fbpx

هنا القصة الثالثة

نصري حجاج

daraj sal

مقالات الكاتب

الخوف من المقارنة بين عنف الأسد وعنف إسرائيل

ليست المقارنة بين العنف الدموي الذي يمارسه النظام السوري ضد شعبه والعنف الدموي الذي مارسته وتمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، مدعاة للخجل أو للشعور بالذنب أو الإحساس بالسذاجة والعماء السياسي. هي مقارنة واجبة وحق من حقوق الناس المظلومين. في كل الأحداث الدموية التي عرفها التاريخ قديماً وحديثاً كان الناس يقارنون بين بطش عدو وبطش عدو آخر. وعندما يقوم الباحثون الاجتماعيون والنفسيون والمؤرخون بدراسة السلوك البشري في الحروب يلجأون إلى المقارنة بين مرحلة وأخرى وصفات العنف والمذابح التي قامت بها مجموعات بشرية ضد أخرى. في الدراسات التي تناولت مذابح قبائل الهوتو في تسعينات القرن العشرين ضد الأقلية من قبيلة التوتسي والتي قتل فيها خلال مئة يوم حوالى المليون إنسان واغتصبت آلاف النساء، كان لا بد من الرجوع بالذاكرة إلى المذابح التي ارتكبتها النازية ضد ملايين اليهود والغجر والمثليين والشيوعيين والمعاقين وغيرهم وكان لا بد أيضاً من الرجوع إلى المجازر التي ارتكبها المستوطنون البيض بحق السكان الأصليين لما يسمى اليوم أميركا الشمالية وإلى الأفارقة السود قبل القضاء على العبودية في تلك البلاد، ولا بد من تذكر المجازر التي ارتكبها الجيش الأحمر الستاليني بعد انتهاء الحرب الثانية في المناطق الألمانية التي دخلها محرراً والمجازر التي ارتكبها الجيش الأحمر الماوي في الصين ضد من سماهم أعداء الشعب الصيني.

الباحثون في كل بلاد العالم أجروا مقارنات في دراسات العنف الذي أودى بحياة مئات أو آلاف أو ملايين البشر، ولم يكن في معظم هذه الدراسات ميل لتفضيل عنف على آخر أو لتفضيل قتلة على قتلة آخرين. ولكن عندما يقارن الدارسون أو الناس العاديون في البلاد العربية عنف أنظمتهم بالعنف الذي مارسته وتمارسه إسرائيل، يهبّ القوميون من كل حدب وصوب ليشهروا سيوف مشاعرهم القومية الغوغائية ضد من يجرؤ على المقارنة بين إسرائيل والأنظمة العربية، ولا أحد من هؤلاء يسأل نفسه لماذا يلجأ الناس إلى المقارنة بين عدو قومي ونظام من عظام الرقبة القومية.

تصبح المقارنة بين إسرائيل وضحاياها المختلفين عرقياً ونظام الأسد وضحاياه الذين يجمعهم العرق نفسه، مقارنة مشحونة بالخيبة والأسى، خصوصا عندما يكون ضحايا العنف الإسرائيلي أي الفلسطينيين، يؤيدون عنف نظام الأسد ضد شعبه أو يصمتون عنه

نظر النازيون إلى اليهود كفئران وجردوهم من إنسانيتهم ونظر الهوتو إلى التوتسي كصراصير ونظر المستوطنون البيض إلى الهنود الحمر كحيوانات، وكذلك إلى العبيد كقرود، وفي كل هذه النظرات التي قدمتها مجموعات بشرية إلى أخرى، كانت هناك نزعة تجريد البشر من إنسانيتهم، وبالتالي إعلاء من المرتبة البشرية للمجموعة التي تمارس الإبادة والقتل، ما يؤسس  الصفة العنصرية المتوحشة واستباحة حيوات البشر بالقتل والإفناء، باعتبارهم أدنى مرتبة منهم.

المنظمات الإرهابية اليهودية السابقة لتأسيس دولة إسرائيل مارست هذا النوع من القتل ضد الفلسطينيين، انطلاقاً من نظرتها العنصرية تجاه السكان الأصليين في فلسطين، لا بل ذهبت في تنظيراتها إلى إنكار وجودهم كمجموعة بشرية، وكذلك وصف اليمين الإسرائيلي الفلسطينيين بالقرود وأبناء الأفاعي أي أنه نفى صفتهم البشرية، كما ذهب إلى ذلك النازيون وغيرهم من قتلة التاريخ، في وصف الآخر لتبرير قتلهم. ولو دققنا في الأمر لمعرفة لماذا يلجأ كثر من السوريين والفلسطينيين السوريين اليوم إلى المقارنة بين إسرائيل ونظام الأسد في ما يتعلق بدرجات العنف والوحشية، لتبادر إلى إدراكنا الحقيقة البسيطة الماثلة على السطح والتي لم يلتفت إليها الغاضبون من المقارنة، وهي أن أيديولوجية العنف لدى النازيين والهوتو والبيض والإسرائيليين كان هدفها مجموعات عرقية لا ينتمي أفرادها إليهم، في حين أن أيديولوجية العنف الأسدي استهدفت الشعب نفسه الذي ينتمي إليه أفراد النظام، وهنا تكمن ذروة الوحشية فإذا كانت هناك تبريرات قدمتها آلة مرعبة من المفكرين والإعلاميين والمثقفين للأيديولوجيات العنصرية، فإن النظام الأسدي قدم نموذجاً ساطعاً للوحشية التي يلجأ إليها نظام ضد كل ما هو حق إنساني للناس للتعبير عن آرائهم والمطالبة بحريتهم. من هنا تصبح المقارنة بين إسرائيل وضحاياها المختلفين عرقياً ونظام الأسد وضحاياه الذين يجمعهم العرق نفسه، مقارنة مشحونة بالخيبة والأسى، خصوصا عندما يكون ضحايا العنف الإسرائيلي أي الفلسطينيين، يؤيدون عنف نظام الأسد ضد شعبه أو يصمتون عنه، ويرفعون من شأن مظلوميتهم بحجج قومية واهية ويكثفون من شغفهم المريض في احتكار الألم، النزعة التي كانت اليهودية السياسية أسست لها في أعقاب الحرب الكونية الثانية .

 

إقرأ أيضاً