هنا القصة الثالثة

فيليكس ماركارت

مقالات الكاتب

الدول الثرية ستعاني إن لم ترحب بالمهاجرين

في يونيو/حزيران من عام 2014، قُبل شابٌ نشأَ في مزرعةٍ خارج باماكو، عاصمة مالي، البلد الذي بالكاد تتجاوز فيه نسبة من يستطيعون القراءة والكتابة 30%، في جامعة ستانفورد كطالب جامعي في الاقتصاد. بعد تخرجه، أقدم عبدالرحمن ديابات على فعل شيء استثنائي. فبعد أن استطاع أن يجوب العالم من خلال ظروف استثنائية جعلته يدرس في السنغال وجنوب أفريقيا، وكذلك العمل معلماً في كوستاريكا، عاد إلى أفريقيا.
عادة ما يوجه النقاشات حول الهجرة من يصفون أنفسهم “بالواقعيين”، الذين يركزون على الآثار السلبية لها، والذين يريدون ضبطها، ووقفها كلياً، بل هم يريدون عكس تدفقات الهجرة في بعض الأحيان. من بين هؤلاء متعصبون لمعتقد أو فكرة أو قضية، الذين غالباً ما يتمتعون بسمعة لامعة على الصعيد الدولي، ولا يريدون الاطلاع على الآثار السلبية للهجرة الجماعية عن قرب أو حتى الشعور بها. تلك المحادثات الغامرة عن الهجرة الطوعية عوضاً عن النزوح والاضطرار إلى الهجرة، تغفل نصف القصة.
ونتيجةً لذلك، طغى على وعينا الجمعي تقسيم المهاجرين إلى فئتين محددتين تحديداً دقيقاً: اللاجئون والفارون من الحرب والفقر والمرض وأشكال أخرى من المآسي، والمغتربون والمهنيون المتميزون الذين انتقلوا من وطنهم إلى بلد آخر للعمل في البنوك أو الشركات الكبرى. هذه النظرة إلى الهجرة لا تمثل بشكل صحيح الغالبية العظمى من المهاجرين حول العالم، الذين لا ينطبق عليهم أي من الوصفين. إنهم يشملون المسلمين الفرنسيين الذين استطاعوا التأقلم والتناغم مع محيطهم الخارجي في غوانزو، والأميركيين من أصل أفريقي الذين يواجهون ذلك في فرنسا، وكما في حالة ديابات، ما يواجهه الماليين في غامبيا والسنغال. وكما تصف لنا فيكتوريا باريت، طالبة السنة الأولى في جامعة ويسكونسن، وكذلك المؤسسة المشاركة للعبة فيديو الواقع الافتراضي الذي تمزج بين البرمجة والسفر، “المشكلة مع وجهة نظر الرئيس ترامب فيما يتعلق بالهجرة، أنها بالنسبة له، تسير في اتجاه واحد. إنه غير قادر على إدراك أن سياساته ستجعل الأميركيين من جيلي غير مرحب بهم في أي بلد آخر حول العالم”.
لطالما كانت الهجرة أكثر الوسائل المتاحة للتحرر، والتمكين الذاتي، والتنوير، والتعليم لدى البشرية. التصويت بقدميك، بمكان تواجدك، هو الطريقة الأكثر شيوعاً للتصويت. ما تظهره البيانات الواردة في تقرير الهجرة العالمي لعام 2018، هو أن الآثار المشتركة للثورة الصناعية الثالثة، وانتشار السفر منخفض التكاليف على نحو متزايد في كل مكان خلال السنوات العشرين الماضية، يقود عدداً هائلاً من الناس إلى تبني نمط جديد من نمط حياة الرُّحل، مغيرةً بشكل جذري من أنماط الهجرة. فقد أصبحت الظاهرة التي كانت تُعد مقامرة ضخمة، ومغيرة لكافة أوجه الحياة  في العصر الحديث، والتي كانت تتعلق في المقام الأول بالانتقال من الشرق إلى الغرب، ومن الجنوب إلى الشمال، ومن البلدان النامية إلى البلدان المتقدمة، أقل خطورة ومتعددة الجوانب على نحو متزايد.
