fbpx

هنا القصة الثالثة

تيم صالح

مقالات الكاتب

السلطة مقابل الولاء : كيف استثمر النظام السوري في تسليح مؤيديه؟

لو كنت مقيماً في إحدى المناطق السوريّة– حتى تلك التي تعدّ آمنة- فعليك ألا تشعر بالاستغراب أبداً عندما تجد محارباً بعتاد كامل يتجوّل بسعادة وكبرياء ملوحاً بالكلاشنيكوف في الشارع، ويشتري علبة حلوى أو بعض الخضار، على رغم الحذر والخوف الذي يثيره هذا الظهور على وجوه المارة. إلا أنك حين تنظر إلى هؤلاء المحاربين ستتبيّن بوضوح من خلال مظهرهم الخارجيّ أنهم ربما لم يحاربوا يوماً، وبكل تأكيد لم يعودوا من الحرب قبل دقائق، بل إنه يوم عادي في حياتهم في مدينة لم تخرج عن سيطرة النظام السوريّ خلال سنوات الحرب السبع، مدينة تحوّلت إلى ما يشبه لا وعي أجيال كانت لعبتها المفضلةcounter-strike ، وقد تبدأ هذه اللعبة مجدداً في أي لحظة.

تمتاز حقبة حكم البعث في سوريا بتكرار رموز معيّنة ظاهرية وملموسة، أصبحت مع مرور الزمن جزءاً من الصورة الذهنية التي من خلالها يدرك الفرد السوريّ حضور السلطة الأسدية أو وكلائها في المجتمع. تعدّ بعض هذه الرموز بمثابة أدوات ظاهرية للقدرة على فرض السلطة، ورخصة ضمنية للقدرة على القيام بكل التجاوزات التي يقدمها النظام السوريّ مجاناً لفئة من مناصريه.

تشكلّت هذه الرموز بدءاً من ممارسات العائلة الحاكمة التي كانت تجتاح مناطق السوريين كمشهد خارج عن المألوف يزرع الخوف، ويحفل الشارع السوريّ على امتداد السنوات بكمية كبيرة من الأخبار عن هذه المظاهر والممارسات، حتى أنها تكاد تشكّل جزءاً أساسياً من الثقافة السورية منذ حقبة الثمانينات.

قبل تعميم هذه الممارسات وتمريرها إلى شريحة من المؤيدين كامتياز لا يكلّف النظام شيئاً، تبدو هذه الرموز بمثابة وجه سلطويّ وهزلي لحكم البعث، يبدأ هذا المشهد بلصق صور رجال العائلة الحاكمة وأصدقائهم على زجاج السيارات، لا سيما “الفيميه” منها، ثم بالزي العسكريّ، مروراً بلغة يستخدمها هؤلاء المناصرين، وحتى درجة ارتفاع صوتهم أثناء حديثهم بين بعضهم بعضاً أو مع سكان سوريا الآخرين، وصولاً إلى السلاح.

وبالطبع فإن ظاهرة التسلّح “العفويّ” بين المدنيين، من الظواهر التي تزداد حدّة وعلانية مع أي أزمة تمّر في الشارع السوريّ، ومن عاشوا حقبة الثمانينات في سوريا لم يتفاجأوا كثيراً برؤية أحد جيرانهم يحمل سلاحه ينزل به إلى الشارع في بدايات الثورة السورية، أو يطلق نيران الابتهاج في مناسبة ما من شرفة منزله.

نقل النظام سلطة السلاح إلى أيدي جميع مؤيديه، كان استثماراً مباشراً في تقديم السلطة لهم مقابل ولائهم للدفاع عنه، وفي كثير من الحالات البسيطة يتم إشهار هذا السلاح في الشارع نتيجة خلافات شخصية وبسيطة كحادث مروريّ أو ما شابه. ويعطي السلاح حامله الصلاحية تلقائياً في مثل هذه الحالات لفرض قوته

فلطالما عمل النظام على خلق أو تحفيز عسكريّ في فترات أزماته، لينقل الرعب ويركزه بمكون عسكريّ يظهر إلى الواجهة فجأة، فيأخذ زمام الرعب عن الجميع، بدءاً بسرايا الدفاع في حقبة الثمانينات بقيادة رفعت الأسد شقيق حافظ الأسد، وهي الكتيبة التي كانت تعدّ قوة النظام الضاربة والتي كانت لها اليد الطولى في مجازر حماة وسجن تدمر ودخول القوات السورية إلى لبنان. وفي الأعوام الأخيرة شاهد السوريون نشوء الكثير من ميليشيات القطاع الخاص على يد بعض المتمولين القريبين من آل الأسد مع بداية الثورة السورية، بتوجيه النظام وقبوله الضمنيين. تقدّم هذه الميليشيات لمقاتليها أجوراً شهرية، وظهرت كتائب البعث المنتشرة في الجامعات السورية والتي يحمل فيها هؤلاء الشباب سلاحهم بفخر واعتزاز بين زملائهم السابقين في مقاعد الدراسة، في ما يشبه استعراضاً عسكرياً، فلا أحد يعرف أي حرب قد تندلع في حرم الجامعات فجأة!

