fbpx

هنا القصة الثالثة

حنان زبيس - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

“الحرقة” أو الهجرة غير الشرعية في تونس: نزيف من الأرواح لا ينتهي….

“يا علي سلّم على أمي وقل لها إن ابنك رجل، سيحرق (يسافر بطريقة غير شرعية) ويصل إلى إيطاليا وسيهديك عمرة… لا تخافي المركب خرج بنا من قرقنة سالمين”.. هذا نص الرسالة التي تركها أحد ركاب قارب الموت الذي غرق في سواحل جزيرة قرقنة (248 كلم من العاصمة) وهو يحمل على متنه نحو 200 مهاجر غير شرعي كانوا متوجهين نحو السواحل الإيطالية، فمات منهم 83 شخصاً، من بينهم كاتب الرسالة. كانت فاجعة بأتم معنى الكلمة أفاق عليها التونسيّون يوم الأحد 3 حزيران/يونيو 2018، لتعيد إلى الأذهان معضلة الهجرة غير الشرعية في تونس وتفاقمها بعد الثورة، في ظل عجز الدولة عن إيقاف هذا النزيف البشري.  

يتواصل البحث عن جثث الغارقين في سواحل قرقنة من قبل قوات الأمن البحري، على رغم أن أمل العثور على جثث جديدة أصبح يتضائل يوماً بعد يوم، نتيجة التيارات البحرية الكبيرة التي قد تكون حملتها إلى سواحل أخرى. ولكن أمل الأهالي الملتاعين باستعادة أجساد أبنائهم لا يخبو. هكذا يظلون مرابطين في مستشفى الحبيب بورقيبة في مدينة صفاقس المجاورة لجزيرة قرقنة في انتظار وصول جثث جديدة للتعرف إليها، لعلّ ذلك يطفئ بعضاً من نيران الألم التي تشتعل في قلوبهم.

عبد الحميد المناعي (55 سنة)، سائق سيارة نقل جماعي، هو أحد هؤلاء الأولياء. فقد ابنه ذاكر المناعي (29 سنة)، في قارب الموت وكان يعتقد أن ابنه سيلتحق بعد أيام بأخيه المهندس المقيم في فرنسا. كانت آخر مكالمة له مع ذاكر صباح يوم الغرق ثم انقطعت جميع الاتصالات معه. “علمت بحادثة غرق المركب عبر التلفزيون. حاولت الاتصال به ولكن لا مجيب. وكان لا بد من ذهابي إلى المستشفى في صفاقس لأتاكد بنفسي أنه كان من جملة الغارقين”، يروي عبد الحميد بألم ظاهر.

بالنسبة إليه، فإن “ذاكر”، الحاصل على شهادة الثانوية العامة، كان مثل كل الشباب في عمره، يحلم بالوصول إلى أوروبا، حيث يعتقد أن المستقبل مضمون والحياة سهلة. “لقد تعب ابني من حياة البطالة ومن امتهان الأعمال الصغيرة، مثل نادل في مقهى أو بائع على الرصيف، التي لا تضمن له أي دخل قار، وأصبح لا يفكر إلا في “الحرقة”، يؤكد الأب بمرارة ممزوجة بالغضب، مضيفاً “لم أستطع منعه من الذهاب، وليس في هذا البلد ما يمكن أن يعطيه بصيص أمل!”. لذلك يُحمّل عبد الحميد مسؤولية موت ابنه، إلى “السياسيين الفاسدين الذين لا يفكرون إلا في مصالحهم، متناسين الشباب الذي يعيش القهر والذل، فتهون عليه حياته”.

أثارت الحادثة صدمة كبرى، نظراً إلى عدد الضحايا (83) ولكونهم من محافظات كثيرة في البلاد، ما يؤكد تفشي الإحساس باليأس لدى الشباب التونسي، من رؤية أي تحسن لأوضاعه، حتى أنه لم يعد يبالي بالموت.

