هنا القصة الثالثة

حسام عيتاني

مقالات الكاتب

الحرب الكبيرة قابِلة حروبنا الصغيرة

ليس في أرشيفنا حالة واحدة من تحسن الواقع العربي الداخلي بعد أي جولة كبيرة من القتال مع اسرائيل، ما يحملنا على تساؤل عميق عما قد تؤول أوضاعنا اليه في حال اندلعت حرب جديدة قد تكون إيران من أطرافها هذه المرة، إلى جانب اللاعبين المحليين.

برر انقلابيو خمسينات القرن الماضي خروجهم على السلطات القائمة بضرورة التخلص من الأنظمة العميلة للاستعمار والمتواطئة معه في تسليم فلسطين إلى اليهود مقابل احتفاظها بعروشها وحكوماتها. وأرسى العدوان الثلاثي على مصر الحكم الامني -العسكري الذي تعمم نموذجه إلى المشرق خصوصاً سوريا والعراق، وإلى المغرب نحو الجزائر وليبيا لاحقاً. هزيمة 67 حطمت فكرة الدولة العربية باعتبارها رافعة التاريخ الذي سيتوج بالوحدة الشاملة. ورسمت حرب الإستنزاف بين 68 و70 حدود فاعلية الجيوش العربية. أما حرب 1973 فنتيجتها الرئيسة كانت منح الشرعية الداخلية لرئيسين عانيا من ضعف قاعدتهما السياسية إثر انقلابين على الرفاق السابقين، أنور السادات وحافظ الأسد، اللذين تفرغا بعد الحرب لتنظيم أمور حكمهما بعد سلسلة من التوافقات الكبرى مع الولايات المتحدة وضعت النظامين في منأى عن العداء الغربي الصريح.

الاجتياح الاسرائيلي للبنان في 1982 دمر البديل الذي اقترحته المعارضات العربية للانظمة العسكرية. تسليح الشعب وتكليفه مهمة التحرير والحرب طويلة الأمد افضت كلها الى جلب الاقتتال في الأردن ولبنان وإلى تمهيد الطريق لاحتلال اسرائيلي دام 18 عاما للأخير. وادى الاحتلال الى المزيد من تفتيت الوضع اللبناني وتعرية اوهام المشاريع الوطنية والتحرير وإظهار الحرب على حقيقتها كسلسلة من حروب الاستتباع والمذابح الاهلية تتحكم في مساراتها العريضة ارادات القوى الاقليمية العاتية مقابل هزال التركيبات الحزبية اللبنانية.

واسفر فشل الانتفاضة الفلسطينية الثانية عن حرب اهلية صغيرة بين “فتح” و”حماس” وسيطرة هذه على قطاع غزة بعدما كانت الانتفاضة الأولى وهي الأنجح والأقرب الى قدرات وامكانات الفلسطينيين الواقعين تحت الاحتلال قد أسست للإنقسام الفلسطيني – الفلسطيني حول خيارات الحل واسلوب مقاومة اسرائيل، مع انطلاق مفاوضات واشنطن ثم اتفاق اوسلو، وهو أنقسام مستمر الى اليوم.

حرب تموز (يوليو) 2006، حملت “حزب الله” الذي يفترض انه حقق نصراً إلهياً، على تحويل ضغطه إلى الداخل في محاولة لاسقاط حكومة “متعاونة مع العدوان” كان قد كلفها، هي ذاتها، التفاوض باسمه في ساعات ضعفه، قبل ان ينقض بالسلاح على هذه الحكومة في مايو/ أيار 2008، ويغيّر صيغة الحكم بالقوة، الى غير رجعة ويفرض نفسه وصيا على الدولة بدل الوصي السوري المنسحب اضطراراً. بدايات تشكل وطنية لبنانية التي تمثلت في تظاهرة 14 مارس/ آذار 2005، وَأَدَتها اعتصامات قوى 8 آذار واجتياحها لبيروت ما رفع إلى مستوى غير مسبوق حدة التخاطب المذهبي والطائفي.

غني عن البيان ان الصراع العربي –الاسرائيلي كانت له أثاره العميقة على اسرائيل ومجتمعها وسياستها وساهم إلى جانب عوامل أخرى في انقراض النزعة العمّالية الاسرائيلية وفي الانزياح العام نحو اليمين الفاشي- الشعبوي. لكن في الوقت الذي نجحت آليات الرقابة السياسية الداخلية وانتماء اسرائيل العضوي إلى تحالف دولي متين قوامه الغرب والولايات المتحدة، في حمايتها من الانزلاق نحو التناحر الدموي، ساهم غياب هذين الآلية والتحالف في مفاقمة أزمات العرب المتأتية عن الصراع الذي عمل كعنصر كشف لهشاشة البنى الاجتماعية العربية وفواتها وتوقفها، عمليا، في مرحلة الولاءات العشائرية والعائلية والعجز عن التحول إلى شعب، أي إلى فاعل سياسي مؤهل لتحديد ولوعي مصالحه والدفاع عنها وعدم الاكتفاء بردود فعل تمليها معطيات الهوية الطائفية او القبلية أو الجهوية.

وبينما يتصاعد التوتر اليوم بين إيران وبين اسرائيل وبغض النظر عما اذا كانتا ستتجهان إلى حرب مفتوحة، لا يبدو أن الجانبين راغبان بها، يجوز التساؤل عن المسار الذي ستتخذه الآن المجتمعات العربية التي لم تبرأ بعد من انقساماتها القديمة ومن تلك التي عمقت حدتها الثورات العربية واخفاقاتها. ذلك أن ليس من بين أدوات العمل السياسي العربي إلا الانتماءات والهويات العاجزة تعريفاً وتجريباً، عن أي شيء ما خلا انجاب المزيد من المقاتلين الشرسين في ساحات الوغى المذهبية والدينية.

وتبدو كل حرب عربية – اسرائيلية كأنها تزيل طبقة رقيقة من طلاء المدنية والحداثة التي اصطنعها العرب لأنفسهم لتتكشف من تحتها مكوناشتهم الاهلية وما دون الدولتية القديمة.

وهنا تكمن المفارقة الفاجعة، فكلما تراجعت قدرة العرب، مجتمعين او منفردين، على تحقيق مكسب عسكري واضح او تسوية سياسية عادلة، كلما ارتفعت عقيرة القوى الدينية والمذهبية والطائفية بأنها باتت قاب قوسين أو أدنى من النصر المؤزر على العدو الصهيوني. التفتت الوطني هو المرادف الصريح للحمة الجماعة الاهلية واندثار خطاب الشعب والوطن لا يخدم إلا صعود خطابة الثانية، فيما يبقى المحك الحقيقي في رد الموت بأشكاله واسمائه المتعددة.

إقرأ أيضاً