الشباب مثل باريت بالتحديد، والذين يتأثرون بالعديد من التيارات السلبية في عالم مُسن يديره أشخاص ولدوا قبل عام 1965، والذين يزداد تقارب هويتهم محلياً وعالمياً أكثر من ارتباطها وطنياً، يدركون أن الحراك الدولي هو أحد مفاتيح ازدهارهم في القرن الحادي والعشرين، بل هو أفضل فرصة لهم لتحويل العالم إلى مسابقة جمال للبلدان، وخاصة المدن والشركات التي تتنافس على اجتذابهم.
فشلنا الجماعي في الاعتراف بهذه الاتجاهات التي تتغير بسرعة، يعني أننا لا نستمر في التعامل مع الهجرة باعتبارها قضية لاجئين، أي بعبارة أخرى، اعتبارها صداعاً يستدعي وجود هيئة دولية شاملة، كمفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين، لمجرد رصد انتهاكات حقوق الإنسان الأكثر سوءاً، دون أن تفعل الكثير لمعالجة أسبابها؛ أو باعتبارها ترفاً لا يحتاج إلى سوق مشتركة أو هيئة تنظيمية. والنتيجة المترتبة على ذلك لها ثلاث جوانب: نبوءة تتحقق ذاتياً، ما يعني استمرار تعقد الهجرة باعتبارها قدوماً غير مرغوب فيه في المقام الأول؛ وترك سوق الهجرة العالمي لمتعهدي الهجرة غير الشرعية وتهريب البشر؛ وإحساس متزايد بالعجز والإحباط والحصار بين الشباب الذين لا يجدون من يشجعهم على التنقل في أنحاء العالم كوسيلة لتطوير المهارات الريادية الأساسية للازدهار في الثورة الصناعية الرابعة.
عملية اندماج الكوكب التي صرنا نطلق عليها “العولمة” في الستينيات من القرن الماضي، دفعتنا إلى تناول عدد كبير من القضايا المتعلقة بعبور الحدود من منظور شامل متعدد الجنسيات. ولكن في الوقت الذي حققت فيه منظمة التجارة العالمية ومنظمة الصحة العالمية نتائج مذهلة في بناء أطر تنظيمية في مجالات تخصصهما، نواصل نحن معالجة ما يمكن أن تكون القضية الوحيدة العابرة للحدود، وهي الهجرة البشرية، كقضية وطنية تتطلب تدابير وطنية رئيسية. هناك وكالة تابعة للأمم المتحدة مخصصة للهجرة -المنظمة الدولية للهجرة أو IOM- تؤدي عملاً استثنائياً بالتأكيد، ولكنها في هذا الصدد هيئة لا حيلة لها، وهي وكالة لم يسمع بها الكثيرون، وتقريباً لا يستمع إليها أحد. ولا ينبغي أن يكون بناء إطار عالمي متماسك وفعال للهجرة، هدفاً إيديولوجياً، بل ينبغي أن يكون متعلقاً بتلاقي العرض والطلب وفقاً لتحليلات البيانات. وحتى في البلدان التي ترتفع فيها معدلات البطالة، لا تزال هناك ملايين الوظائف الشاغرة. فإلى متى إذاً سندع الفكر الإيديولوجي يقف في طريق المنطق الواضح الذي تستحقه هذه القضية؟
الهجرة ليست في المشكلة في حد ذاتها، بل تدفقاتها التي تدار بشكل سيء. اتجاهات الديموغرافية العالمية تعني أن أجزاء العالم الأكثر ثراء ستعاني من عواقب اقتصادية سلبية للغاية إذا لم ترحب بتدفق مزيد من المهاجرين، الذين يمكنهم الاستفادة والإسهام في تنوعها ونموها.
*فيليكس ماركارت رئيس حركة يوثونوميكسYouthonomics،  ومؤلف كتاب “الرحالة الجدد – قضية الهجرة” الذي سيصدر قريباً.
*ميكايل ريبنفيك المدير العام لوكالة الهجرة السويدية.

إقرأ أيضاً