تشكّلت هذه الميليشيات التي يطلق النظام عليها مصطلح “القوات الرديفة” بشكل أساسيّ نتيجة تهلهل قوة الجيش السوريّ، مع تتابع الأحداث في سوريا، إلا أن النظام السوريّ لا يتعامل مع هذا السلاح بوصفه أداة قتالية فقط، بل أيضاً بوصف حامله امتداداً للسلطة في وجه الأعداء والمتآمرين، ويخلق النظام السوريّ هذه الميليشيات بتعبئة طائفية وعقائدية تقترب من الفاشية في بعض جوانبها.

كان رفعت الأسد خلال حقبة الثمانينات القائد الرمز لهؤلاء الأفراد الذين نقلهم من مجتمعاتهم الريفية في الساحل السوريّ والغاب، إلى ضواحي دمشق التي ظهرت فجأة لاستقبالهم. استغل رفعت الأسد والنظام فقر هؤلاء الشديد ليصبحوا مقاتلين يثيرون خوف كثيرين وسخريتهم، بسبب طباعهم الريفية. وإن كان كثيرون منهم قد أصبحوا أشدّ فقراً في دمشق، إلا أنهم من دون علم منهم ربما أصبحوا إحدى أذرع السلطة داخل العاصمة، فشكلوا “غيتوهات” منغلقة تنتمي إلى ما يطلق عليه المفكّر ياسين الحافظ “ترييف المدن” وأعادوا تشكيل بيئتهم الريفية داخل نطاق العاصمة، لتشكّل نمواً هجيناً لكلا المجتمعين الريفيّ والمدينيّ.

في العام 2011، لم تحتج الثورة السورية إلى إنتاج “غيتوهات” إضافية مشابهة، بل استثمارها ذاتها، مع العلم أن رقعة التسليح اتسعت بقسوة هذه المرة، بما يوازي ازدياد قسوة المعارك وشدتها، وإن كان بغياب قائد بل بظهور قادة تمّت أسطرتهم شفهياً لدى المؤيدين عبر أحاديث عن قسوتهم في المعارك وانتصاراتهم البطولية التي تنتقل بسرعة من مكان إلى آخر، وإن كانوا– مصادفة ربما- يتعرضون للقتل تباعاً، مسببين لغطاً كبيراً حول طريقة قتلهم وتوقيته.

وفي حين أن معظم هؤلاء الشبان قد التحقوا بهذه الميليشيات نتيجة أمرين أساسيين، هما الحاجة المادية والتعبئة الطائفية التي كرسها النظام عبر السنين، مستثمراً الخوف التاريخي لدى الأقليات الدينية وبخاصة الطائفة العلوية وما يسمونه الحرب من أجل “البقاء”، إلا أن انتماءهم إلى هذه الميليشيات كان يقدمهم إلى المجتمع كجزء إضافيّ من تشكيلات السلطة، جزء أقل انضباطاً وأكثر انتشاراً. وبالتأكيد لم تعد مفاجئة أو حتى ملحوظة، المعارك الصغيرة التي تحصل في مدينة لم تصلها نيران الحرب السوريّة مثل اللاذقية، لعلّ آخرها كان الهجوم على منزل “أيمن جابر” قريب بشار الأسد ومؤسس ميليشيات صقور الصحراء، فالنظام استثمر في موقع خطر جداً على مستقبله ومستقبل سوريا، لتصبح قوة السلاح خارجة عن سيطرة النظام في أماكن كثيرة، خصوصاً مع جيوش المرتزقة التي شكلها هؤلاء المتمولين القريبين من آل الأسد، والتي يدين عناصرها لقادتهم الجدد بكامل الولاء في أي معارك قد تحدث فجأة وضد أي كان، وقد تستمرّ هذه الحروب الصغيرة وقتاً طويلاً، فالسلاح المنتشر أصبح أكثر من أن يتم ضبطه بوقت محدود.

نقل النظام سلطة السلاح إلى أيدي جميع مؤيديه، كان استثماراً مباشراً في تقديم السلطة لهم مقابل ولائهم للدفاع عنه، وفي كثير من الحالات البسيطة يتم إشهار هذا السلاح في الشارع نتيجة خلافات شخصية وبسيطة كحادث مروريّ أو ما شابه. ويعطي السلاح حامله الصلاحية تلقائياً في مثل هذه الحالات لفرض قوته، فيصبح المشهد في بعض المدن السوريّة محاكياً لما نراه في استديوهات أفلام الأكشن الأميركية، وما هو أكثر قسوة أن يصبح هذا المشهد جزءاً معتاداً ويوميّاً من حياة المدن السورية، فمن لم يمت في هذه الحرب، يُحتَمل أن يموت في غيرها.

إقرأ أيضاً