافييها بزيادة المساحات الترفيهية من خلال الأنشطة الفنية والشبابية، وتسليط الضوء على القصص الإنسانية من دون العمل على الأبعاد السياسية للأحداث. وفي الفترة الأخيرة، انضمت أزمة صحافيي “مجلة الهلال” القومية إلى وقائع الرقابة الذاتية التي تمارسها المؤسسات الصحافية في مصر الآن، إذ تقرر إيقاف 4 صحافيين عن العمل لارتكابهم خطأ في وضع اسم والدة رئيس الجمهورية داخل العدد، فقرر رئيس التحرير تغريمهم وإيقافهم عن العمل لمدة أسبوعين.

وكانت مؤسسة الهلال سحبت نسخ عدد شهر مارس/ آذار من السوق في 2 فبراير/ شباط الماضي، لورود خطأ معلوماتي في إحدى المواد المنشورة في عدد المجلة. وتضمن العدد تقريراً عن “أمهات الرؤساء”، حيث جاء اسم والدة الرئيس عبدالفتاح السيسي بالخطأ تحت صورة لسيدة أخرى. يقول رضوان آدم، أحد الصحافيين الموقوفين لـ “درج” إن واقعة الهلال تعكس حجم الرقابة الذاتية على الصحافيين، فلا يوجد أي نص في قوانين المهنة يقر بتغريم الصحافي على خطأ إداري كتعليق صورة والدة الرئيس، لأن رئيس التحرير هو من يتحمل المسؤولية الأدبية والقانونية. ويضيف آدم: “الأخطاء جزء من طبيعة العمل، وإذا خضعنا فالغرامات ستطاول كل الصحافيين وتصير سيفاً على رقابنا”. بالنسبة إلى آدم، فالهدف من الوقائع الأخيرة بشكل ضمني هو خفض السقف وتكميم الأفواه وأن تصبح حرية الصحافة من الماضي، فهي الآن تبتعد من دورها الرقابي وتروج للحاكم عند الناس بدلاً من نقل همومهم وأحلامهم إليه، ويضيف: “نعيش حالة موت أكلينيكي للصحافة”.

إلا أن أكثر ما يؤثر في عمل الصحافيين المصريين الآن هو غياب فلسفلة الخطوط الحمر التي اعتاد عليها القيمون على المؤسسات الصحفية في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك وغابت تماماً في السنوات الأخيرة.

يشرح الصحافي في جريدة “الأهرام” الحكومية خالد داود التغيرات التي طرأت على واقع المهنة التي قضى فيها 3 عقود كاملة، “أمارس الصحافة منذ 30 عاماً، وتربيت على الرقابة الذاتية والخطوط الحمر مثل عدم الحديث عن الرئيس والجيش والقضية الفلسطينية والفتنة الطائفية، أما الآن فالحد الأدنى من التعبير عن الرأي تترتب عليه نتائج كارثية”.

ثمة اختلاف آخر يبرزه داود بين الإعلام في عهد مبارك والسيسي، فالأول كان يترك مساحة للإعلام الخاص لظهور نجوم المعارضة وانتقاد الوزراء، أما السيسي فبدأ خطة تأميم الصحف والمحطات التلفزيونية منذ توليه الحكم. ويرجع داود هذه الحالة إلى شعور السيسي بهواجس كبيرة من الصحافة، لقدرتها على حشد الرأي العام ضد الأنظمة، مستدلاً على ذلك بمقولته، “يا بخت عبدالناصر الإعلام كله معاه”.

ويبدو جلياً أن ما تكرس من تعامل مع الصحافة في ولاية السيسي الأولى لن يختلف في الثانية، على رغم توقعات بعض المقربين من النظام بحدوث انفراجة في هذا المجال، كما يقول محمد سعد عبدالحفيظ، عضو مجلس نقابة الصحافيين. وذكر سعد، في مقاله في جريدة “الشروق” أن مقربين من السلطة شددوا على وجود توجه لدى الرئيس والدائرة الضيقة المحيطة به إلى إعادة ترتيب البيت الإعلامي، ورفع الأسقف المنخفضة، لكن هذه الرهانات سرعان ما تلاشت مع أزمة مانشيت “المصري اليوم” وحبس الصحافي عادل صبري رئيس تحرير موقع “مصر العربية”.

يرفض خالد داود إلقاء اللوم على الصحافيين المصريين لقبولهم بقواعد النظام، “الصحافيون لم يختاروا دخولهم بيت الطاعة كما يظن البعض، فهم تم تشكيلهم خصيصاً من قبل الأجهزة لتقديم هذا الدور لخدمة مصالح النظام”.

إقرأ أيضاً