“فاجعة قرقنة”

حصلت “فاجعة قرقنة” (كما أصبح يطلق عليها) عندما انقلب قارب صيد سخّره المهربون لنقل حوالى 200 مهاجر غير شرعي، معظمهم تونسيون، نحو جزيرة لمبدوزا الإيطالية (تبعد 160 كلم من قرقنة)، في حين أن القارب لم يكن يتحمّل كل هذه الحمولة. غرق المركب نتيجة تسرب الماء إليه عند الساعة الحادية عشرة ليلاً من يوم السبت 2  حزيران/يونيو، ليجد راكبوه أنفسهم في عمق البحر دون منجد. مات كثيرون منهم غرقاً وسبح الباقون نحو الشاطئ إلى أن اكتشفتهم مراكب الصيادين وقدمت عند فجر اليوم التالي فرق الحرس البحري وتمكنت من إنقاذ 68 منهم.

أثارت الحادثة صدمة كبرى، نظراً إلى عدد الضحايا (83) ولكونهم من محافظات كثيرة في البلاد، ما يؤكد تفشي الإحساس باليأس لدى الشباب التونسي، من رؤية أي تحسن لأوضاعه، حتى أنه لم يعد يبالي بالموت.

تحت ضغط الرأي العام، تحركت السلطات التونسية لتقبض على عدد من أفراد مافيات التهريب، كما تمت إقالة وزير الداخلية، لطفي براهم، إضافة إلى مجموعة من الإطارات الأمنية التي اتهمت بالتواطؤ مع المهربين وتسهيل عمليات الهجرة غير الشرعية. كما تم إعطاء الأوامر بتكثيف المراقبة على السواحل والحدود البحرية.

ولكن هل يضع ذلك حداً أمام تفاقم ظاهرة الهجرة غير الشرعية في تونس، بخاصة بعد الثورة؟

أكثر من 9 آلاف مهاجر غير شرعي في 2017

بحسب التقرير السنوي لعام 2017، الذي أعده المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فإن 9329 تونسياً قاموا بمحاولة اجتياز الحدود خلال 2017 منهم 6151 نجحوا في ذلك وتم توقيفهم على الأراضي الإيطالية و3178 مهاجراً غير شرعي أُحبطت محاولة اجتيازهم الحدود التونسية.

هذه الأرقام المفزعة ليست في طريقها إلى الانخفاض، حيث قُدّر عدد الذين حاولوا اجتياز الحدود في الثلاثية الأولى من عام 2018، بثلاثة آلاف شخص أي بزيادة عشر مرات خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية، وفق المصدر ذاته، ما يطرح سؤالاً حول جدية الدولة التونسية في مواجهة الظاهرة.

يرى مسعود الرمضاني، رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن الدولة مسؤولة عن تفاقم الهجرة غير الشرعية، لأنها “لم توفر الأمل للشباب بالحصول على وظيفة، ولم تعمل على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لذلك أصبح همه الوحيد هو مغادرة الوطن. وإن لم تنجح التجربة فسيكررها”.

لم تنجح الثورة التونسية في جعل الشبان التونسيين يستعيدون الأمل في العيش الكريم في بلادهم، فبعد سقوط الدكتاتورية، تفاقمت الاضطرابات والتجاذبات السياسية، إضافة إلى تفشي الفساد في مفاصل الدولة، وسياسة التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي على تونس، كل ذلك جعل السياسيين بعيدون كل البعد من مطالب الشباب بالكرامة والشغل والعدالة الاجتماعية، وهي التي كانت شعارات الثورة. يُضاف إلى هذه العوامل،  أزمات اجتماعية وتزايد التسرب المدرسي حيث ينقطع عن التعليم سنوياً 100 ألف تلميذ، ينتهي بهم الأمر في أحضان البطالة، التي بلغت نسبتها 15.4 في المئة.

رؤوف بن يغلان وهو مسرحي من أكثر الفنانين الذين اشتغلوا على موضوع الهجرة غير الشرعية من خلال مسرحيته “حارق يتمنى” التي طاف بها كامل الجمهورية من أجل توعية الشباب بمخاطر “الحرقة”، يعتبر أن “فقدان الأمل عند الشباب وانعدام الثقة في أصحاب القرار السياسي والإحساس بالخيبة بسبب عدم مبالاة النخب الحاكمة والقريبة من السلطة بحاجاته، هو ما يدفعه إلى اليأس والإحباط” ويضيف: “مع الأسف، لم يعد الشباب ينتظر أي شيء من الدولة ويعتبر أن المجتمع بأسره تخلى عنه”.

