fbpx

هنا القصة الثالثة

محمد خلف - صحافي عراقي

محمد خلف - صحافي عراقي

مقالات الكاتب

السلفية الهولندية: ظاهرة تمددت مع نشوب الحرب في سوريا

تبلورت ظاهرة جديدة في حياة المهاجرين المسلمين والعرب في هولندا، اجتماعياً ودينياً، تُمكن تسميتها “السلفية الهولندية”، التي تتميز بتجاوزها التعاطف مع النهج السلفي إلى المشاركة الفعلية في النشاط السياسي في البلاد. تتمحور دعوة الجماعة السلفية الهولندية حول إعادة إحياء الخلافة الإسلامية، وجمالية الشريعة والتفسير السلفي الصارم للإسلام. في دراسته المعنونة “شبكات الدعوة السلفية في هولندا”، يقول الباحث أنيك رويكس: “إن جماعات سلفية عدة توجد في هولندا، قامت بنشاطات مكثفة بين عامي 2008- 2009 تمثلت في متابعة النقاشات السياسية العامة بين القوى السياسية الهولندية، ولكن من دون التدخل في خضم الأحداث السياسية والاجتماعية”.

ورصدت الدراسة “اقتصار نشاطات السلفيين في البداية على المشاركة في المناظرات التلفزيونية وبعض المقالات على الانترنت، كما أن غالبية الأعمال والنشاطات الأخرى موجهة إلى الجالية الإسلامية ضمن فضاءاتها الخاصة، أو في المساجد”.

قبل ذلك لم يكن السلفيون قد شاركوا أو نظموا أي تظاهرة عامة، ولهذا فإن التفسير المتطرف للإسلام والدعوات إلى تطبيق الشريعة يمكن وصفها بـ”الظاهرة المستحدثة”.

أصبحت الدعوة الإسلامية علنية مع تأسيس جماعة “ستريت دعوة” أي دعوة الشارع، وتتركز على نشر التفسير السلفي للاسلام وترويجه في الشارع الهولندي، وهو ما عده رويكس “سابقة تاريخية”. وبرأي بعض الباحثين الهولنديين” أن “جماعة هوفتاد غروب”، هي أولى جماعات السلفية الجهادية في هولندا”. وهي “شبكة من الشبان المتطرفين قادها المغربي محمد بويري الذي اشتهر لاحقاً بقتله المخرج السينمائي ثيوفان غوخ عام 2004”. ونشطت شبكات سلفية أخرى انطلاقاً من مسجد التوحيد في امستردام، ومسجد السنة  في لاهاي ومسجد الاوقاف – الفرقان، في ايندهوفن. وظهرت شبكتان سلفيتان، الأولى تجمعت حول عائلة تعرف باسم “سلام”، تقيم في تيلبيرغ، إضافة إلى شبكة ثالثة تلتف حول الواعظ الديني عبد الله بوشتي.

ومن أبرز حركات الإسلام السياسي الأخرى التي انتشرت ليس في هولندا وحدها، بل في عموم أوروبا مع بداية الثمانينات: حركة الدعوة والتبليغ، الدعوة الإسلامية العالمية الليبية، جماعة الوقف الإسلامي، حركة الإخوان المسلمين، جماعة العدل والإحسان المغربية، والجماعة السلفية للدعوة والقتال، وهي كلها سعت وتسعى إلى نشر الأيديولوجية الدينية وفرض تصورها السياسي للدين.

موسم هجرة النشطاء الإسلاميين من الشرق الأوسط

وصلت السلفية إلى هولندا في ثمانيات القرن الماضي مع هجرة النشطاء الإسلاميين من الشرق الأوسط إلى أوروبا، وكان لهؤلاء الدور الرئيسي في نشوء المنظمات السلفية وتشكلها في البلاد. إلا أن تقاطر المهاجرين المسلمين إلى هولندا بدأ في أوائل الستينات بعد أن شجعت الحكومة الهولندية هجرة الأجانب للعمل على أراضي البلاد.

توجد في هولندا أكبر جالية إسلامية بالنسبة إلى مجموع سكانها حيث يصل عددهم إلى نحو مليون شخص من مجموع 16 مليون نسمة، وغالبية المسلمين ينحدرون من أصول تركية ومغربية. وكان عام 1975 شهد تشييد أول مسجد في العاصمة امستردام، ومن ثم بنيت مساجد أخرى بأموال دول عربية خليجية ارتفع عددها لاحقاً إلى أكثر من 500 مسجد في أنحاء البلاد و500 مدرسة إسلامية ابتدائية تضم نحو 10 آلاف طفل وطفلة ومدرسة ثانوية في امستردام وأخرى في روتردام، إضافة إلى جامعتين إسلاميتين في روتردام.

