fbpx

هنا القصة الثالثة

عمّار المأمون

مقالات الكاتب

الشعر كشاهد على المجزرة

وقف السياسي الصربي والشاعر رادوفان كاراديتش إلى جانب الشاعر الروسي إدوارد ليمونوف على تلّة “تيربيفيك” المطلة على سراييفو، تحدث كاراديتش وأصوات الرصاص من خلفه عن قصيدة كتبها عام 1971، يقول في أحد مقاطعها، “أسمعُ المصيبة تمشي/ المدينة تحترق/ وفي الدخان فوقها يحضر ضميرنا”. القصيدة اسمها “سراييفو”، ويقول إنه كان يتنبأ بالحرب حين كتبها، وأن شعره في تلك الفترة كان ينضح بالعنف والقتل ومفردات الحرب، بعد الانتهاء من القصيدة، يقوم هو وليمونوف بإطلاق النار من أعلى التلّة على بيوت المدنيين في سراييفو.
مَنح اتحاد الكتاب الروس عام 1994 كاراديتش جائزة ميخائيل شولوخوف، كون الأول له ثماني كتب منشورة تتنوع بين الشعر والرواية والمسرح، ويصف البعض شعره بأنه طليعيّ، غاضب، ومشحون بالنزعة الوطنيّة، إذ نقرأ له، “هي فرصة عظيمة/ أن أتخلى لمرة واحدة عن كل ما عرفته في حياتي/ وأرمي قنبلة يدويّة/ محشوة بضحكات رجل وحيد ذو سحنة داكنة”. نصوص كاراديتش تتبنى ملامح من السورياليّة، هي مشحونة بِالعنف بوصفه وسيلة للتحرر والوصول إلى النقاء، كونه يرفضُ النظام القائم ويسعى لنسفه. عام 1995 أدانت محكمة الجنايات الدوليّة كاراديتش بالجرائم التاليّة: ارتكاب المجازر، المساعدة بارتكاب المجازر، الإبادة الجماعية، القتل، القتل العمد، التهجير، احتجاز الأسرى، جرائم ضد الإنسانيّة، جرائم حرب، وانتهاك لاتفاقية جنيف عام 1949.
يصف الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك، ما سبق بـ”متلازمة الشاعر-المحارب”، وهي أن يمارس طاغيّة القتل في ذات الوقت يكتب الشعر ويتغنّى به، ويرى أنها ليست حصراً على كاراديتش، بل تحضر لدى سفاحي إفريقيا وأوروبا، ويمكننا القول أيضاً أنها تحضر لدى الديكتاتوريين العرب، كمعمر القذافي وصدام حسين وغيرهم الذين عرفوا بـ(قرضهم للشعر)، فالقائد العسكري الذي يمارس العنف والوحشيّة يرى في الشعر تمجيداً لذاته، كونه كفرد يمثّل نظاماً متعالياً، لا يستطيع وصفه أو الإحاطة به إلا المنتج الشعري، وكأن السفّاحين هم أشد أدباء الطليعة تأثيراً، كون كلامهم مقرون بأفعالهم.
الشعر كدليل قانونيّ
عام 2005 نشر المحامي والباحث جاي سوردوكوفسكي في مجلة “ميتشيغان” للقانون الدوليّ بحثاً بعنوان “هل الشعر جريمة حرب!”، وفيه يناقش حالة كارداتيش  كـ”شاعر محارب”، ومدى إمكانيّة استخدام شعره كدليل قانونيّ في محكمة الجنايات، لإثبات جرائم “ارتكاب المجازر” و”النية بارتكاب المجازر” و”الضلوع في ارتكاب مجزرة”، إذ يقترح أن الشعر يصلح كدليل أو قرينة، فشروط قبول الدليل في محكمة الجنايات الدوليّة مفتوحة على العديد من الاحتمالات، والمحكمة تقبل كل ما يمكن اعتباره ،”نمطاً متكرراً يعكس انتهاكات للقوانين الإنسانيّة الدوليّة”، وكل “ما يخدم العدالة” و”أي شكلٍ من الكلمات أو الأفعال التي يمكن أن تعبّر عن نمط من الأفعال ذات هدف محدد”، مشيراً إلى أن التعريف القانوني للدليل فضفاض، ويمكن أن ينطبق ذلك أيضاً على الشريط سابق الذكر والذي يلقي فيه كاراديتش الشعر من أعلى التلة.
المقاربة السابقة تنطبق على النص الشعريّ المنشور والمنسوب إلى صاحبه بصورة شرعيّة، وتفترض آلية خاصة في التعامل معه وقراءته، وتحويل محتواه وخصائصه الأسلوبيّة والموضوعاتيّة من خانة المتخيّل الشعري إلى الواقعي والحقيقي، والأخذ بعين الاعتبار أنّ لا موت للمؤلف، ونصه انعكاس حرفيّ لحياته، لتغدو القصيدة مطابقة لحياة الكاتب الحقيقيّة، إذ لا يبقى المجاز مجازاً، وما يمكن أن نقرأه من أحداث وأفعال في القصيدة يتحول إلى احتمالات يمكن تطبيقها واقعياً.