في الأثناء، لا يبدو أن “فاجعة قرقنة” قد أقنعت الشباب بالتخلي عن حلم “الحرقة”، فبعد أقل من أسبوع على الحادثة أمسك الحرس الحدودي قارباً جديداً يحاول اجتياز الحدود خلسة، انطلاقاً من قرقنة وعلى متنه 24 مواطناً تونسياً.

ازدياد نشاط مافيات التهريب

في ظل هذا المناخ من الخيبة والإحباط، تتدخل مافيات التهريب لتبيع الوهم للشباب. هذه المافيات التي تزايد نشاطها بعد الثورة بسبب ضعف الرقابة على الحدود، تتاجر في أرواح الناس مقابل مبلغ 4000 إلى 4500 دينار (1600 إلى 1800 دولار) يدفعها كل مهاجر لبلوغ “أرض الأحلام”.

لا يبالي المهربون باحترام الحد الأدنى من إجراءات السلامة لضمان وصول المهاجرين على الأقل سالمين إلى برّ الأمان، بل يعمدون إلى استئجار قوارب صيد قديمة ومهترئة وتحميلها أكثر من سعتها من الركاب، فلا تلبث أن تمتلأ بالمياه ما إن يتقدم القارب في عرض البحر، ليجد المهاجرون أنفسهم في الماء من دون أي مساعدة، وعادة لا يجيد معظمهم السباحة، وهو ما حصل في حادثة قرقنة وحوادث أخرى قبلها.

تحرك السلطات أخيراً للقبض على 12 من المشبته بهم في العمل ضمن هذه المافيات، يُعتبر خطوة إيجابية لكن “غير كافية”، بحسب مسعود الرمضاني، لأن هذه المافيات منتشرة على كامل تراب الجمهورية، ولا بد من جهد أمني كبير للقضاء عليها. كما أنه “ما لم تتحسن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، فلا يمكن التصدي لظاهرة الهجرة غير الشرعية ولنشاط المهربين”.

الضغط على الاتحاد الأوروبي

يأمل الرمضاني في الضغط، بالتعاون مع مجموعة من الجمعيات المحلية والأجنبية، على الاتحاد الأوروبي لتغيير سياسته الوقائية تجاه بلدان جنوب المتوسط وأفريقيا. فحالياً يعيد الاتحاد الأوروبي مناقشة اتفاق الشراكة مع تونس وهو ما يعبر عنه بـ”أليكا”، في اتجاه فتح الأسواق التونسية أكثر للبضائع والسلع الأوروبية لتشمل أيضاً المجال الفلاحي وقطاع الخدمات. في المقابل، يرفض الاتحاد تسهيل تنقل الأشخاص نحو أوروبا للعمل. “ليس من المعقول أن نفتح أسواقنا من دون شروط!” يستنكر الرمضاني، مستطرداً: “ما نطلبه هو على الأقل أن يتخلى الاتحاد الأوروبي عن سياسته الحمائية ويلغي التأشيرة حتى يستطيع الشباب التونسيون السفر ليجدوا موطن شغل، كما في الماضي (قبل إقرار تأشيرة في 1995)، إذ استفادت القارة العجوز كثيراً من اليد العاملة التونسية”.

في الأثناء، لا يبدو أن “فاجعة قرقنة” قد أقنعت الشباب بالتخلي عن حلم “الحرقة”، فبعد أقل من أسبوع على الحادثة أمسك الحرس الحدودي قارباً جديداً يحاول اجتياز الحدود خلسة، انطلاقاً من قرقنة وعلى متنه 24 مواطناً تونسياً.

ومن المنتظر، أن تنطلق قوارب أخرى قريباً، فمع بداية شهر حزيران/ يونيو، ترتفع درجات الحرارة ويهدأ البحر، فتتصاعد وتيرة الهجرة غير الشرعية، في نزيف لا ينتهي…

  

 

إقرأ أيضاً