لاحظ تقرير “الاستخبارات والأمن العام الهولندي” أن “هذه المساجد لم تكن عامة ومتاحة لكل الجاليات العربية الإسلامية، بل انقسمت إلى مساجد للمغاربة وثانية للأتراك وثالثة للباكستانيين الخ. ولم يعد دورها مقتصراً على الشعائر الدينية، بل تحولت إلى بؤر ومراكز لإنتاج ونشر الفكر الجهادي والتكفيري والترويج للكراهية والعداء للأنظمة العلمانية الديموقراطية”.

أنتجت الظاهرة المستحدثة (السلفية الهولندية) مع تنامي التيار واجتذابه الأعضاء والأنصار والداعمين، جماعات سلفية جديدة ناشطة سياسيا ذات توجهات متطرفة من بينها: “الشريعة من اجل هولندا” و”جماعة خلف القضبان”، وهاتان الجماعتان مع حركة “ستريت دعوة” استغلت أجواء حرية التعبير للترويج لأفكارها وتوجهاتها الدينية والأيديولوجية، حيث عقدت مؤتمرات صحافية قدمت فيها للصحافيين أبرز قادتها، كما قامت لاحقاً في تنظيم حركات احتجاجية وتظاهرات كان لبعضها تبعات وإفرازات سياسية وأمنية اضطرت بعدها أجهزة الأمن والشرطة إلى اتخاذ إجراءات محددة لتحجيم الظاهرة، إذ قامت في يونيو/ حزيران من عام 2012 باعتقال أحد أعضاء جماعة “الشريعة من اجل هولندا”، بعد مؤتمر صحفي عقدته في امستردام بتهمة “توجيه تهديدات علنية إلى رئيس (حزب الحرية) القومي اليميني المتطرف والمعادي للاسلام خيرت فيلدرز ووصفه بـ”كلب الروم” الذي سيتم التعامل معه كما تم التعامل مع أمثاله”. في محاضرة له في منتدى سياسي في معهد واشنطن عام 2014 عن “التغير المفاجئ والهائل للجهادية في هولندا”، قال مدير “وكالة الامن والاستخبارات العامة الهولندية” روب بيرثولي أن وكالته تدرس منذ أوائل الألفيه الثانية الأشكال المتعددة للحركة الجهادية في هولندا وبالتحديد الجهاد القائم على العنف، وأضاف: “كانت حركة الجهاد الناشئ في هولندا في البداية هادئة واقتصرت على شبكات صغيرة ومعزولة تروج لأفكار جهادية بشكل نظري، من دون أن تحقق أهدافاً تذكر من الناحية العملية”. وأوضح أن “دور الاجهزة الامنية تميز آنذاك بالبساطة والسهولة وتركز على العثور على الأشخاص الذين يرغبون في أن يكونوا مقاتلين، وإقناعهم بالعدول عن نيتهم وعزمهم، وهو أسلوب غالباً ما كان يتكلل بالنجاح”.

تحولات السلفية الهولندية

الظاهرة السلفية الجهادية في هولندا شهدت تبدلاً جذرياً في أوائل عام 2013، وحدث ذلك في غضون أشهر قليلة مع مغادرة مئات الهولنديين من أصول عربية وإسلامية إلى سوريا للجهاد في صفوف الجماعات المسلحة. وأقر بيرثولي بأن “هذا التغير فاجأ الجميع”. وقدرت تقارير الاستخبارات الداخلية الهولندية أن الجهاديين الهولنديين المشاركين في الصراع الأهلي في سوريا بالمئات، مقابل آلاف من المتعاطفين والانصار.

مجموعة متنوعة من التطورات المركزية وقفت وراء تبني الجماعة السلفية في هولندا العنف والانتقال إلى الجهاد في سوريا، بخاصة بعد أن

أصبح الصراع يوحي للجهادييين المحتملين بجاذبية أيديولوجية واضحة، وهي بحسب تقرير وكالة الأمن والاستخبارات العامة:

  • اكتساب الإسلاميين المتشددين حرفية متقدمة في نشاطاتهم السياسية والأيديولوجية، وتحديدهم الدقيق للأخطاء المرتكبة وتحويلها إلى دروس للمستقبل. يشير بيرثولي إلى “تعليم الاسلاميين المتوجهين إلى سوريا المراوغة والكذب، فلقد لجأوا إلى إبلاغ السلطات الأمنية بأنهم ذاهبون للمشاركة في حفل زفاف أو لرؤية أقاربهم، ما ينزع من أيدينا اي أدوات قانونية لمنعهم من السفر”.