الكثير من الانتقادات يمكن أن توجه للمقاربة السابقة، أهمها مرتبطة بالشعر نفسه، فالاعتبارات القانونيّة تنفي عن الشعر صفة الشعر، ليصبح وثيقة تاريخيّة واقعيّة الدلالات، كما أن القراءة القضائيّة تخفي في داخلها مفاهيم السلطة والرقابة، وتشكّل تهديداً لحرية الإبداع والكتابة وكل أشكال التعبير الفنيّ، لكن من نتعامل معه في هذه الحالة ليس شاعراً فقط أو رجل سلطة فقط، بل “شاعراً محارباً” مسؤول بشكل مباشر عن الإبادة الممنهجة للآلاف، فهل تنطبق عليه ذات الاعتبارات الأدبيّة؟
الشعر كحدث في العالم
للإجابة عن السؤال السابق لابد من النظر للنص الشعري من منطق أدائي، performative، أي أنه يحدث تغييراً في العالم، بوصفه نوعاً من “الأفعال الكلاميّة”، أي أن البعض قادر حين ينطق بكلمات محددة على جعل هذه الكلمات ذات تأثير واقعي، كالقاضي حين يقرأ حكماً على أحدهم، أو حين يقوم قس بتزويج اثنين، فكلمات القس المعترف بها تحمل تأثيراً واقعياً كما في المثال الشهير الذي طرحه الألسني ج.ل. أوستن، لكن الشرط لكي تكون هذه الكلمات فعّالة، هي أن يمتلك الشخص الذي ينطقها سلطة واعترافاً من نوع ما يجعل كلماته المحددة هذه ذات أثر في العالم لتصبح كلماته هذه حدثاً. التعريف التقليدي السابق لا ينطبق على الشعر أو المنتج الثقافيّ، كونها  تعتبر “سوء اقتباس”، أو “كلام ليس بجديّ”، أو “ممارسة لسطلة وهميّة”، سواء من قبل الشاعر أو من قبل الكاتب، كونهما ليسا ملزمين بأن يمارسا ما قالاه واقعيّاً، فحين نقرأ شاعراً يحتفي بالعنف أو القتل، فالأمر ليس أكثر من لعب لا أساس له، لكن، ماذا لو أن “الشاعر” كان صاحب سلطة، كحالة كاراديتش، ماذا لو أن كلماته كانت ليست فقط “شعراً”، بل “تصريحات” يمتلك سلطة تنفيذها  أو أمتلك سلطة ممارستها لاحقاً، هو لا “يلعب” بالكلمات، بل قادر على تغيير حالة الواقع لجعله يتطابق معها.
المقاربة السابقة تبدو هشّة، لكن حين نأخذ السياق التاريخي والنظرية الأدائيّة والتعريفات القانونيّة، يمكن اعتبار النص الأدبيّ أو الشعري قرينة قانونيّة على “نية القيام بمجزرة” كونه يحيل إلى نسق متكرر، بالتالي، المنتج الأدبيّ بغض النظر عن “نوعه” يمكن اعتباره وسيلة للاتهام لا للإدانة، لكنه لا يكتسب هذه الصفة إلا في حال وقوع الجريمة، وارتباطها بسياق تاريخي محدد.
نعود للسؤال عن الأدب والشعر نفسهما، والإشكاليّة التي لا حلّ لها، فهل الأدب والشعر منفصلان كلياً عن الواقع، أي لا آثار لهما، خصوصاً أن المقاربة السابقة تحيل إلى مفاهيم سلطوية ورقابيّة مرفوضة كلياً، في ذات الوقت يبدو الأمر ساذجاً لو قلنا أن الشعر أو الأدب مستقلان كلياً عن السياسة بمعناها العام، وخصوصاً أن إشكاليّة النص ومؤلفه لا يمكن حسمها، والقراءة السابقة ليست جماليّة أو نقديّة، بل سياسية وقانونيّة، لكن من يمتلك سلطة تقييد قراءة نص ما، أليس في ذلك أيضاً رقابة وسلطة؟
تبدو المحاولة السابقة حذلقة، أو قراءة بلهاء للشعر العصيّ على الضبط في جوهره، لكن لنأخذ بعين الاعتبار أن المنطقة الآن تشهد قتلاً ممنهجاً، وهناك كتّاب وشعراء وفاعلين في الفضاء العام يحتفون بهذا القتل والبنى السياسية التي تمارسه، هم ليسوا محاربين، بل شعراء فقط، لم يمارسوا القتل، لكن النيّة والاعتراف بالقتل حاضرة في نصوصهم، بالتالي، ألا نمتلك الحق بأن نستخدم “شعر” أحدهم لاتهامه، حتى لو لم تحمل هذه التهم أي مرجعيّة قانونيّة أو قيمة جماليّة، فكما يمكن اتهام سفّاح واستخدام شعره كقرينة، يمكن أيضاً اتهام شاعر  أو كاتب واستحضار نصوصه كقرينة اتهام، كونه “شعرياً” يرى في الإبادة الجماعيّة خلاصاً من نوع ما.

إقرأ أيضاً