  • ساعدت الشبكات عبر الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي في تسهيل عمليات السفر إلى سوريا والعراق وتعليم صنع المتفجرات.

  • اعتمد الجهاديون الهولنديون أساليب رفاقهم في بريطانيا وبلجيكا في التعبير عن آرائهم ووجهات نظرهم بطرق استفزازية، ولكنها في إطار القوانين النافذة والمعايير التي تحددها القيم الديموقراطية الأوروبية، حيث ظلوا يحرصون على تجنب الخطاب الذي يؤدي إلى عقاب جزائي.

  • الدقة والمرونة في تسخير وسائل الإعلام الاجتماعية للترويج ولنشر أفكارهم الجهادية والدينية، بشكل أدى إلى حركية دائمة في عمليات التفاعل، إذ تحولت الرسائل التي كانت عمودية من قائد إلى أتباعه، إلى أفقية أكثر بكثير، فتعدد المراكز يعني أن الرسائل تصدر بشكل دائم عن كثيرين وتصل إلى كثيرين، بدلاً من أن تصدر من شخص واحد وتصل إلى كثيرين. هذا قاد بدوره إلى أن تصبح عملية التطرف بحد ذاتها أسرع بكثير عما كانت عليه في السابق.

  • تطورت دينامية الحركة الجهادية باعتمادها مفهوم الاحتشاد الذي يلوذ بسلوك الأسراب، فهي غير مركزية وسريعة ومرنة، ويعمل الأعضاء بشكل مستقل مع تمتعهم جميعاً بفهم وغدراك واضح للهدف المطلوب تحقيقه، وهذا جعل الحركة أقوى وأكثر مرونة. يقول بيرثولي: “تستطيع قوات الأمن أن تعرقل عمل الجهاديين الأفراد، إلا أنها غير قادرة على أن تؤثر بشكل دائم في الحركة ككل”.

السلفية حاضنة للجهادية

أصبحت الحركة السلفية الهولندية خلال السنوات السبع الأخيرة أرضية إضافية حاضنة للجهادية، فبعد أن كان السلفيون في السنوات السابقة ينشرون الدعوة المجردة من الخطاب العنفي، راح الشباب السلفي والدعاة الأجانب خارج المساجد يدعون إلى الجهاد القائم على العنف. وبرأي الباحثة الانثربولوجية الهولندية إنيكا روكس إن “الدعاة الأجانب الذين تميز خطابهم بتطرفه الحاد، كانوا اكثر جاذبية بكثير للشباب المسلم سريع التأثر، ما دفع الائمة المحليين إلى اعتماد مواقف أكثر تطرفاً من هؤلاء، بهدف الحفاظ على أتباعهم ومريديهم”.

في دراسة نالت من خلالها شهادة الدكتوراه في جامعة “أمستردام”، أجرت روكس عدداً كبيراً من المقابلات والحوارات مع أعضاء الجماعة السلفية في هولندا ورموزها، وتتبعت أنشطتهم ومؤتمراتهم وندواتهم العامة، وتوصلت إلى استنتاجات عدة مهمة، حددها الباحث عبد الحفيظ الشريف في:

  • إن الجماعات السلفية الهولندية تتميز بدينامية وحركية مستمرة، وتقوم بتبديل منتظم لطرائق التعامل مع ما تسميه الثوابت التي قامت عليها طريقة تفكير أفرادها وانصارها، هذا إضافة إلى تطور وسائلها المعتمدة على مستوى تبليغ الفكرة أو على مستوى استقطاب الأعضاء وتهيئة الأرضية التي تراها مناسبة وآمنة.

  • إن أعضاء الجماعات السلفية يتميزون بأنهم من أكثر الجماعات اندماجاً في المجتمع الهولندي لسببين: الأول إتقانهم اللغة الهولندية، والثاني: الاستقلالية المالية للافراد والمؤسسات.

  • إن سطحية فكر هذه الجماعات جعلها الأكثر استقطاباً للشباب المسلم من الجيل الثاني والثالث والمتحولين للإسلام.

  • إتقان عناصر هذه الجماعات وافرادها استخدام التقنيات الرقمية الحديثة وتوظيفهم الذكي لوسائل الاعلام والنيوميديا وباللغة التي يتقنها أبناء البلد الأصليين، فضلاً عن امتلاك بعض الجماعات مؤسسات ومواقع إعلامية تقوم هي بتمويلها من التبرعات والتمويلات الخارجية.

  • كشفت هذه الجماعات عن مؤهلات تنظيمية وإدارية باهرة في ما يتعلق بتنظيم المؤتمرات والندوات الدولية التي يشارك فيها علماء وشيوخ كبار من دول إسلامية وعربية خليجية، في مقدمها المملكة العربية السعودية، إضافة إلى مقدرة واضحة في التشبيك الاجتماعي، وتوثيق العلاقات العلاقات بين أفرادها على مستوى واسع، ما يفرز عوائل ومجتمعات صغرى يسهل من خلالها الحفاظ على الفكرة ويستعصي اختراقها من الخارج، وغالباً ما تتحول إلى لوبيات مغلقة، ذات عادات وتقاليد متفردة.

  • تتمتع هذه الجماعات ببراغماتية ملفتة للانتباه في موقفها من الديموقراطية والمشاركة السياسية وتقبلها للأعراف الأوروبية والعمل من داخلها لتحقيق أهدافها ومصالحها المحددة.

انحسار النمطية الجهادية النموذجية

لم تعد صورة الجهاديين النموذجية موحدة كما كانت من قبل، فغالبية أنصار الجهادية وأفرادها في العشرينات من العمر، وينتمون إلى الجيل الثالث والرابع من الهولنديين من أصل مغربي. وبحسب بيرثولي “إن الأصل الهولندي لبعض الجهاديين يعود إلى قرون سابقة، وهم هولنديون مثل الأحذية الخشبية وطواحين الهواء التي تشكل رمزاً لهولندا، لكنهم مع ذلك يتجهون إلى التطرف ويسافرون إلى سوريا للجهاد”. ويضيف: “ليس جميع من يسافر من غير المتعلمين أو المجرمين، بل إن بعضهم حائز على شهادات جامعية”.

وضعت السلطات الهولندية خطة مفصلة لمعالجة ظاهرة الحركة الجهادية بين المسلمين في البلاد تعتمد اجراءات من نوع:

1-إلغاء جوازات السفر

2- رصد سفر الأفراد الذين يشكلون خطراً محتملاً عبر الحدود

3- البحث عن شبكات التجنيد وإحباط عملها وتقديمهم للمحاكمات وفقاً للأصول القانونية

4- منع التطرف وهو ما يمثل النشاط الأصعب عند التنفيذ

5- مراقبة منتديات الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وإرسال إشعارات لمقدمي خدمات الانترنت بإغلاق المواقع التي تنشر التطرف وتدعو إلى العنف والكراهية الدينية والمذهبية والعرقية.

التمويل الخليجي للسلفية الهولندية

تولي السلطات السياسية والأمنية الهولندية انتباهاً استثنائياً للتمويلات الخارجية التي تضخها هيئات ومؤسسات رسمية وجمعيات خيرية عدة ورجال أعمال كبار من دول خليجية، للجماعات السلفية في البلاد. وكانت الأموال السعودية والليبية دخلت إلى الجمعيات الإسلامية وتسببت في إحداث تمزقات وشروخات عميقة وصراعات حادة بين الجاليات الإسلامية تعدت في بعض الحالات السجالات الكلامية. ووجدت صداها في وسائل الإعلام الهولندية. ومن أبرز القضايا التي أثارت ردود فعل رسمية واجتماعية وإعلامية وقلقاً في أوساط الحكومة في امستردام قيام قطر بشراء مبنى في مدينة روتردام بمبلغ قدره 1.7 مليون يورو، وذلك من خلال المدير التنفيذي لمؤسسة الوقف نصر الدمنهوري، وأعربت مصادر أمنية عن قلقها من معلومات بلغتها تشير إلى عزم الدوحة تحويل المبنى إلى مركز تعليمي إسلامي.

وكان الدمنهوري قال في تصريح صحافي إنه ممثل رسمي لمؤسسة “النور” في ألمانيا، إضافة إلى عدد آخر من الهيئات الخيرية في الخليج وبخاصة دولة قطر. ووفقاً لما ذكره في التصريح نفسه فإن “النور” هي هيئة قطرية، وأعضاء مجلس إدارتها قطريون ولهم اتصالات وروابط مع الأسرة الحاكمة في الدوحة. وأشار إلى أن مؤسسة “الشيخ عيد بن محمد آل ثاني الخيرية” وهي واحدة من أكبر 3 مؤسسات خيرية ورئيس مجلس إدارتها من الأسرة المالكة في قطر هي التي دفعت ثمن المبنى.

وتراقب أجهزة الأمن الهولندية التحويلات المالية الخارجية التي تصل إلى المراكز الإسلامية والأفراد والجماعات لتقصي الحقائق عن معلومات عن أموال آتية من دول خليجية لتمويل دفع تكاليف نشاطات إرهابية وتسهيل سفر شبان تم تجنيدهم للقتال في سوريا والعراق في صفوف الجماعات الإرهابية.



إقرأ أيضاً